مداخلة حول مقال: “كيزان السودان … إقصاء أرباب الإقصاء”

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com
تحت العنوان أعلاه، كتب الأستاذ علاء خيري مقالًا جديرًا بالمناولة، فكرته المركزيّة أن إقصاء (الكيزان) من الساحة السياسيّة ليس انتقامًا أو ترفًا أو حربًا مع الدين، بل هو ضرورة تاريخيّة وحتميّة لحماية الانتقال الديمقراطي ومنع عودة الاستبداد، الذي لا يُقهر بتسويات هشّة. ويضيف أنّ بيان الرباعيّة شدّد على أنّه لا مستقبل لأيّ تسوية سياسيّة في السودان إذا كان الإسلاميون جزءًا منها.
لقد استوقفني المقال لأنّه يتعلّق بثورة عظيمة قدّمت تضحيات جسيمة، لكنّها فشلت في إزالة الاستبداد، فانتكست وبلغ أمرها ما عليه حالنا اليوم. وأصبح الحديث عن إقصاء الاستبداد أقرب إلى خطاب يبعث الأمل أكثر ممّا يقدّم حلولًا.
لا أبحث عن جدلٍ حول الإقصاء، ففي ظلّ مؤشّرات إيجابيّة بدأت تلوح من أكثر من جهة، يزداد الأمل في حوار شاملٍ مثمرٍ يفتح آفاقًا واقعيّة للخروج من الأزمة. حوار هادئ وشجاع، يتجاوز الغرور والتطرّف الفكري، ويقوم على الاعتراف المتبادل بالأخطاء وتحمل تبعاتها. حوار يقرّ بأنّ السودان لن تحكمه البندقية مهما كان حجم التمكين، وأنّ طريقه إلى المستقبل يمر عبر إنهاء الحروب، واستعادة مسار الثورة، والتعافي الوطني، والحفاظ على وحدة البلاد، والاستقرار والتنمية، ليعود السودان دولةً محترمة، فاعلة، ومتصالحة مع محيطه الإقليمي والدولي.
لا خلاف على أنّ الإقصاء السياسي لأيّ نظام استبدادي تُطيح به ثورة تطمح إلى الحريّة والديمقراطيّة والعدالة يُعَدّ أمرًا أساسيًّا. غير أنّ الأستاذ علاء أسهب في الاستشهاد بحالات الإقصاء التي حدثت للاستبداد في بعض الدول، لكنّه لم يتناول العوائق الحقيقيّة التي حالت دون إقصاء الاستبداد في السودان بعد الثورة، وهي عوائق لا صلة لها بمخاوف الانتقام أو بالعداء للدين، بل تعود إلى عوامل أعمق وأكثر تعقيدًا.
بالوقوف على حالات الإقصاء التي أوردها علاء، نجدها قياسًا مع الفارق؛ فالنازيّة والفاشيّة في ألمانيا وإيطاليا تولّت اجتثاثهما دول الحلفاء بعد هزيمتهما في الحرب العالميّة الثانية.
وفي رواندا تمّ ذلك بالقوّة العسكريّة. وفي دول أمريكا اللاتينيّة تمّ بالحراك الشعبي المسلّح والدعم الدولي. وفي جنوب أفريقيا تمّ إقصاء استبداد الأقليّة بأن قاد حزب مانديلا مقاومة شعبيّة مسلّحة ودعمًا دوليًّا، ثم عدالةً انتقاليّة تصالحيّة وليست انتقاميّة، لعب مانديلا دورًا حكيمًا في قبولها.
وفي المملكة الإسبانيّة أقام فرانكو نظامًا استبداديًّا، لكنّه قبل وفاته عيّن الملك كارلوس خلفًا له، والذي برغبته قاد البلاد تدريجيًّا إلى النظام الديمقراطي. أي إنّ الاستبداد أقصى نفسه بطوعه.
أمّا الثورة التونسيّة، الأقرب إلى السودانيّة من حيث سلميّتها، فقد تميّزت بحياد الجيش وهروب رأس النظام إلى الخارج، لكنّها رغم ذلك لم تنجح في إقصاء الاستبداد بشكل كامل.
وهكذا، فإنّ الإقصاء الذي يتحدّث عنه علاء لا يصلح مثالًا، لأنّه يتعلّق باستبداد تمّ اجتثاثه بالعمل العسكري، أو تمّ إقصاؤه سياسيًّا بالثورات الشعبيّة المسلّحة والدعم الخارجي، أو أقصى نفسه اختياريًّا. أمّا الثورة السودانيّة فقد كانت سلميّة في مواجهة الآلة العسكريّة التي حصدت الأرواح على مرأى من عالم حقوق الإنسان، الذي اكتفى بالفرجة دون أيّ دعم فعلي، بل تعرّضت الثورة للكيد الإقليمي الجِواري توجّسًا من انتشار العدوى.
الحالة السودانيّة فريدة؛ ثورة سلميّة أسقطت رأس النظام الاستبدادي، لكن ظلّ تمكينه داخل الدولة قائمًا. اللجنة الأمنيّة للنظام سيطرت على المشهد بدعوى الانحياز للثورة، فأصبح التمكين المدني محميًّا بالتمكين العسكري، ممّا شلّ مقدرة الثورة على إقصاء الاستبداد.
فكانت النتيجة انقلاب مذبحة القيادة العامّة، وما أعقبه من حراك ثوري، اضطرّ العسكر للجلوس مع ممثّلي الثورة، فتمّت تسوية سياسيّة قنّنتها الوثيقة الدستوريّة. فخلقت مفارقات في غاية التعقيد، نقلت الثورة من شرعيّتها الثوريّة إلى الشرعيّة الدستوريّة، ولتتعايش مع الاستبداد بأن أصبحت اللجنة الأمنيّة (أداة الاستبداد) على رأس الجيش والسلطة الانتقاليّة، وأُخضعت عمليّة تفكيك التمكين للدستور والقانون. ومن المفارقات الأكثر إيلامًا أنّ “الاستبداد” أقنع ممثّلي الثورة أن يشاركوهم في عمليّة إزالة “الاستبداد”.
نواصل…

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …