ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
٢٤ يناير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا
تاريخ العرب في أفريقيا ليس رواية واحدة، بل مسارات متقاطعة من الهجرة، والغزو، والهيمنة، ثم سؤال الهوية.
ليس تاريخ العرب في أفريقيا مسارًا واحدًا، ولا يمكن اختزاله في صورة الفاتح أو الداعية أو التاجر. إنه تاريخ طويل، متفرّع، ومثقل بالتحوّلات العميقة، بدأ بهجرات قسرية فرضها الجوع والجفاف وضيق الموارد في الجزيرة العربية، قبل أن يتحوّل، في مراحل لاحقة، إلى غزوٍ منظّم، ثم إلى هيمنة سياسية وثقافية، وأخيرًا إلى أزمة هوية مفتوحة في زمن الدولة الحديثة.
العرب الذين قادتهم الحاجة لا السيادة، اندمجوا وصاروا جزءًا من النسيج الأفريقي.العرب الذين أتوا إلى أفريقيا مدفوعين بالجوع لم يحملوا مشروع سيادة ولا خطاب تفوّق. جاءوا باحثين عن الماء والمرعى والعمل، واندمجوا في مجتمعات أفريقية مستقرة، تزاوجوا معها، وتبنّوا أنماط عيشها، وصاروا—مع الزمن—أفارقة بالعيش والمصير.
وحيث فُرضت العروبة بالقوة، لم تُنتج انتماءً، بل خلّفت مقاومةً وذاكرةً جريحة.لكن مسارًا آخر توازى معه: مسار العرب الغزاة. في هذا المسار، نجح العرب سياسيًا في مصر، وتعثّروا تاريخيًا في النوبة، حيث لم يُكسر العمود الفقري للهوية النوبية رغم الإسلام المبكر.
وفي شمال أفريقيا، فُرضت العروبة بالقوة السياسية، وتعرّضت اللغات الأمازيغية لقمع طويل، قبل أن تعود—بعد قرون—إلى منصات الاعتراف الدستوري. أما في السودان، فقد فشل مشروع التعريب الكامل، لكنه خلّف جراحًا عميقة.
التعريب القسري لم يُذِب الهويات، بل أعاد إحياءها ورفعها إلى ساحة المطالبة العلنية.
التعريب القسري للنوبيين، وللفور، ولشعوب جبال النوبة، ولمجتمعات شرق السودان ولا سيما البجا، لم يؤدِّ إلى الاندماج، بل أنتج أثره العكسي؛ إذ أسهم في إحياء الوعي بالهويات الأصلية، وولّد حركات ثقافية واجتماعية تطالب اليوم باعترافٍ كامل بهذه اللغات.
الصراع على الهوية كان، في جوهره، صراعًا على الأرض والموارد لا على اللغة وحدها.
لم يكن الصراع حول الهوية صراعًا ثقافيًا مجردًا، بل ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد السياسي: بالأرض، والموارد، والموانئ، ومسارات التجارة. حيثما فُرضت هوية واحدة، جرى في العمق نزع السيطرة الاقتصادية من المجتمعات المحلية.
الاستثمار قد يكون شراكةً عادلة، أو هيمنةً مؤجَّلة بأدوات ناعمة.
اليوم، ومع تحوّل أفريقيا إلى ساحة استثمار عالمي، يعود السؤال بصيغة جديدة: هل العرب القادمون للاستثمار مختلفون عمّن سبقوهم؟ بعضهم يأتي بمنطق شراكة، لكن الخطر يكمن في إعادة إنتاج الامتياز القديم بأدوات ناعمة.
مستقبل العرب في أفريقيا لا يُحسم بالماضي، بل بالاختيار الأخلاقي في الحاضر.
مستقبل العرب في أفريقيا ليس مسألة تاريخ، بل مسألة اختيار: إمّا الشراكة والمواطنة الكاملة، أو الاستعلاء وإعادة إنتاج الهيمنة. فاللغة يمكن أن تُحتضن، والدين يمكن أن يُكرَّم، والتجارة يمكن أن تزدهر،
لكن الهيمنة لا تُغتفر، وإنما تُقاوَم.
المراجع المختارة:
Mahmood Mamdani – Citizen and Subject
Achille Mbembe – On the Postcolony
Basil Davidson – The Black Man’s Burden
Ali Mazrui – The Africans: A Triple Heritage
Douglas Johnson – The Root Causes of Sudan’s Civil Wars
Ngũgĩ wa Thiong’o – Decolonising the Min
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم