مجلس الأمن والدفاع السوداني: هل يمكنه التعاطي مع المبادرة الأمريكية–السعودية واستعادة القرار المخطوف؟

أواب عزام البوشي
awabazzam456@gmail.com
في كل مرة يخرج فيها الخبر عن اجتماع «مجلس الأمن والدفاع السوداني»، يُقدَّم للرأي العام بوصفه لحظة سيادية حاسمة، وكأن القرارات الكبرى تُصنع داخل هذه القاعة، وبين هذه الوجوه. لكن الواقع، الذي خبرته التجربة السودانية منذ عقود، يقول شيئًا آخر تمامًا: الاجتماع في حد ذاته بات إجراءً شكليًا، بينما القرار الحقيقي يُتخذ في مكان آخر، وبأيدٍ أخرى.
تتحدث الأوساط الإعلامية هذه الأيام عن اجتماع مرتقب لمجلس الأمن والدفاع لمناقشة المقترح الأمريكي–السعودي المتعلق بمسارات الحرب والهدنة الإنسانية. غير أن هذا الحراك، في جوهره، لا يخرج عن كونه غطاءً مؤسسيًا لقرارات لم يصغها المجلس، ولن يملك حق تعديلها أو رفضها. فالمعادلة التي حكمت السودان منذ نهاية عهد الإنقاذ ما زالت قائمة: الدولة بواجهاتها الرسمية، والتنظيم بقراره الفعلي.
في هذا السياق، لم يعد خافيًا أن التيار الإسلامي داخل مفاصل السلطة هو صاحب اليد الطولى في تحديد كيفية التعاطي مع الضغوط الدولية، بينما تكتفي الحكومة المعلنة ومجالسها بلعب دور الواجهة التنفيذية. فالمسار الفعلي للقرارات يؤكد أن مركز الثقل لم يغادر التنظيم، وأن الدولة ما زالت تُدار بمنطق الوصاية السياسية لا بمنطق التفويض المؤسسي.
وفق هذه المعطيات، جرى توجيه حكومة كامل إدريس باتخاذ خطوة محسوبة تتمثل في تجميد و إعادة النظر في بعض التفاهمات مع روسيا المتعلقة بالوجود في البحر الأحمر، في رسالة تهدئة موجهة تحديدًا إلى الرياض، ومحاولة لتخفيف حدة القلق السعودي من أي تموضع روسي قد يخل بتوازنات الإقليم. الرسالة هنا مزدوجة: من جهة، طمأنة الحلفاء الإقليميين بأن الخرطوم لن تكون منصة صراع نفوذ دولي، ومن جهة أخرى استخدام هذه الورقة كورقة تفاوض لتخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية المتصاعدة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فبحسب المصادر نفسها، جرى توجيه رئيس جهاز المخابرات العامة بالتعاطي الإيجابي مع المبادرات الأمريكية الخاصة بملف مكافحة الإرهاب، ليس انطلاقًا من تحول استراتيجي في الرؤية، بل كتكتيك مرحلي هدفه إعادة فتح قنوات التواصل، وتخفيف القيود، وتجنب إدراج السودان مجددًا في دوائر العزلة والعقوبات غير المعلنة.
بهذا المعنى، فإن ما يجري ليس صراع سياسات بقدر ما هو إدارة ضغط. إدارة تحاول من خلالها الحركة الإسلامية تقديم تنازلات محسوبة في الملفات الخارجية، دون أن تمس جوهر سيطرتها الداخلية، أو تفتح الباب أمام تحول حقيقي في بنية القرار السياسي.
أما مجلس الأمن والدفاع، فيبقى حاضرًا في الصورة… وغائبًا عن الفعل. يجتمع ليُعلن، لا ليُقرر. يناقش ما تقرر سلفًا، ويُسوّق ما صيغ خارج أسواره. وهو وضع يعكس أزمة أعمق من مجرد خلل مؤسسي؛ أزمة دولة لم تُحسم فيها بعد علاقة السلطة بالتنظيم، ولا موقع الحكومة من القرار.
في المحصلة، فإن أي قراءة جادة للمشهد السوداني لا ينبغي أن تنشغل كثيرًا بمن يجتمع، بقدر ما تسأل: من يقرر؟
ففي السودان، كما أثبتت التجربة، ليست كل الطاولات متساوية… وبعضها وُضع فقط لالتقاط الصورة.

عن أواب عزام البوشي

أواب عزام البوشي

شاهد أيضاً

«يا نحكمكم يا نقتلكم»: المنطق الحقيقي للسلطة في السودان

أواب عزام البوشي لم تعد هذه العبارة مجرد شحنة غضب في خطاب سياسي مأزوم، بل …