مراكز البحوث الزراعيه في السودان العقل الزراعي في قبضة السياسة

منبر بنيان – مقالات من بطون كتب
مراكز البحوث الزراعيه في السودان العقل الزراعي في قبضة السياسة مع مقارنة ثلاثية بين السودان والهند والصين
استندنا في كتابة هذا المقال علي عدة مصادر علمية أبرزها:
كتاب “Agricultural Research Systems of the World” – تأليف V. Ravichandran – 1984، مكون من 394 صفحة
تقارير منظمة الأغذية والزراعة FAOوثائق مراكز الأبحاث الزراعية في الدول المقارنة.
مدخل المقال:
في قلب كل مشروع تنموي زراعي حقيقي، تقف مراكز البحوث الزراعية كعقل ناظم، وذراع استشرافي، ومحرّك لآلة التحول.
لكن حين تُهمل هذه المراكز، أو تُقيد إرادتها، أو تُختزل في مسميات بيروقراطية بلا فاعلية، فإن المشروع الزراعي يتحول إلى موسم للفوضى، أو “موسم بلا حصاد”.
وهذا ما نراه جليًا في السودان، الذي يمتلك واحدة من أغنى الموارد الزراعية في العالم، لكن واقع مراكزه البحثية يعكس انقطاعًا طويل الأمد بين العقل الزراعي والقرار السياسي.
وسوف نقارن في هذا المقال من باب الحكمة لا المقارنة السلبية، بين السودان من جهة، وبلدين من العالم الثالث نجحا في تثبيت العقل البحثي في صلب العملية التنموية: الهند والصين. وسوف نعطي ملامح عامه اولا ثم في آخر المقال للمصلحه التوثيقه التي ننشدها من خلال هذا المنبر ان نضم الي جسم المقال تقريرين مفصلين عن كل من المراكز البحثيه في الهند والصين
أولًا: التجربة الهندية – البحث أداة للبقاء
أنشأت الهند أول مركز وطني للبحوث الزراعية في 1929، وطورت لاحقًا “المجلس الهندي للبحوث الزراعية ICAR”، الذي يشرف على أكثر من 100 معهد بحثي. خصصت الهند منذ السبعينيات ميزانية معتبرة للبحث الزراعي، بلغت أحيانًا 1% من الناتج المحلي للقطاع الزراعي. قامت الثورة الخضراء على بحوث حقيقية في إنتاج القمح والأرز، جعلت الهند من بلد يعاني المجاعة إلى مُصدّر غذائي. تم دمج التدريب والابتكار ونقل التقانة في قلب منظومة البحث. لم تترك الهند مصيرها للطقس والمطر، بل وضعت في مختبراتها عقلًا مقاومًا للجفاف، ومكافحة الآفات، وتحسين الإنتاجية.
ثانيًا: التجربة الصينية – العلم خادم للغذاء والأمن القومي
لم تتهاون الصين في ربط البحوث الزراعية باستراتيجيات الأمن الغذائي. أنشأت “الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية” (CAAS) منذ 1957، وتوسعت لتضم أكثر من 42 مركزًا متخصصًا. دعمت الدولة البحوث في الهندسة الوراثية والبذور المحسّنة، ونجحت في استزراع المحاصيل في بيئات صعبة. خصصت الصين ميزانية سخية للبحث الزراعي، مع دمج البحوث في التخطيط الخماسي للاقتصاد الوطني. في الصين البحوث الزراعية ليست كماليات، بل جزء من معادلة الحكم والشرعية الاجتماعية.
ثالثًا: التجربة السودانية – عقول مُقصاة وأجساد مُنهكة
أنشئ “مركز البحوث الزراعية” السوداني منذ الستينات وحقق نجاحات أولية في تطوير أصناف الذرة والفول السوداني والقطن.
لكن سرعان ما تدهورت منظومة البحث بسبب: ضعف الميزانية (أقل من 0.2% من دخل الزراعة) – هجرة الكفاءات – غياب التخطيط القومي المرتبط بالبحث – ضعف التنسيق بين المركز والحقل – الإهمال في نشر نتائج البحوث أو تحويلها لسياسات زراعية
ثم جاءت الحرب الأخيرة (2023–2025)، فقضت على ما تبقى، وهُجّرت الكوادر، ودُمّرت المقرّات، وسقطت فكرة “العقل الزراعي” في مستنقع النسيان.
المأساة: في بلدٍ مثل السودان يُفترض أن يكون “مختبر الزراعة الإفريقية”، تحول الباحث إلى موظف ينتظر الصرف على الحبر والطابعة أين الخلل؟ سؤال جوهري.
في الهند والصين، العقل الزراعي محترم ومحمٍي ومموّل.
في السودان، العقل إمّا مُقصى، أو غير مُفعّل، أو لا صوت له عند صانع القرار.
إنها ليست فقط مشكلة بنى تحتية، بل مشكلة فلسفة حكم وأولويات دولة.
هل نتدارك؟ رؤية إستراتيجية
ويبدو بشكل إجتهادى أولى أن الحلول ربما تكمن فى التالى:
1- إنشاء مركز زراعي بحثي نموذجي في ولاية نهر النيل – محلية بربر، لتكون باكورة عهد جديد للبحث. والسؤال لماذ؟ حيث أن ولاية نهر النيل هذه الولايه الامنه الممتده علي شاطئ النيل من حدود ولاية الخرطوم الي حدود السودان مع جمهورية مصر العربيه متنوعة المناخ متعددة المحاصيل الزراعية النقديه والمعدنيه وتذخر بالخبرات الزراعيه والعقول المتعلمه ثم إن محلية بربر محلية الذهب التي تدعم موازنة الدوله العامه بنسبه وبمبالغ كبيره أيضا تعمل بها على مدار الساعه اربعه مصانع اسمنت، أسست عمرانيا أصقاع السودان المختلفه حيث أن الشركات العامله تجرف عبر سيور كهربائيه اللاف الاطنان يوميا من الحجر الجيري من الجبال التي تقع غرب محلية بربر ما يسند مقترح انشاء مركز بحوث قومي في هذه المنطقه هو أن تنفعل ارادة الدوله بشكل مهني قانوني إنساني لتفعيل نظام المسؤليه الاجتماعيه على هذه الشركات العامله في ولاية نهر النيل فى مجال الذهب والاسمنت والزراعه وغيرها ليكون هذا المصدر المالي وفق معايير وقوانين المسؤوليه الاجتماعيه العالمية للشركات التي تستخدم الموارد المناطقيه التى تستثمر فيها في كل دوله ليعود عليها بالنفع خاصه في مجال البحث العلمي والتعليم والصحه وبذلك يكون تمويل مستقل من الشراكات الدولية + الدولة + القطاع الخاص.
2- اعتماد مركز السودان السابق للبحوث والاستشارات الصناعيه (الذي دمرته الحرب) كجزء من المنظومة الجديدة في التصنيع الزراعي. أيضا نقل مراكز البحوث الي ولايات السودان يعمل على فك الاحتكار والتموقع في ولاية الخرطوم التي أيضا جاءت توصيات منتديات اقتصاديه فى وقت سابق تنصح بنشر المصانع في الولايات قرب مناطق الإنتاج ويحمد لولاية نهر النيل بحكم موقعها الوسطى في السودان انها استضافت كثير من المصانع التي تضررت بولاية الخرطوم ونقلت نشاطها لهذه الولايه التي وفرت لها كثيرا من التسهيلات لتباشر إنتاجها بما فيها الأراضي وقد كان لمحلية بربر جهد كبير في هذا المجال لذلك فان كثافة تجمع المصانع والشركات بولاية نهر النيل يكون مبررا داعما لإنشاء مركز بحوث زراعي شامل على منوال ماتم في الهند ويبدو من تجربة السودان ان الاستفاده من موارده تأتي الاسبقيه لمنتجات سطح الأرض الزراعيه مقارنه مع كثير من الاخفاقات التي لا زمت منتجات باطن الارض البترول والذهب والتي لم تعد منها منافع ملموسه وكما يقول استاذنا بكلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم فى ستينيات القرن الماضي البروفوسير/ محمد هاشم عوض رحمة الله عليه ان نجاح المشروعات يقاس بوصول المنفعه ل محمد أحمد رجل الشارع المسكين كنايه لشمولية منفعة اهل السودان.
بين الماضي والغد
إن قضية البحوث الزراعية ليست ترفًا، بل بوابة النجاة لعالم ثالث مأزوم. وحين يكون الباحث في طليعة الأمة، تكون الأمة على موعد مع الخروج من دائرة التبعية. فلنُعد الاعتبار للعقل السوداني، وللبحث الزراعي، ولنستفد من التجارب، دون حساسية أو إنكار.
فالزراعة دون بحث كالسفينة بلا بوصلة. والعقل المُغيَّب، هو الجوع المُؤجل.
نورد إشاره لمكنونات مركز البحوث فى الهند بالمؤشرات التاليه – حين يصبح العلم استراتيجية دولة
حين نذكر “الهند”، لا يتبادر للذهن مباشرة “الزراعة”، بل التكنولوجيا أو السينما أو الكثافة السكانية. لكن الهند، هذه الدولة النامية التي كانت تُعرف بمجاعاتها حتى الستينيات، حوّلت الزراعة إلى سلاح سيادي. لم يكن ذلك محض حظ، بل ثمرة عقل علمي اختار أن يشتبك مع الأرض، وأن يُعلي من قيمة المعرفة الزراعية.
وكان قلب هذه الثورة هو:
المجلس الهندي للبحوث الزراعية – ICAR

  1. التأسيس والبنية:
    أُسّس المجلس سنة 1929 أثناء الاستعمار البريطاني، لكنه أعيد هيكلته بالكامل بعد الاستقلال ليخدم السيادة الغذائية. يعمل تحت إشراف وزارة الزراعة الهندية، لكن يتمتع باستقلالية علمية وإدارية. يضم أكثر من 113 مؤسسة ومركزًا بحثيًا، منها:
    • 67 معهدًا وطنيًا متخصصًا (في المحاصيل، الحيوانات، التكنولوجيا، إلخ)
    • 6 جامعات زراعية وطنية
    • 49 محطة إقليمية بحثية
    • 646 مركزًا لنقل التكنولوجيا إلى الريف
  2. فلسفة المركز:
    البحث ليس رفاهًا، بل أداة لتحقيق الاكتفاء الغذائي والسيادة الاقتصادية. كل قرية في الهند هي مختبر صغير: يتم جمع البيانات وتحليلها وتكييف الزراعة حسب البيئة المحلية. نقل النتائج من المختبر إلى الحقل هدف أساسي، بالتعاون مع “برلمانات المزارعين”. توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في الإدارة المائية، وتحليل سلاسل الإمداد.
  3. الأثر الاقتصادي:
    الهند كانت تستورد القمح والأرز في الستينيات، والآن تُعد من أكبر منتجي العالم. حقق المركز ما يُعرف بـ “الثورة الخضراء” بفضل أصناف جديدة، وتحسين نظم الري. بلغ الإنفاق على البحث الزراعي ما يعادل 1.5% من الناتج الزراعي، مقارنة بـ 0.1% في دول أفريقيا. دعم صناعات زراعية مضافة، مثل الأغذية المعلبة، الأعلاف، والصناعات الدوائية النباتية.
  4. الدروس للسودان والعالم الثالث:
  5. ليس المال هو التحدي الأول… بل وضوح الرؤية.
    الهند بدأت بميزانيات محدودة، لكن بعقلية تُخطط لعشرين سنة مقبلة.
  6. الربط بين البحث والتعليم والممارسة شرط للنجاح.
    كل باحث عليه مسؤولية تدريب، وكل جامعة ترفد المركز بالكفاءات.
  7. تقدير الباحث… لا يُقاس بالراتب فقط، بل بالحاضنة المؤسسية والتقدير الاجتماعي.
    إن المزارع لا يحتاج إلى بذور فحسب، بل إلى “مراكز تفكر له” ولا يحتاج إلى دعم عاجل، بل إلى نظم معلوماتية زراعية ذكية، ولا يحتاج إلى شكاوى عن التصحر، بل إلى علمٍ يزرع الماء في الأرض العطشى.
    مركز البحوث الزراعية الهندي ليس مبنى، بل منهج يقول لن تنهض دولة بلا سيادة غذائية، ولا سيادة بلا علم، ولا علم بلا مركز.

عبدالعظيم الريح مدثر
12/7/2025

sanhooryazeem@hotmail.com

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …