د.عمرو محمد عباس
يُعدّ صعود مجموعة دال، بقيادة أسامة داود عبد اللطيف، أحد أهم التحولات في تاريخ القطاع الخاص السوداني خلال نصف القرن الأخير. فالمجموعة تمثل نموذجًا معبّرًا عن كيفية تَشَكُّل رأس المال الكبير في بيئة مضطربة سياسيًا، تعاقبت عليها الانقلابات، العقوبات الدولية، اقتصادات الحرب، وغياب الاستقرار المؤسسي. وبينما ارتبطت مصالح دال بالدولة في أوقات معينة، فإن توسعها الحقيقي جاء من القدرة على بناء شبكات إقليمية ودولية وتبني أسلوب حديث في الإدارة وجذب الكفاءات، الأمر الذي جعلها أكبر مؤسسة اقتصادية خاصة في السودان قبل حرب 2023.
أولًا: الجذور والتأسيس — من التجارة المحلية إلى بناء التكتل الصناعي
تعود جذور مجموعة دال إلى أربعينات القرن العشرين، حين بدأ داود عبد اللطيف، والد أسامة، نشاطه التجاري في استيراد السلع العامة والآليات. وقد استفاد من نشوء طبقة تجارية حضرية جديدة في مدن مثل الخرطوم ومدني وعطبرة، والتي ارتبطت بمشاريع الدولة الحديثة ونشاطات التاجر-السمسار.^1
مع السبعينات، توسعت المجموعة في استيراد السيارات (خصوصًا مرسيدس في تلك الفترة)، والآليات الزراعية، وشبكات توزيع السلع، ما جعلها لاعبًا مهمًا قبل انقلاب 1989.عاد أسامة بعد دراسة إدارة الأعمال في الخارج، حاملاً معه رؤية حديثة لإعادة هيكلة الشركة، وتطوير خطوط إنتاج غذائية وصناعية تعتمد على الجودة والتسويق الحديث.^2
ثانيًا: دال في عهد الإنقاذ — علاقة مركبة بين الدولة ورأس المال
- مناخ ما بعد 1989: دولة محاصرة تبحث عن شركاء اقتصاديين
مع انقلاب الإنقاذ عام 1989 دخل السودان مرحلة عزلة دولية وعقوبات أميركية، ما خلق فراغًا اقتصاديًا ضخمًا. احتاج النظام إلى شركة كبيرة لديها: قدرة على الاستيراد تحت العقوبات، شبكة خارجية توفر النقد الأجنبي وقدرة على توفير سلع أساسية (الدقيق، الزيوت، السكر).
وجدت الإنقاذ في دال شريكًا مناسبًا، ووجدت دال في الإنقاذ واقعًا سياسيًا يتطلب التكيّف معه لضمان بقاء القطاع الخاص.^3. كانت العلاقة إذًا علاقة تبادلية نفعية: ليست تحالفًا أيديولوجيًا، وليست خصومة سياسية، بل “صفقة صامتة” لبناء اقتصاد بديل تحت الحصار. السؤال الذي يحتاج لإجابات من الصعب توفيرها ماهي التنازلات المتبادلة بين دال ونظام فظ كالانقاذ عبر السنوات.
- مرحلة التوسع (2000–2014): الاقتصاد السياسي للامتيازات غير الرسمية
شهدت هذه الفترة توسعًا كبيرًا في أعمال المجموعة، خصوصًا في: إنتاج الدقيق ومشتقاته، معامل كوكاكولا، المطاحن، القطاع الزراعي للمساحات الكبيرة، سلاسل التوزيع والتوريد وقطاع انتاج الألبان والمدارس ووكالات السيارات وغيرها. لم تُمنح دال احتكارًا رسميًا، لكن ضعف البنية الاقتصادية وندرة رأس المال الكبير جعل المجموعة تمتلك موقعًا شبه احتكاري، ما يعكس طبيعة الاقتصاد الريعي الهجين في السودان.^4. برغم عدم تورط دال في الإنقاذ سياسيًا، لكنها استفادت من: التسهيلات المصرفية، حماية الدولة لسلاسل التوريد وغياب المنافسين الحقيقيين التي يمكن ان يكون الإنقاذ لعب ادوارا فيها.
- مرحلة التوتر والصدام (2014–2019): عندما تنكسر العلاقة
بدأ الشرخ مع حكومة البشير لأسباب عدة: أولًا: ملف القمح إذ اتهمت الحكومة دال بأنها تربح من دعم الدقيق، وردّ أسامة داود علنًا على الاتهامات، في حدث نادر يعكس تدهور علاقة النظام مع رجال الأعمال.^5
تحول الملف إلى معركة داخل الدولة نفسها، حيث أرادت مجموعات اقتصادية أخرى دخول القطاع. ثانيًا: إعادة توزيع النفوذ داخل الإنقاذ مع ظهور شبكات مصالح داخل الأجهزة الأمنية والحزب الحاكم تسعى لخلق شركات جديدة منافسة. ثالثًا: تدهور الاقتصاد العام إذ مع 2018 انهار الاقتصاد، وتزايدت حاجة النظام إلى السيطرة على السلع الأساسية، مما زاد التوتر مع دال. وبانهيار النظام في 2019، قدّم أسامة داود إعلاميًا كأحد رجال الأعمال الذين عانوا من تضييق الدولة، رغم أن العلاقة كانت مركبة أكثر من كونها معارضة أو تحالف مباشر. وكانت المسالة كلها هناك خلافات لكن المركب تسير.
ثالثًا: العلاقة مع الإمارات — مركز الشبكات الإقليمية إذ منذ السبعينات والثمانينات بنت مجموعة دال حضورًا قويًا في الإمارات، خصوصًا دبي. وقد أصبحت الإمارات: قاعدة مالية آمنة، بوابة للتوريد الدولي ومركزًا إداريًا لبعض أعمال المجموعة. والمعلومات هنا شحيحة. هذه الشبكة الإقليمية كانت ضرورية في ظل العقوبات الأميركية التي بدأت 1997.^6
لا شيء يدل على وجود علاقة سياسية مباشرة بين أسامة داود والحكومة الإماراتية، سوى بعض المقابلات في صور، لكن توجد علاقة قوية مع: شبكات رأس المال الإماراتي، البنوك هناك، المستثمرين في قطاع الغذاء والزراعة. لكن طبيعة تكوين الإمارات فهناك تداخل كبير وعميق بين الدولة والأموال والمراكز المالية. بالإضافة إلى أن الإمارات تُعد المركز التجاري الطبيعي لأي شركة سودانية كبيرة تحتاج إلى الوصول للأسواق العالمية.
- هل كانت الإمارات قناة للتأثير السياسي؟ لا توجد أدلة مباشرة على استخدام أسامة داود كقناة سياسية إماراتية. لكن بحكم موقعه، كان يُنظر إليه باعتباره: ناقلًا مفيدًا لفهم ديناميات الاقتصاد السوداني، واجهة موثوقة لرأس المال المدني، جسراً للتجارة بين البلدين. وتدل العلاقات اللاحقة مع الأسرة الحاكمة عمق العلاقة وتنوعها وتداخلها مما يشير إلى حتمية ان تكون دال احد عناصر التأثير الإماراتي في السودان.
رابعًا: العلاقة مع الشركات الأمريكية — اقتصادية، لا سياسية
- تمثل شراكة دال مع كوكاكولا أكبر صلة اقتصادية أمريكية رسمية للمجموعة.^7 وقد تطلب ذلك: مطابقة معايير الإنتاج العالمية، التزامًا رقابيًا ماليًا يتبع المعايير الأميركية.
2.تعتمد دال على آلات ومعدات زراعية وصناعية أميركية، ما جعلها جزءًا من سلاسل التوريد التي تراقبها إدارة OFAC.
- لم تظهر أي وثائق علاقة سياسية أو أمنية مع الولايات المتحدة! هذه العلاقة — كما تؤكد وثائق الاقتصاد السوداني — علاقة تجارية بحتة، لا تتجاوز الحد الطبيعي للشركات الكبرى تحت الحصار.
خامسًا: العلاقات مع إسرائيل — تنتشر شائعات كثيرة، لكنها بلا دليل. لا توجد: وثائق دولية، تقارير دبلوماسية، ولا أي تسجيل لصفقات أو لقاءات. حتى مع توقيع السودان اتفاقيات التطبيع في 2020–2021، لم يظهر اسم دال في أي قناة اتصال. وتاريخيًا، نشاط المجموعة بعيد كل البعد عن الصناعات التي جرى استخدامها في مسارات التطبيع (الأمن، الزراعة التقنية، السايبر). بالتالي: رابط دال–إسرائيل غير مدعوم بأي مصدر موثوق. رغم هذا فقد أظهرت عشرات الأمثلة التي كان فيها علاقات بين الأفراد والشركات في العالم والموساد. وربما فان علاقة الإمارات الاسرائيلية تلقي كثير من الظلال على علاقات الآخرين بالوساطة.
سادسًا: البنية الداخلية لدال — إستراتيجيات جذب الكفاءات والحوكمة
- نموذج إدارة حديث: اعتمدت دال منذ التسعينات نموذجًا إداريًا أقرب إلى الشركات متعددة الجنسيات: فصل الإدارة التنفيذية عن الملكية، بناء أقسام للموارد البشرية والتطوير، استخدام لغة الإدارة corporate management بدل نمط “شركة العائلة” السائد في السودان.
- جذب الموهوبين: اتبعت الشركة عدة إستراتيجيات: الرواتب أعلى من متوسط السوق إذ تدفع دال رواتب أعلى بـ 30–60% من السوق السوداني، وفق تقديرات خبراء الموارد البشرية.^8 برامج التدريب الدولية ترسل موظفين للتدريب في: الإمارات، جنوب إفريقيا ومراكز كوكاكولا الإقليمية.
ج. بيئة العمل و”البروفيشناليزم” تتبنى الشركة: ثقافة عمل غير هرمية نسبيًا، تقييم أداء مبني على مؤشرات محددة وفرص ترقٍ وظيفي أسرع من الشركات الحكومية.
د. خلق هوية مؤسسية قوية إذ يتحدث موظفون سابقون عن “الانتماء المؤسسي” الذي جعل العمل في دال جزءًا من الهوية المهنية.
- الحوكمة: بدأت دال منذ منتصف 2000 تطبيق: مجالس إدارة متخصصة، تقارير مالية دورية، نظم تدقيق خارجي، تنويع ملكية بعض الشركات التابعة (جزئيًا). هذا ما جعلها قادرة على التوسع إقليميًا في وقت كان فيه الاقتصاد السوداني يعاني من الانهيار.
سابعًا: دال بعد حرب 2023 — أي مستقبل؟
- التحديات: الحرب أوقفت جزءًا كبيرًا من عمليات الشركة: الخرطوم خرجت عن السيطرة الاقتصادية، سلاسل التوريد تعطلت والموانئ والعملة فقدت الاستقرار. وبانتقال مركز الثقل إلى الخارج المجموعة اليوم تعتمد تقريبًا كليًا على: الإمارات، إثيوبيا، جنوب السودان، وربما مصر مستقبلًا. ويتوقع أن يتم تدويل عملياتها أكثر خلال السنوات المقبلة.
السؤال الان هل تستطيع المجموعة لعب دور في إعادة الإعمار؟ نعم — إذا تحقق استقرار سياسي مقبول. لان مزاياها: رأس مال خارجي جاهز، قدرة لوجستية والخبرة في الصناعات الغذائية والإمدادات. لكن نجاحها يعتمد بشدة على: شكل الدولة السودانية بعد الحرب خاصة بعد موقف الشعب السوداني من الإمارات والتداعيات التي ستتبعها وكيف ستكون علاقة السودان بالإمارات، كما ان هناك موقع الشركات المنافسة الجديدة المؤيدة للدولة والمعادية للإمارات.
السيناريو الأقرب هو التحول إلى شركة شرق إفريقية–خليجية أكثر منها شركة سودانية بحتة، مع بدء تفجر الموقف العدائي الأفريقي ضد الإمارات في كل المراكز التي تتدخل فيها وأكثر من ذلك التغييرات الدرامية التي يمكن ان تحدث في داخل الإمارات بعد هزيمتها في صراع السودان، مع بقاء السوق السوداني مستقبلًا أحد مكوّناتها وليس مركزها الوحيد وربما لوقت طويل.
تكشف مسيرة أسامة داود ومجموعة دال عن حقيقة مركزية: إن رأس المال السوداني الكبير لم ينشأ داخل بيئة مستقرة، بل في فضاء مليء بالتقلبات، ما جعله يتشكل بطريقة هجينة بين علاقات العائلة والدولة، شبكات الإقليم والانفتاح على الاقتصاد العالمي.
اخيراً: فان دال كانت جزءا مهما في الاقتصاد السوداني وكنت من المعجبين بقدرتها على تقديم نموذج بجودة عالية في نظام قمعي مريع. أنا من الداعين لعودة دال للمساحة السودانية،ليس عن طريق التسلل عبر مصانعها الموجودة كأمر واقع، لكن هذا يستلزم أثمانا، جزء منها سيؤثر على امكانياتها الاقتصادية وجزء آخر من علاقاتها التاريخية مع سلطة تحت ضغوط كبيرة وتدنو من الانهيار، هذه أثمان لابد ان تدفعها وأعتقد ان إدارة دال تعلم المقصود تماماً تجاه الشعب والدولة والموقف ضد التأثير الإماراتي وعلاقاتها الحالية.
هوامش
- أحمد عبد الرحيم نصر، تطور القطاع الخاص السوداني (الخرطوم: مركز الدراسات الاقتصادية، 2004)، 71–75.
- خالد التيجاني النور، “تحولات الرأسمالية السودانية”، مجلة الدراسات الإفريقية 12، عدد 3 (2002): 44–47.
3. International Crisis Group, Sudan: Global Isolation and Domestic Crisis (Brussels: ICG, 2000), 22–24.
4. Atta El-Battahani, “The Political Marketplace in Sudan,” Rift Valley Institute Report (2016): 15–19. - محمد لطيف، “جدل القمح بين الحكومة ومجموعة دال”، صحيفة السوداني، 15 يناير 2015.
6. Alex de Waal, The Real Politics of the Horn of Africa (Cambridge: Polity, 2015), 162.
7. Coca-Cola Company, Annual Report 2012, “African Bottling Partners.” - مقابلات مع خبراء موارد بشرية في الخرطوم، منشورة في تقرير سوق العمل السوداني، مركز النيل للاستشارات، 2018.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم