محاكمة المدني وتحصين الانقلابي

رفعت محكمة الجنايات في بورتسودان، الستار عن عرض مسرحيتها الأولى، باستدعاء مئتين وواحد متهم، بينهم من حملوا مفاتيح السلطة المدنية والعسكرية، ليقفوا أمام هيئة الاتهام. الحضور غائب مثل غياب العدالة عن معالمها الواضحة، فالمحكمة لا تمضي في اتجاه الحقّ، بل تتحرك كأداء مسرحي لإغراق المشهد العام في الضوضاء والرماد، لمحاولة ابتلاع إرث ثورة ديسمبر وإخماد توهجه في ذاكرة الشعب.

حمدوك، رئيس وزراء التجربة المدنية الهشة، يقف في مواجهة اتهامات تتجاوز سياق الفعل وتغرق في الرمزية السياسية. تهم دعم التمرد، وحمل السلاح، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتقويض النظام الدستوري، تتصدر العناوين، لكنها تتناقض مع الواقع الأرضي.

المدنيون الذين سعوا لوقف الحرب وتقديم السلام يجدون أنفسهم محاطين بسياج الاتهامات، بينما القادة العسكريون الفعليون، الانقلابيون الذين صنعوا المعارك وأسالوا الدماء وحرّكوا الدخان، يمرون بلا مساءلة. كأن القانون يختار ضحاياه وفق حسابات الانتقام السياسي، لا الحقائق.
هيئة الاتهام عرضت بيناتها، سرد طويل للأرقام والمواد القانونية، محاولة بناء ملف متكامل. لكن كثافة الأوراق لا تصنع عدالة، ولا تحمي المحكمة من الانزلاق في فخ الرسائل السياسية.
الإجراءات لا تتجاوز أن تكون أداة لإعادة ترتيب السلطة، لإفراغ الفضاء المدني من أي مقاومة، وإفساح الطريق أمام قوى الانقلاب والفلول الذين تسللوا إلى السلطة بعد أكتوبر 2021 سعياً لتشكيل مستقبل البلاد وفق رؤى شمولية، ملوّنة بالخداع والإقصاء.

المحاكمة تعكس تخبطا واضحا، تائهة بين الصياغات القانونية والتوقعات السياسية. التهم تحمل صدى النظام السابق، الذي استعمل القانون في خدمة المصالح والانتقام، كما حدث مع قضايا سياسية مشابهة قبل الثورة. هذه المرة، الطقس أكبر حجما، أكثر ضجيجا، والضحايا المدنيون أكثر من أي وقت مضى، بينما يقف الفاعلون الرئيسيون خارج دائرة المساءلة، متحصنين بالامتياز العسكري والسياسي.

“قوّة العين” قادتهم إلى تحميل مسؤولية تقويض النظام الدستوري لأفراد مثل حمدوك، بينما من انقلب وعطل الوثيقة الدستورية يظل خارج التحقيق، مما يكشف الوجه الحقيقي للمحاكمة: صناعة وهم العدالة لتغطية إرادة السيطرة، استخدام القانون كأداة إلهاء، وإغراق الشارع في مشهد متكرر من الخوف والإحباط، بينما تستمر الحرب السياسية على الأرض، وحضور الثورة يُضرب بمحاولات التصفية الرمزية.

عدد المتهمين المدنيين يفوق بكثير قيادات وعناصر مليشيا الدعم السريع، الأمر الذي يجعل الهدف السياسي واضحا: شيطنة القوى المدنية التي أطاحت بالنظام السابق، وتحويل المحاكم إلى واجهة لإعادة توزيع السلطة، أكثر من كونها آلية لتحقيق العدالة أو إنهاء الحرب.
في النهاية، محكمة جنايات بورتسودان، التي فتحت أبواب مسرحها للفرجة، ليست سوى قشرة على هيئة عدالة، طقس إعلامي يفتقر إلى عمق القانون، وتجربة متكررة لاختزال الثورة ومقاومتها في أوراق جنائية.

الحقيقة ستظل حاضرة في وجدان السودانيين، في أحياء جميع المدن ومناطق المقاومة، في قصص الذين رفعوا صوتهم ضد الطغيان، في سجل الثورة الذي لا تمسّه بيانات أو أحكام. المحاكمة تختبئ خلف الكلمات والمواد القانونية، لكنها لا تستطيع حجب صوت الشعب وإطفاء سعيه للسلام والحرية.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

أين صفوت؟ إن شاء الله المانع خير

نزار عثمان السمندل بحري تعرف أبناءها كما تعرف مجرى النيل. تحفظ أصواتهم في ذاكرة الماء، …