مستشفي الخرطوم الآلي .. ومعجزة القرن

بعد تفشي جائحة (كورونا) طلب الأستاذ يس من طلبته وضع تصور ما لمستشفي آلي يستخدم تقنيات الذكاء الإصطناعي (AI) بما يمكنه تفادي أو تقليل الأضرار الكبيرة التي قد يخلفها وباء آخر مماثل مستقبلا علي العاملين في المجال الصحي وعلي عامة الناس.
تمكن القليل من الطلبة الإجابة علي أسئلة أستاذهم يس ومن بينهم الطالبة حليمة (ميمي) وكانت إجابتها في شكل قصة لزيارة قامت بها إلي مستشفي الخرطوم الآلي الجديد!
قالت (ميمي): قبل دخولي إلي مستشفي الخرطوم الآلي إندهشت كثيرا لما رأيت في طريقي إليه! فشارع الإسبتالية (اللي زي الدبيب ) وجدته إنتفخ وتوسع كثيرا وصار أربعة مسارات ( 2 ماشي 2 جاي) وفي وسطه جزيرة تكسوها نجيلة مزينة بزهور (موزاييك) جميلة منسقة الألوان ونوافير متفرقة في نظام بديع تنعش الجسد والروح وتشفي السقيم قبل دخوله المستشفي! وعلي جانبي الشارع طريق للخدمة مع مواقف للسيارات مدفوعة الأجر. وهناك كاميرات مراقبة في كل مكان تسجل دبيب النمل! وأما المنطقة بين شارع الإسبتالية وشارع السيد عبدالرحمن (اللي زي سوق أم دفسو !) فقد هدم كل ما فيها وأزيل تماما، وتجملت وإزدانت بعمائر وفنادق و(مولات) ومعارض وحدائق بها بعض السياح بينهم أجانب من كل بقاع الأرض! وعلمت أنه تم تعويض كل المتضررين من عملية الهدم والإزالة ومنح من أراد الإستثمار فرصة في المشاريع التي قامت. وما لمسته هنا في محيط المستشفي أدخل في نفسي سرورا عظيما طمأنني وكان مثل مشهيات الطعام (Hors d’oeuvre) في المائدة الفرنسية، (والإنسان إبن بيئته)، فإذا كانت هذه البيئة حاضنة لمستشفي الخرطوم الآلي فإن ذلك يبعث المزيد من البهجة والسرور والإطمئنان لما يمكن أن يجده المرء وهو بداخل المستشفى! وجال في خاطرها (وإنفرجت شفتاها ببسمة خفيفة وكادت تصرخ): يا ناس هل قامت وزارة للسعادة بديلا لوزارة الدفاع؟
قالت الطالبة ميمي: دخلت مستشفي الخرطوم وإنبهرت! وإنتقلت نفسي من الدهشة إلي الإبتهاج! كدت أصرخ من الفرحة لكني وضعت كفي اليمني علي فمى خوفا من أن أصرخ فأوصم بلوثة جنون! ذهبت إلي مكتب المدير الدكتور (عمران) والذي أخذت منه موعدا مسبقا للقائه. دخلت مكتبه الرحب الفخيم، لم أمكث فيه كثيرا حيث كلف أحد مساعديه دكتور(زاهر) أن يرافقني في جولة علي بعض أقسام المستشفي. وقد إخترت أن أزور قسم الطوارئ.
قال دكتور زاهر (أثناء توجهنا إلي قسم الطوارئ وهو يتحدث في هدوء وثقة تامة): المستشفى الآلي مستشفي يقوم بتطبيقات تقنيات الذكاء الإصطناعي لتقديم معظم خدمات الرعاية الصحية والطبية للمرضي. لذلك فإن معظم الخدمات الطبية التي يقدمها هذا المستشفي يقوم بها الإنسان الآلي (The Robot). حدث ذلك بعد تفشي جائحة (كورونا) إذ تطلب الأمر تقليل فرصة إنتقال الفيروس (Covid-19). ورغم التكلفة العالية لهذه الأجهزة إلا إن ما تقوم به أذهل الكل. إنها ثورة حقيقية في المجال الطبي والصحي. إنها سرعت من تقديم الخدمة وزادت كفاءتها وجودتها! . ورأي بعض العاملين إنهم تضرروا من ذلك كثيرا! فهذ المشروع كان أصعب عليهم من مشروع وزير صحة ولائي سابق بولاية الخرطوم في أحد أنظمة الحكم السابقة! ولكن لا بد من التغيير والتطوير للأفضل ولا بد من تضحيات!
ميمي (تدخلت) قائلة: علمت يا دكتور إن الكثير من المستشفيات قفلت أبوابها مع هذا التطور الجديد!
دكتور زاهر: نعم يؤسفني أن أقول ذلك، فهذه التقنية جذبت الكثيرين من طالبي الخدمة الطبية لسرعتها وجودتها مما أكسب المستشفي سمعة ممتازة. وتم الإستغناء عن خدمات الكثير من العاملين من العنصر البشري وسعي الكثير منهم للبحث عن فرص بديلة.
وكنا قد وصلنا قسم الطوارئ والذي إبتلعتنا فيه صالة كبيرة وجميلة وبها كراسي إنتظار أنيقة بها قليل من المرضي ومرافقيهم، إذ لا يأخذ المريض وقتا كثيرا بها وهو في طريقه إلي موظفي الإستقبال الآلي، وبها عدد من طاولات نقل المرضي علي أربعة عجلات والكراسي التي تدفع علي عجلتين ويأخذ المريض رقما عند دخوله هذه القاعة.
د. زاهر: لدينا فريق متجانس من الجنسين ويعمل بدقة وهمة عالية، فلدينا العامل الآلي، موظف الإستقبال الآلي، رجل الأمن الآلي، الممرض الآلي، إختصاصي المختبر الآلي، الصيدلي الآلي والطبيب الآلي وهكذا! .. معظم عمليات الخدمة الطبية والعمليات المصاحبة المساندة والمساعدة يقوم بها الإنسان الآلي ومن بينها الأمن والسلامة، النظافة والتعقيم، إستقبال وتسجيل المرضي وفرزهم (Triage) وتوجيههم إلي التخصصات المختلفة (والطوارئ الخاصة بكل منها) حيث تتم المعاينة والفحص المعملي والتشخيص ووصف العلاج وصرفه والتنويم إذا إحتاج المريض لذلك. ويتدخل الإنسان الآلي في كثير من العمليات الجراحية ومتابعة المريض لحين الشفاء والخروج.
قدمني دكتور زاهر إلي المشرف علي قسم الطوارئ دكتور سيف والذي كان يراقب سير العمل بالقسم.
دكتور سيف: مرحبا بك آنسة ميمي، كما ترين يتم إستقبال المرضي طالبي الخدمة آليا بواسطة موظفي الإستقبال الآليون (Chatbots). وهم من الجنسين ويلبسون زيا موحدا (Uniform)، ويتعاملون ويتفاعلون مع كل طالب للخدمة بذوق وإحترام شديدين، ويقومون بفرز الحالات. فهذه الأجهزة صممت كي تتعلم وتتأقلم مع سلوك البشر وتصرفاتهم. لدينا ثلاثة نقاط آلية لإستقبال المريض ومن يرافقه. فعند الحضورإلي نقطة الإستقبال تقرأ بطاقة المريض الوطنية إلكترونيا (تحوي كل بيانات المريض الأساسية)، يستقبل ويسأل عن شكواه (وقد يقوم مرافقه بذلك إن تعذر الأمر عليه). وما يهمنا هنا إن المواطنين بدأوا يقدرون ما تقدمه هذه الأجهزة والدور العظيم الذي تقوم به ولذلك يتعاملون معها بعفوية تامة!
ميمي: ممكن نشاهد ونري ما يجري يا دكتور؟
دكتور سيف: لنأخذ هذا المريض الذي أتي للتو بالإسعاف في نقطة الإستقبال الثانية عند مدام ليلي (لولو) مثالا ونري ماذا يجري له. وكانت مدام لولو فد تسلمت بطاقة المريض ويدعي صلاح (في الخمسين من عمره، كان يئن من الألم، دخل الطوارئ علي كرسي بعجلتين يدفعه عامل خدمة آلي وترافقة بنته)
تمدد صلاح علي طاولة الكشف عند النقطة الثانية مع مدام لولو.
مدام لولو (ترحب بهما مبتسمه ومواسية): مرحبا عمي، معذرة مم تشتكي؟
صلاح: أشعر بدوخة وثقل وبدأ الألم في صدري مع ألام في اليدين والرقبة والكتف(وكان يشير إلي مواقع الألم).
مدام لولو: تشتكي من أي شئ آخر يا عمي؟
صلاح: يؤلمني فكي أيضا وهناك ألم في ظهري.
مدام لولو: من متي حدث لك ذلك عزيزي؟
صلاح: صباح اليوم، ما قدرت أقوم من سريري، وما قدرت أشرب الشاي، فقد شهيتي وشعرت بطمام.
مدام لولو: هل تعاني من أي شئ آخر؟
المريض: لا.
مدام لولو: هل تعاني من مشاكل في السكري أو ضغط الدم؟
المريض: أعاني من إرتفاع في ضغط الدم وأتناول (أملو 5 ملجم) حبتين يوميا، ولكن من يومين لم أتناول الحبوب.
مدام لولو: وليه ما أخذت علاجك في مواعيده في اليومين الماضيين؟
المريض: كانت عندنا مناسبة زواج بنتي، إنشغلت كثيرا ونسيت العلاج.
قامت مدام لولو بإدخال شكوي المريض مع وصف بسيط لحالته في جهاز الكمبيوتر الجاثم أمامها، وتم فرزالحالة بعدها مباشرة بأنها (حالة طارئة – إشتباه ذبحة صدرية).
وفي ثوان أخذ الممرض الآلي بعض القياسات الحيويه: النبض والحرارة وسرعة التنفس مع قياس ضغط الدم. كما أخذ منه عينة للدم لقياس إنزيمات القلب.
وقامت مدام لولو بتوجيه صلاح بسرعة إلي طوارئ الباطنية.
ميمي: تابعت مع دكتور سيف المريض إلي طوارئ الباطنية حيث إستقبله الطبيب الآلي السيد (رامي)، كشف عليه، نظر إلي جفنه وطلب منه بلطف أن يظهر لسانه وطلب له رسما للقلب، وتم ذلك في ثوان قليلة من قبل الممرض الآلي.
نظر السيد (رامي) إلي نتيجة رسم القلب والتي ظهرت أمامه في الشاشة بتعرجاتها المختلفة، تعلو وتهبط حول خط كخط الأفق! شخص السيد رامي الحالة (ذبحة صدرية مستقرة).
السيد (رامي) (مخاطبا المريض): عمي صلاح، يبدو أنك تعاني من بعض مشاكل في القلب هي التي أدت إلي الدوخة وآلام الصدر والفك والظهر، سنعطيك الآن جرعة أسبرين، وسأقوم بتحويلك إلي قسم القسطرة القلبية لمزيد من التشخيص الدقيق والعلاج.
قام الطبيب الآلي (رامي) بتحويل المريض ألي قسم القسطرة القلبية (PCI) المجاور في دقائق معدودة.
ميمي (مخاطبة د سيف): شكرا د سيف، ما شاء الله، إن العمل لديكم بقسم الطوارئ عمل عظيم وإنه ليسر ويبهج النفس!
ميمي ( مخاطبة مرافقها د زاهر): معذرة دكتور زاهر، كيف يتم التعامل مع الحالات المحولة لكم من المستوي الثاني للرعاية الصحية في العيادات المحولة (باطنية ، جراحة وغيرها)؟
دكتور زاهر: نحن نعمل علي المستوي الثالث للرعاية الصحية ويتم التعامل مع كل حالة محولة إلينا حسب التخصص بنظام محدد. ووفق ما نعمل به ليس لدينا طبيب إمتياز ولا نائب إختصاصي ولا إختصاصي ولا إستشاري ولا كبير إستشاريين في التخصص المعني وإنما هناك طبيب (بشري) واحد يقوم بتشغيل برنامج التخصص المحدد يشمل عمل كل هؤلاء ألأطباء. فالطبيب الآلي في عيادة الباطنية المحولة مثلا يقوم بأخذ التاريخ المرضي والكشف الطبي علي المريض وطلب الفحوصات وفقا لحالة المريض ومن ثم التشخيص وإعطاء العلاج ومواعيد المتابعة أو التنويم حسب الحالة. وبينما لدينا ثلاثة أطباء آليون لطوارئ الباطنية كما شاهدت قبل قليل، هنا في قسم الباطنية المحولة لدينا خمسة أطباء آليون. ويقوم طبيب بشري مختص في الأمراض الباطنية بالإشراف علي الأطباء الآليون في قسم الباطنية. وهكذا يكون الحال في بقية العيادات المحولة في تخصصات الأطفال والجراحة (بأنواعها) والنساء والتوليد .. الخ .
ميمي: وهل يتعرض الأطباء الآليون لبعض الأعطال؟
دكتور زاهر (إنفرجت شفتاه مبتسما أعقبها بضحكة خفيفة): نعم، لكن نادرا ما يحدث ذلك! وإن حدث عطل فإن لدينا ورشة صيانة متكاملة يشرف عليها مختصون وذو خبرة، وسريعا ما يعود جهاز (الروبوت) المتعطل إلي مباشرة عمله كما يعود المحارب بعد تعافيه إلي أرض المعركة والفرق هنا إن (الروبوت) لا يصاب ب (إضطراب ما بعد الصدمة)!
ميمي: وماذا عن التمريض الآلي يا دكتور؟
دكتور زاهر: جميل، لدينا عدد خمسة (ميترون) يقمن بإدارة برنامج التمريض (الذي يقوم به الممرضون الآليون) في الطوارئ والعيادات وداخل المستشفي. إضافة الي القياسات الحيوية يقوم الممرض الآلي بأخذ العينات للفحص بالمختبر، كما يمكنه تقديم خدمة التمريض وفق حالة كل مريض بدقة وسرعة متناهية. لا يحتاج المريض لمرافق داخل المستشفى وذلك لأن التمريض الآلي يقوم بذلك بكفاءة عالية.
واصل دكتور زاهر: في هذا النظام الجديد معظم الكوادر العاملة آلية وتعمل بدقة وبسرعة فائقة، لا تكل ولا تمل! وعلي مدار الساعة. ليس لدينا ساعة فطور أو غداء ولا ساعة رضاعة ولا ماشين عزاء لفلان أوعلان. لا توجد نقابة للأطباء أو الممرضين أو العاملين فكلهم آليون. ليس هناك مرتبات ولا سكن للأطباء أو الطبيبات ولا إعاشة ولا وجبة غداء أوعشاء للطبيب المناوب. والأطباء الآليون ليست لديهم عيادات خاصة خارج المستشفي يتم التحويل منها الي داخله! فهم داخل المستشفى ومرتبطون به علي مدار اليوم لا يغادرونه! ولا يتقاعدون! وليست لدينا إحتجاجات أو إضرابات عن العمل!
ميمي: وكيف يتم الحفاظ علي الأمن؟
دكتور زاهر: كما ترين (يشير إلي بعض الكاميرات الشاخصة فوقهما وعلي الأطراف) لدينا كاميرات في كل مكان تعمل علي مدار 24 ساعة. ولأن الخدمة المقدمة في الإستقبال والطوارئ والعيادات رائعة، ليست هناك حوادث عنف من المرضي أو ممن يرافقهم، فالتواصل ممتاز والخدمة سريعة ولو حدث شيء لا قدر الله وحاول مرافق لمريض (مدني أو عسكري) التعدي علي أي من الكادر الآلي العامل فان نظام الأمن والسلامة الآلي يتمتع بدرجة إستشعار حساسة وعالية ويستطيع توقع العنف اللفظي والجسدي علي الكادر الطبي الآلي. فمثلا يستطيع رجل الأمن الآلي أن يكتشف بوادر العنف (لفظي أو جسدي) في الدوائر العصبية في دماغ أي مرافق، فإذا اكتشف مثلا ما يشير الي قرب حدوث عنف جسدي فإنه يستطيع أن يمسك بيد المرافق ويحتجزه قبل أن يرفع يده لضرب الكادر الطبي الآلي أو البشري وقبل أن تقع الفأس في الرأس! نحن نسعي إلي (Zero) عنف ولن نصل إلي ذلك إلا بالوصول إلي جودة عالية والمحافظة عليها في ذات الوقت، ولن يكون ذلك ممكنا إلا بتوفير أفضل الكوادر الطبية وأقصد أجهزة (الروبوت) المتطورة وهذا ما نسعي إليه دائما.
ميمي: وماذا يا دكتور زاهر عن الخدمات المساندة والخدمات الأخري؟
د زاهر: معظم الخدمات المساندة تدار بواسطة (الروبوت) وتشمل الصيدلة والأشعة والمختبر والإحصاء والإمداد وخدمات المشرحة، إضافة إلي خدمة المطبخ بالمستشفي والنظافة العامة والتخلص من النفايات الطبية. وتدخل تقنية الذكاء الإصطناعي (AI) في خدمات المياه والصرف الصحي والكهرباء.
ميمي: شكرا لك د زاهر علي هذه المعلومات القيمة فقد سررت جدا في رفقتك، أتمني لكم كل التوفيق دائما.
أم درمان 2020 ، عجمان 2025.
د سيد حلالي موسي
Email:sayedhalaly23@gmail.com

عن سيد حلالي موسى

سيد حلالي موسى