باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 8 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الوليد محمد الأمين
الوليد محمد الأمين عرض كل المقالات

(مذبحة الضعين – الرق في السودان) لبلدو وعشاري: عن المذبحة التي لا تزال تتناسل فينا (2-2)

اخر تحديث: 8 نوفمبر, 2026 12:02 مساءً
شارك

عرض ونقاش: الوليد محمد الأمين

أشرنا في مقدمة هذه الكتابة إلى حال الكتاب وملابسات طبعه ونشره. ومن المعلوم أن الكتاب مُنع من النشر والتوزيع في السودان إلى يومنا هذا. منع وقتها بقرار ثم من بعدها استمر المنع حتى وقتنا هذا الذي لم يعد لمنع الكتب فيه أثر ذي بال. رغم ذلك نجد أن بعض الكُتّاب قد تناولوا الكتاب بالكتابة عنه بعد صدوره. من ذلك ما كتبه البروفيسور عبد الله علي إبراهيم عن الكتاب وقتها، ثم أعاد نشره كما ذكر هو ذاته ضمن كتابه (الثقافة والديمقراطية) الصادر في العام 1996م. وإذا ضربنا صفحا عن المحاججات والردود بين الدكتور عشاري والبروفيسور عبد الله بشأن التقرير وتبعاته، وهي مبذولة الآن في فضاء الانترنت لمن رغب في الاطلاع عليها، إذا تجاوزنا ذلك أقول فسنجد للبروفيسور عبد الله رأيا كتبه وقتذاك وأعاد نشره غير مرة، يقول فيه إن الكتاب يعيبه “ميله القوي إلى الفضح والتأجيج، مما أبعده إلى حد كبير عن جنس التحقيق السياسي وقربه كثيرًا إلى عرض حال المظلوم”. ويضيف عبد الله أنه “وربما زكّى هذا الميل الكتاب لدوائر مختلفة رأت فيه أن شهد شاهد من أهله (أي أنه صارت تصدر عن بعض أهل الشمال مثل بلدو وعشاري اتهامات لأهليهم الشماليين بشأن سوء معاملة أهل الجنوب)”. وفي الحقيقة فمع وجاهة هذا الرأي في مقام النظر للكتاب من وجهة النظر التي ترى أن الكتاب تغاضى عن تاريخ علاقات الرزيقات مع الدينكا، فالكتاب- التقرير ركز على المذبحة بوصفها الحدث، بينما نستطيع أن نقرأ في رأي عبد الله أنه طالما المخاطب بهذا التقرير هو جماعات حقوق الانسان في العالم فكان الأولى عرض المسألة من جوانبها الأشمل. وفي ذلك يرى عبد الله أنه “قد انتهى هذا الميل بالكاتبين إلى هدم عناصر التماسك واستقلال الاستقصاء في تحريهما هدماً كبيرًا”. في الحقيقة استوقفتني مسألة ذات دلالة هنا، فالغرب، ومنظمات حقوق الانسان فيه وغيرها، عدّت ذلك الأمر شهادة شاهد من أهلها بتعبير عبد الله، شهادة ودليل على عسف الشماليين العرب وتسلطهم وقتلهم واسترقاقهم للجنوبيين ذوي الأصول الإفريقية. وليس ببعيد عن ذلك بالطبع خطابات الحركة الشعبية لتحرير السودان قبل انفصال جنوب السودان، بل وحتى بعده، وكذلك خطابات الحركات الدارفورية في اتهامها للشماليين السودانيين بكل الموبقات. ما أود قوله هنا أن هذه الفظائع لم يرتكبها الشماليون الجلابة، وهم في تفسير هذه الكلمة الجعليون والشايقية والدناقلة وعموم شعب شمال السودان. لقد ارتكبت هذه المجازر والفظاعات قبيلة الرزيقات وبعض أفراد القبائل المتحالفين معها، وإن مرحليا، وهم على كل حال ليسوا من قبائل الشمال. رغم ذلك ظل الاتهام مقصورا على الشماليين، وحتى حين يشار إلى دور السيد الصادق المهدي وحزبه صاحب الأغلبية وقتها، حزب الأمة، في التغاضي عن المذبحة والتعمية عليها، فيشار إليه باعتباره حزبا شماليا، ذلك بالطبع على الرغم من أن غالبية المنتمين لحزب الأمة هم من قبائل غرب السودان ودارفور، وعلى الرغم من أن الرزيقات مرتكبو المجزرة هم في الأصل من قبائل غرب السودان. يمكن تفهم ذلك وقتها بالنظر إلى المسألة في سياقها العام وحرص الشماليين المَرضي على وحدة البلاد المصنوعة بواسطة الانجليز. ولكن ما يصعب فهمه هو صمت المثقفين السودانيين، الشماليون منهم بالذات، المتطاول على هذه الاتهامات. وعودا إلى البروفيسور عبد الله، فهو من الوحدويين السودانيين الذين يرون في الحركة المهدية ذاتها، حركة تحررية سودانية، لا حركة قمعية غازية كان عمادها الأكبر قبائل غرب السودان، استهدفت السودانيين النهريين أو الشماليين. على كل حال مرت السنوات ورأى الشماليون بأم أعينهم أفعال قوات الدعم السريع، التطور الطبيعي لقوات المراحيل؛ أفعالها في الخرطوم وفي مدن وقرى الجزيرة، وأمنيات جنودهم وزعماء عشائرهم المسجلة والمبثوثة في الوسائط باحتلال شندي ودنقلا والدبة واغتصاب الشماليات ونساء الشرق في القضارف وغيرها. وهي أمنيات وخطابات مبثوثة وموثقة في زمن الاعلام المفتوح متعدد المصادر الذي نعيشه. وفي موضع آخر يقول البروفيسور عبد الله إن “ما يعيب كتاب خرج مؤلفاه للتحقيق في أحداث الضعين، متطوعين مستقلين، أن يمتنعا في الوقت ذاته عن التماس رأي الرزيقات المعتدين، أو ممثلي الحكومة في الضعين”. بدا لي ذلك متسقا مع السياق وقتها، ولكني كمتضرر وشاهد عيان على احتلال قوات الدعم السريع لمدينتي وسامع لمخاطبات ناظر الرزيقات السيد مادبو التي يدعو فيها أبناء قبيلته لهتك الشمال، أجدني غير متحمس لالتماس رأي الرزيقات أو حتى حكومتهم التي أعلنوها في مدينة نيالا، فما قالوه يكفي ويزيد في التماس رايهم. غير أنه وللإنصاف، فإن ما كتبه البروفيسور عبد الله لا يخلو من الوجاهة عند أخذه مجملاً والنظر إليه بمنظور الأكاديميا. لا يقدح ذلك بالطبع من حيدة الكاتبين ولا يقلل من مثابرتهما وحرصهما على إحقاق الحق والاقتصاص للضحايا، خاصة عشاري الذي ظل من وقتها مهتما ومنافحاً عن قضايا حقوق النسان في السودان، وداعيا للمحاسبة لا لغرض التشفي، بل لضمان عدم تكرار المذبحة.
في العام 2023م، أصدر الدكتور عشاري، منفردا هذه المرة، كما أشرنا أعلاه، كتابا شمل تفصيلا أكثر للمذبحة تحت عنوان: “مذبحة الضعين- الذكرى السادسة والثلاثون 28 مارس 1987-28 مارس 2023”. ربما كان من المفارقات أن تندلع الحرب في الخرطوم بعدها بأقل من الشهر، ويكرر الجنود المنتمون لقوات الدعم السريع ذات فظائعهم في تلك المذبحة مرة أخرى، إنما هذه المرة في عاصمة البلاد التي تخاذل برلمانها في عهد ديمقراطيته عن ادانتهم وقتها. ذات العاصمة التي استباحها من قبل عبد الله التعايشي قبل نحو مائة عام أو تزيد قليلا باسم قوات الحركة المهدية.
احتوى الكتاب الموسع والمنقح ما يزيد على المائة صفحة. وجاءت محتوياته كالتالي: ملخص الوقائع، مسارح الجريمة في وضعية مدينة الضعين، شرارة البكاء والعويل وخلفية الخوف الرزيقي في مدينة الضعين، سياسة وخطة الرزيقات لارتكاب الجرائم العالمية في وضعية مذبحة الضعين، تدشين المذبحة مساء الجمعة 27 مارس 1987، وصول القطار 305 من بابنوسة واتخاذ القرار بترحيل الدينكا من المدينة، في محطة السكة الحديد قبل بدء تنفيذ المذبحة، الهجوم الواسع النطاق والمنتظم لتنفيذ المحرقة في محطة السكة الحديد، حرق سبعمائة شخص في حوش البوليس بمحطة السكة الحديد، حرق ستين شخصا من الجور شول في مكتب شرطة السكة الحديد، حرق 240 شخصا في العربة الخشبية المكشوفة على القضيب الثاني، حرق مئات الأشخاص وتقتيل آخرين في العربات الحديدية الثمانية وأمامها، تجربة الضحايا وقد اشتعلت فيهم النيران، مسار المذبحة، بعد المذبحة، التغطية على الجريمة، موضوعات للفيكرة في وضعية مذبحة الضعين، المرأة الرزيقية المجرمة، خاتمة، ثم أخيرا: التكييف القانوني.
ويشير عشاري في بداية الكتاب إلى أنه قد مضت 36 عاما ولم يخضع الجناة للملاحقة الجنائية ولم يتم جبر الضرر لأسر الضحايا المقتولين أو للضحايا الناجين من المذبحة، بل إن الكثيرين منهم وربما كلهم، استمروا يمارسون حياتهم بعادية ولا أحد سألهم. من ذلك مثلا يذكر عشاري في كتابه اللاحق أن “الرزيقي إسماعيل نيوبي المجرم الفالت من العقاب كان حيا حتى 2014م”، وكان له وقتها دكان في سوق الضعين وولد في نحو الثلاثين من العمر يعمل في مجال الإغاثة وتخرج من المدرسة الثانوية.
وكان نيوبي يوم المذبحة 28 مارس 1987م، بحسب رواية عشاري في الكتاب، يدحرج برميل الوقود بمعاونة صبية من أطفال الرزيقات حتى حوش البوليس، حيث كان هناك أكثر من ألف من الدينكا المنتظرين ترحيلهم من المدينة، بينما جميع عربات السكة الحديد العشرة امتلأت بالدينكا عن آخرها. فتح إسماعيل نيوبي برميل الوقود أمام حوش البوليس وأمام المسئولين الحكوميين والشعبيين، وصب من برميله للصبية في مواعين منزلية أتوا بها. ومن بعدها رشّ هؤلاء الصبية، وربما معهم آخرون من الرجال والنساء، الوقود على الدينكا المحاصرين داخل حوش البوليس. وقذف آخرون بالأشياء المشتعلة فوق الرؤوس. وهكذا حرق الرزيقات، يقول الكاتب، 700 طفلا وامرأة وبعض الرجال من الدينكا.
وفي الكتاب الجديد كذلك، فصّل الدكتور عشاري وتوسع في العديد مما لم يتم تفصيله والتوسع فيه في التقرير الأول، من ذلك تخصيصه لعنوان جانبي تحدث تحته عما سماه تواطؤ الحكومة في جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. وهنا يذكر المؤلف أن الحكومة الديمقراطية وقتها، برئاسة السيد الصادق المهدي والذي كان وزير الدفاع في ذات الوقت إضافةً إلى رئاسته للوزراء، كان وزير الطاقة فيها هو السيد آدم موسى مادبو، ووزير الدولة للدفاع فيها هو السيد برمة ناصر! وقد كان من الغريب بالنسبة لي أن يكون وزير الداخلية وقتها السيد سيد أحمد الحسين، متواطئا هو الآخر- بحسب التقرير- رغم انتمائه إلى الحزب الاتحادي الديمقراطي. أيضاً خصص عشاري عنوانا جانبيا لفقرة تحدث فيها عما سماه بتواطؤ أسرة مادبو في التخطيط لجريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وتنفيذها. وهنا يذكر أن الخطة الموسعة لأسرة مادبو الحاكمة للرزيقات كانت تقضي بإبادة الدينكا في منطقة شمال بحر الغزال، ومن ثم استيطان الرزيقات مكانها. ويذكر الكتاب أن أسرة مادبو قالوا بعد المذبحة إنهم بالصدفة غادروا الضعين لمهمة في مكان آخر، لم يحددوه، وادعوا أن “الأحداث المؤسفة” وقعت في غيابهم! ثم أنه بعد ذلك أصدرت قبيلة الرزيقات بيانا رسميا عن “أحداث بحر العرب والضعين” تم عداده تحت إشراف الدكتور آدم موسى مادبو من أسرة مادبو الحاكمة، ونشر في صحيفة السياسة كإعلان مدفوع، بتوقيع أحمد عقيل أحمد عقيل، عضو الجمعية التأسيسية (البرلمان)، وهو كان رئيس ” لجنة أبناء الرزيقات لتوضيح الحقائق حول أحداث بحر العرب ومدينة الضعين”، وكان عقيل هذا ممثل دائرة أبو مطارق عاصمة الرق في دار الرزيقات، كما سماها الكاتب.
وفيما خص مسئولية الدولة يرى عشاري بأن الدولة “تتحمل في سياق جريمة الإبادة الجماعية، المسئولية عن منع الأفعال الإبادية ومعاقبتها” ويرى أنه “. ليس ضروريا هنا إثبات القصد الجنائي للدولة. إذ تقع المسئولية في فشل الدولة على المستوى المحلي والمستوى المركزي…”.
واعتقادي الشخصي هنا أن الدولة السودانية لم يكن بمقدورها بوضعها ذاك وقف أو ربما حتى منع وقوع الجريمة بشكلها المروع الذي حدثت به. فالدولة التي لم يكن يمثلها كجهاز سلطوي في المدينة غير ذلك العدد المحدود من الشرطة ورجال القانون، يصعب تصور أن تتمكن من مقاومة مجموعات سكانية كبيرة تمرس أفرادها على عمليات القتل والسلب والغزو، ولم تكن الأحداث الحاصلة التي انتهت بالمذبحة محض رد فعل غير متحكم به. وفي مسألة ضعف السلطة المحلية هذه وقلة حيلتها روى شاهد العيان أرياك بيول، إن المسئولين كانوا يتحادثون مع الرزيقات ويترجونهم أن يذهبوا “حنسوا تحنيس”، بينما كان العرب يردون على المسئولين أن يذهبوا هم.
غير أن ذلك لا يعني تبرئة جهاز الدولة، فبطريقة أو بأخرى لا يمكن تصور أن أخبار المجزرة التي كان مخططا لها لم تكن قد وصلت إلى أجهزة الدولة الاستخبارية والبوليسية. ما عنيته هنا أنه كان بإمكان الدولة التصرف بطريقة أفضل لو أنها أخذت الأمر على محمل الجد، ولكنها لم تفعل. والحقيقة فإن هذا الإهمال المتوارث هو ما أدى إلى اندلاع الحرب الأخيرة في البلاد بصورتها الراهنة. فقوات الدعم السريع لم تدخل الخرطوم غازية، فالصحيح أنها تمكنت منها قبل ذلك تحت أعين الدولة وأجهزتها الأمنية والقمعية، من الجيش والشرطة والاستخبارات وغيرها، بل وبرعايتها. أجهزة الدولة التي برعت في تصيد المعارضين ومطاردة الطلبة وتكميم أفواه المثقفين. حتى إذا جاء صباح الغافلين في الخامس عشر من أبريل، أعلن محمد حمدان دقلو المنتمي لقبيلة الرزيقات استيلاءه على الخرطوم. إن الخلاصة التي أشار إليها الدكتور عشاري بعدم توفر القصد الجنائي للدولة لصحيحة تماما، ولكن المؤسف هو السلوك الذي سلكته هذه الدولة في التعاطي مع المسألة بعد ذلك، مما يدخلها في باب التغاضي عن الجريمة. ومن المؤسف أكثر أن ذلك حصل في ظل عهد ديمقراطي في السودان وتحت بصر حكومة منتخبة.
وبحسب الكتاب فقد شن الرزيقات هجومهم وقتها بعشرة آلاف يقودهم “الفرسان”، بعضهم على صهوات الخيول، ومن بينها عربات الكارو التجارية (عربات تجرها الحمير وأحيانا الخيول)، وبعضهم من “مليشيات القبيلة النهابون المقاتلون”. وكانت مسارح الجريمة تشمل محطة السكة الحديد، وداخل بيوت الأسر الرزيقية، وأماكن السكن العمالية في كماين الطوب، ومصنع الصابون، وفرنين، وشوارع المدينة، ومستشفى الضعين المحروسة بواسطة “نساء الرزيقات المرابطات اللائي كلفن أنفسهن بمهمة منع الجرحى من الدينكا من تلقي الإسعاف والعلاج”. كذلك فقد شاركت في الهجوم قبيلة المسيرية بجنوب كردفان، والتي بحسب المؤلف كانت تتلقى الدعم العسكري والمالي من قبل الحكومة الانتقالية بقيادة المشير سوار الدهب “عضو الحركة الإسلامية” كما أشار إليه، وبالتواطؤ السكوتي من قبل الحكومة المدنية “الثورية” بقيادة الإسلامي الجزولي دفع الله ووزرائه “الديمقراطيين”. بعدها يقول الكاتب إن الدعم لهذه المليشيات صار أكثر وضوحا وكسياسة معلنة من قبل حكومة الصادق المهدي بعد فوزه في الانتخابات، وإن اللواء برمة ناصر من قبيلة المسيرية، كان المسئول الأول عن تقديم الدعم العسكري للمليشيات.
وفيما خص استرقاق الرزيقات للدينكا، يذكر المؤلف أنه في منتصف التسعينات كان عدد الرقيق لدى الأسر الرزيقية بالمدينة أكثر من أربعة آلاف من الأطفال الصغار والفتيات والأولاد والنساء. وكان من المعتاد أن يتم التفريق بين الأم وأطفالها وبين الإخوان. ولكن تاريخ الرزيقات في الرق قديم كما يذكر الكتاب، ففي الماضي كان الرزيقات تجار رقيق وعملاء مسهلين وخادمين لتجارة الرق العالمية في القرن التاسع عشر، وأنشأ زعيمهم وقتها مركزا لخدمة تجارة الرق في مدينة شكا، وبعد انتقال مركزهم إلى الضعين استمروا في ذات الدور في تسهيل تجارة الرق العالمية.
ولكن المؤلف يذكر معلومة بدت لي غريبة، وهي أن للرق مسارات متعددة، ذكر منها اختطاف ضباط القوات المسلحة وجنودها أطفالا من جنوب السودان قصد استرقاقهم في المدن والقرى ومن بينها الخرطوم! وذكر في ذلك ما تورط فيه في المحاكم خالد الكد، وخارج المحكمة عمر البشير الذي اختطف طفلين من جنوب السودان، وهو، أي البشير، تلعثم حين سئل عنهما بواسطة صحفي أمريكي. بدا لي لك غريبا أقول، إذ لم يكن من المألوف بالنسبة لنا نحن سكان الخرطوم وشمال السودان على وجه العموم أن ضباطا من أهلنا أو معارفنا أو حتى من غيرهم، قد استجلبوا رقيقا معهم من حربهم في الجنوب.
كذلك توقفت عند ذكره ما سماه بتورط خالد الكد، غير أني لم أجد معلومة عن ذلك بالبحث في شبكة الانترنت. أما عن البشير فقد سألت بعض أقاربه ممن تمكنت من التواصل معهم فنفوا ذلك، وعلى كل فلم يذكر الكاتب أو يورد أدلة تؤكد ما ذكره هنا.
يشير الكتاب إلى كيف أن العشرين ألفا من الدينكا المدنيين النازحين في الضعين أصبحوا موضوعا للتنفيس والانتقام كما حدث في المذبحة. ويرد عشاري ذلك إلى ما حدث قبل المذبحة بفترة قليلة. إذ يقول في الكتاب إنه وللمرة الأولى فقد دارت الدائرة على مليشيات الرزيقات، واختلف ما اعتادوا عليه من تقتيل ونهب الدينكا. لقد ظهرت الحركة الشعبية كلاعب جديد في الميدان. فقد فوجئ الرزيقات هذه المرة في غزوتهم في شمال بحر الغزال محملين بالغنائم من المنهوبات والنساء والأطفال، فوجئوا بمجموعة من شباب الدينكا المسلحين العائدين لتوهم من معسكرات التدريب في إثيوبيا، والذين اشتبكوا معهم واستعادوا معظم الأبقار المنهوبة وخلَصوا بعض المخطوفين، واستعادوا بعض المنهوبات. بل إنهم طاردوا “فلول المليشيا” حتى منطقة سفاهة، والحقوا بهم وبقوات الجيش هزيمة ماحقة انتهت بإشعال جنود الجيش الشعبي النار في الدبابة التي اختبأ داخلها قائد المليشيا الرزيقية عمر قادم ومعه داخل الدبابة ضابط الجيش، مما تسبب في موتهما حرقا بعد هروب سائق الدبابة. لقد كان ذلك تطورا كبيرا في مسار العلاقة بين الرزيقات والدينكا، بل إنه كان تطورا كبيرا في تاريخ السودان نفسه كما سيكتشف السودانيون بعد سنوات من ذلك.
من العناوين التي خصصها الكاتب بالذكر نجد عنوانا يحمل اسم “المرأة الرزيقية المجرمة”. وتحته يذكر عشاري عددا من شهادات الشهود، من ذلك أقوال الشاهد جيمس دينق أشول الذي قال إن بعضهن، أي النساء الرزيقيات، حملن العكاكيز من أعواد الحيشان مشاركات في هجوم واسع ومنظم على مساكن المدنيين الدينكا في حلة فوق ليلة الجمعة 27 مارس. ومن ذلك ايضاً ما ذكرته الشاهدة تيجوك من أن بعضهن أشعلن النيران تحت عربات السكة الحديد، وذلك غير المرابطات بالعكاكيز منهن أمام مستشفى الضعين. كما ورد ذكر ممارسات أخرى لنساء الرزيقات منها التواطؤ مع الرجال في الاسترقاق والاعتداء على فتيات الدينكا بإخضاعهن لعملية تشويه أعضائهن التناسلية، وكذا بتسهيل اغتصابهن بواسطة الأزواج وأقارب الرزيقات. ذلك إضافة بالطبع إلى الحكّامات اللواتي كن يزغردن للرجال المشاركين في تقتيل الدينكا ويشجعنهم على المزيد من القتل. والتفاصيل مذكورة في الكتاب لمن أراد الاستزادة في هذا الشأن وفي غيره من التفاصيل التي أدت بالكاتب في النهاية إلى وصف تلك العلاقة “بالذئاب الرزيقية والطرائد الدينكاوية الفارة”.
تحت العنوان الجانبي (في زمان الدولة الإسلامية الجنجويدية العسكرية القحاتية)، في إشارة إلى اسم الجنجويد لقوات الدعم السريع في تطورها الأخير، والمراحيل في اسمها القديم، وكذلك إلى قوى الحرية والتغيير المختصرة بقحت، والتي كان لها دور مقدر في الثورة التي أطاحت بالرئيس البشير في العام 2019م، ولكنها تشظّت بعد ذلك وانضم قسم منها للجنجويد صراحة، وقسم آخر خفية، وقسم آخر ظل بين بين، بينما قلة قليلة منها تكاد لا تعد هي من جاهرت بتجريم قوات الدعم السريع- تحت هذا العنوان يقول عشاري “فليست قضية مذبحة الضعين وقضية الرق مهمتين لذاتهما فحسب، ولكنهما مهمتان لأن في مقاربتهما من قبل الشباب إمكانات تحرير الفكر واعتماد الأخلاقية في مقاربة القضايا الجوهرية الراهنة، وهي قضايا تتلخص تجريبيا في حاضر إجرام الدولة الإسلامية وإرهابها وفسادها وعنصريتها. وفي جميع الأحوال تظل وضعية مذبحة 3 يونيو 2019 هي المرجعية لمقاربة كل شيء”.
قلت في متن هذه الكتابة إنني سأورد شهادة واحد من طلابنا في الجامعة قبل انفصال الجنوب، وهو السيد بول أياي مرور، وقد كان اسمه الذي نعرفه به في السجلات وقتها هو جيمس وليس بول. درس جيمس علوم المختبرات الطبية في جامعة الزعيم الأزهري وتخرج فيها، ويعمل الآن في مدينة جوبا بجنوب السودان. سجلت معه هذه الإفادة التي ألخصها هنا قبل نحو سنة من الآن (نوفمبر 2026)، وقت كان في الصين لمهمة تدريبية. ولكنه كان قد قص لي الحكاية قبل ذلك بسنوات. في الحقيقة لم يتيسر للكثيرين من الجنوبيين في تلك البقاع النجاة من تلك المجازر، والذين نجوا منهم ظلت تلاحقهم فظاعة تلك الأيام وخيانة الحكومة وغدر المعتدين من الرزيقات. بعد سنوات بعيدة من تلك الأحداث حكى لي بول أياي بعض ما تذكره، أو قل بعض ما لم ينسه ولن ينساه ما عاش، حسبما قال. كان بول في نحو العاشرة من عمره عندما وقعت المجزرة. لم يكن في الضعين ذاتها، ولكنه كان في قريته تيج، كما قص لي. بعد البلد خرب، المراحيل وصلوا تيج. قال لي. حيث أنهم بعد جرائمهم في الضعين تحولوا للدخول والإغارة على قرى الجنوبيين، ومنها تيج التي تقع بعد أبيي. قال بول إنهم كانوا صغارا يختبئون في الغابات هربا من المراحيل وتجنبا للاختطاف من الرزيقات الذين كانوا يدخلون القرى لاختطاف النساء واسر الصغار. من تيج تحرك بول رفقة آخرين حتى وصلوا إلى أبيي. كان ذلك في بدايات العام 1988م. وفي نهايات العام 1992، في أكتوبر منه، في يوم 20 بالتحديد على ما أذكر، يقول بول، تم تهريبنا إلى بابنوسة عبر سيارات نقل براميل الجاز التي تتبع لبابو نمر زعيم المسيرية. اختبأ بول وأخته داخل براميل الجاز الفارغة التي كان يستخدمها الهلال الأحمر لجلب الوقود من بابنوسة. ذكر لي بول اسم من ساعدهم في ذلك، ولنسمه هنا بالسيد صالح، وقال إنه من المحس، محس شمبات الذين لا يرطنون كما وصفه بول. كان السيد صالح وقتها يعمل في الهلال الأحمر، وكان يعرف والدة بول بحكم عمله في المنظمة، وحين عودته في إحدى المرات ووجدها قد توفيت، عرض على بول وأخته أن يأخذهما إلى الخرطوم للبقاء مع والدته هو هناك في شمبات، الحي العريق في مدينة بحري. قال بول إنه وافق على ذلك ووجدها فرصة لإكمال دراسته في الخرطوم. وهو ما قد حدث، حيث أنني التقيت ببول بعد ذلك بما يزيد عن العشرة سنوات ربما، بعدما تم قبوله ضمن طلاب المختبرات الطبية بجامعة الزعيم الأزهري. إن قصة بول هي واحدة من آلاف القصص، بل وربما عشرات الآلاف التي لم ترو ولم يعرف بها الناس، ولكن أثرها باق ولن ينمح من ذاكرة المتضررين، وذلك عين ما سيحدث لذاكرة الشماليين الذين تضرروا من غزو الجنجويد هذه المرة. عاد بول إلى جنوب السودان للمرة الأولى بعد ذلك في العام 2007م، قال لي إنه قال للسيد صالح: يا حاج أنا ماشي أخدم البلد. قال لي إن صالح شجعه على ذلك، وقال له إن بإمكانه العودة وقتما شاء إن لم تناسبه الأحوال هناك. “جمع لي مبلغ تذكرة السفر وأوصلني إلى ال SPLM وقال لي ديل ناسك”. في الجنوب، يقول بول أنه التقى بأهله الذين انقطعت أخبارهم عنه وتواصله معهم منذ سفره إلى الخرطوم، إذ لم تكن هناك أي وسيلة للاتصال أو التواصل. فقط في العام 2001م واحدة من بنات عمه عرفت بأمره في الخرطوم وأخبرت بعض أهله في الجنوب. لم يصدقوا أن أعود مرة أخرى، قال لي، ثم في العام 2008م رجعت مرة أخرى وأخذت أختي التي تقيم الآن في الجنوب. رغم ذلك لا يشعر بول بالحنق أو الكراهية. يعتبر بول أنه ليس كل البشر سيئين، وأنه لا يمكن وصم قبيلة بأكملها بالسوء، ويظن أن البيئة التي ينشأ فيها البشر هي ما تؤثر عليهم. ويرى أن قانون المناطق المقفولة الذي سنه الانجليز كان ذا أثر ضار على علاقة السودانيين الجنوبيين بالسودانيين الشماليين. ذلك تسامح وسعة أفق لن يتأتى للجنجويد الوصول إليه بالطبع، جهالهم ومثقفيهم. لقد أوردت قصة بول هنا، أو الصحيح بعض قصته، للدلالة فقط على أن التاريخ الحقيقي للمجازر الانتهاكات في السودان المخفي منه أكثر مما يبدو للعيان، وأن عذابات الناس الصامتين هي ما يؤثر بطريقة أو بأخرى في مصير الأجيال اللاحقة. يمكن بسهولة ربط التغاضي الحكومي عن المجزرة وقتها، ومن ثم، بل ومن قبل ذلك، تسليح الرزيقات ضد الدينكا، بما انتهت إليه حرب السودان الأخيرة من محاولة قوات الدعم السريع التي جل جنودها من قبائل الرزيقات وعرب دارفور وغرب افريقيا، محاولتها الاستيلاء على السلطة في السودان، وما رافق الحرب من الاستهداف العرقي والسعي للتغيير الديمغرافي وتهجير السكان الأصليين واحتلال المنازل وسرقة الأثاث والسيارات وكل شيء والتدمير الممنهج للبنية التحتية في الشوارع وفي بيوت الناس. لم تنته قصة بول بالطبع، ولم تنته الفظاعات التي رواها عن القتل والاسترقاق، ولكن تلك قصة أخرى.
أختم هنا بما دعاني لاستعراض هذا الكتاب ونقاشه، فالحقيقة أنه من الشائع عندنا أن نتغاضى عن سوءاتنا في التاريخ ونصمت عنها، حتى إذا كتب عنها الآخرون، الغربيون بالتحديد، أفرادا أو منظمات، سارعنا للنفي والرد. لا يخفى بالطبع أن للآخرين أغراضهم، التي ليس من ضمنها بالطبع حرصهم علينا أو على الجماعات المستهدفة بالظلم، ولنا في الحرب الأخيرة خير مثال. من هذه الزاوية أجد أن جهد واجتهاد الدكتور عشاري ومثابرته لهي جديرة بالتقدير، لا يعيب ذلك ما وصفه البروفيسور عبد الله علي إبراهيم بميل الكتاب “القوي إلى الفضح والتأجيج مما أبعده إلى حد كبير عن جنس التحقيق السياسي وقربه كثيرًا إلى عرض حال المظلوم”. لا يضير الكتاب كذلك بالطبع وصف البروفيسور عبد الله له ب “بيضة ديك عشاري الأكاديمي الآبق”، ورغم ما في ذلك من تهكم لطيف، إلا أن ما قام به عشاري هو بعض ما تقاعس عنه الكتاب والمثقفون والمهتمون من بني جلدتنا سعيا نحو بلاد معافاة ومجتمعات متصالحة.

wmelamin@hotmail.com

Author
الوليد محمد الأمين

الوليد محمد الأمين

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تاني يا هارون؟!
منبر الرأي
«سيدي وزير المالية، هل اتبعت وزارتكم الطريق السليم لوضع موازنة الدولة؟»
منبر الرأي
هارون أجاب على سؤال البرهان: أين الكيزان؟
منبر الرأي
السودان، نحو عقدٍ اجتماعيٍّ جديد (١٣)
منبر الرأي
حوائط البكاء على أطلال السلطة

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

سودان اير واللامعقول 1-2 .. بقلم: هلال زاهر الساداتي

هلال زاهر الساداتي
منبر الرأي

عائدات الدم وتبعاتها على السودان

كمال الهِدَي
منبر الرأي

شُجيراتُ السَّلامِ النَّابتةُ على أرضٍ عَانَقَ ثَقافيُّها اجتماعيَّها .. بقلم: د. حسن محمد دوكه

د. حسن محمد دوكه
منبر الرأي

أهلا يا دكتور ! .. بقلم: محمود دفع الله الشيــــــــخ / المحامى

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss