نزار عثمان السمندل
يحتاج المسرح السياسي، في لحظات الاختناق، إلى جمهور يعرف متى يصمت ومتى يصفق، وإلى رواية تستطيع أن توزع الظلال على الوجوه بحيث يبدو صاحب المشهد أقل تورطاً في المشهد الذي صنعته السلطة من حوله.
لقاء قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدد من الإعلاميين بدا أقرب إلى واحد من هذه العروض.
البرهان في المنتصف، وأسئلة الحرب والسلطة والخصوم والضغوط الخارجية موزعة حوله، وكلما اقترب السؤال من الرجل اتسعت الدائرة من حوله حتى يصبح المسؤول شخصاً آخر.
البشير حاضر في الرواية، وكذلك حميدتي والقوى المدنية والحرب والخارج. جميعهم حاضرون. وحده البرهان يبدو في بعض اللحظات كأنه كان يقف خارج كل ذلك ويراقب ما يجري.
حكى لجمهوره عن قيادات في الجيش حذرت البشير من حميدتي، وعن البشير الذي لم يأخذ التحذير على محمل الجد حين قال إن الرجل في جيبه. الرواية تمنح صاحبها موقع العارف الذي رأى الخطر قبل أن يقع، لكنها تترك السؤال الأثقل معلقاً. ماذا فعل الذين عرفوا؟ فالدولة لا تُقاس فقط بعدد التحذيرات التي تلقاها قادتها، وإنما بما فعلته مؤسساتها عندما صار الخطر معروفاً.
اتهم القوى المدنية، بشكل مباشر، بشأن اتفاق بديل للاتفاق الإطاري يتيح لها عشر سنوات من الحكم. كلام كبير يحتاج إلى وثائق أكبر منه، لكنه يؤدي وظيفته السياسية بمجرد ظهوره. ينقل الخوف من سؤال السلطة إلى خصومها. يصبح المدنيون مشروع استيلاء طويل على الحكم، فيما يتحول السؤال عن بقاء العسكر في المشهد إلى قدر مؤجل حتى تنضج «الظروف».
وفي مفارقة يصعب على أي مسرح سياسي أن يخفيها، مهما أحسن ترتيب الإضاءة، يقول البرهان إنه لا يريد الحكم.
الجملة في ذاتها بسيطة. لكن الرجل الذي لا يريد الحكم يتحدث عن اللحظة التي يمكن فيها تسليم السلطة، وعن الظروف التي تجعل التسليم ممكناً، وعن القوى المدنية التي يريد أن يحاكم نياتها، وعن الحرب التي تحدد شكل المستقبل السياسي.
يصبح السؤال أقل تعلقاً بما يقوله الرجل عن رغبته، وأكثر تعلقاً بالمكان الذي يقف فيه فعلياً من السلطة.
من يملك السلطة يستطيع دائماً أن يقول إنه لا يريدها. المشكلة تبدأ عندما يصبح التخلي عنها مرتبطاً بشروط لا يملك أحد غيره تحديد موعد اكتمالها.
الإعلاميون الذين جلسوا أمامه لم يكونوا جمهوراً جاء ليختبر الرواية، وإنما جزءاً من الديكور الذي تحتاجه الرواية كي تبدو مكتملة. اختيار الجمهور جزء من صناعة الخطاب نفسه. السلطة التي تواجه أسئلة متزايدة لا تحتاج فقط إلى من ينقل كلامها؛ تحتاج إلى من يعيد إنتاجه، ويمنحه تفسيراً جاهزاً، ويحوّل خصومها إلى موضوع دائم، ويستبدل السؤال عن الوقائع بالسؤال عن ولاءات الذين يطرحونها.
لهذا يكتسب ملف الأسلحة الكيميائية حساسية مختلفة. القضية، إذا كانت ثمة تقارير ومعلومات وتحركات دولية بشأنها، لا تُدار بمنطق المعسكرات. الصحافة التي تستحق اسمها تسأل. ماذا حدث؟ ما الأدلة؟ ما الذي جرى التحقيق فيه؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبتت الوقائع؟ أما إنكار وجود السؤال نفسه، أو تحويل من يطرحه إلى خصم، فلا يجيب عن شيء.
لكن المضحك أن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم إعلاميين خرجوا يتهافتون في شوارع الخرطوم وهم يسجلون رسائل مصورة يبحثون فيها عن «الكيماوي». أي والله، خرجوا إلى الشوارع وكل واحد منهم يهتف «أين الكيماوي؟ وينو الكيماوي؟».
لو كان البحث عن الكيماوي يتم بهذه الصورة العبثية، لما أنشئت له منظمة دولية وخبراء ومتخصصون. هذا استخفاف مريع بعقول الناس، وإذلال للنفس بلغ مستوى يصعب معه معرفة أيهما أكثر إيلاماً، العبث أم الرضا به.
السلطة، حين تخاف من السؤال، تبحث عن رواية تحميها منه. لذلك جاء اجتماع البرهان بهؤلاء جزءاً من محاولة أوسع لاستعادة القدرة على التحكم في المعنى. البشير يصبح مسؤولاً عن تجاهل الخطر، وحميدتي يصير أصل الكارثة، والمدنيون يصبحون طامعين في عشر سنوات من الحكم، والخارج يتحول إلى صاحب أجندة، بينما يقف قائد الجيش في منتصف هذه الفوضى باعتباره الرجل الذي لم يطلب لنفسه شيئاً سوى أن تنتظر البلاد حتى «تتهيأ الظروف».
أما السودان، بكل ما فيه، لا يعيش داخل تلك الرواية.
البيوت التي أغلقتها الحرب لا تعرف كثيراً عن براعة الذين يتحدثون باسمها، والمدن التي تبدلت حياتها لا تنتظر تفسيراً جديداً لنوايا المتصارعين.
الناس يريدون شيئاً أكثر بدائية من كل هذا المسرح. أن تتوقف الحرب، وأن تعود الدولة إلى وظيفتها الأولى، وأن يصبح السلاح خارج السياسة، وأن يستطيع السوداني أن ينظر إلى الغد من دون أن يحتاج إلى وسيط عسكري أو إعلامي يشرح له لماذا تأخر الغد.
تلك هي النقطة التي يفقد فيها المسرح قدرته على إقناع أحد. يستطيع الحاكم أن يختار جمهوره، ويستطيع الجمهور أن يختار عباراته، ويمكن للقاعة أن تمتلئ بالتصفيق، لكن أحداً لا يستطيع أن يطلب من بلد بكل هذه الجراح؛ أن يصفق للواقع الذي يعيشه.
البرهان، الذي يقول إنه لا يريد الحكم، يحتاج إلى كل هذا الكلام كي يشرح شروط بقائه. والقائد الذي يريد أن يظهر خارج الصراع يحتاج إلى خصوم دائمين كي يثبت موقعه داخله. والسلطة التي تقول إنها تبحث عن الحقيقة تستدعي أصواتاً منشغلة بحراسة روايتها، كلما أصبحت الأسئلة أكثر إلحاحاً من الرواية نفسها.
تكمن المفارقة الأشد في أن الرجل الذي يخشى على البلاد من المدنيين لا يزال يتعامل مع تسليمها إليهم باعتباره موعداً يحدده هو، والرجل الذي يقول إن الحرب ستنتهي بالسلام يظل يتحدث من موقع القوة التي جعلت الحرب طريقاً إلى المستقبل السياسي، والرجل الذي لا يريد الكرسي يبدو أكثر انشغالاً من الجميع بمن سيجلس عليه ومتى.
تستطيع السلطة أن تصنع جمهوراً في قاعة، لكنها لا تستطيع أن تصنع به شرعية في بلد أنهكته الحرب.
وعندما ينتهي التصفيق، يبقى السؤال الذي حاول المسرح تأجيله واقفاً في الخارج.
من يحكم السودان، ولماذا، وإلى متى؟
ذلك السؤال لا يحتاج إلى مذيع يلقنه للجمهور، ولا إلى قائد يجيبه نيابة عن البلاد.
يحتاج فقط إلى سلطة تستطيع أن تواجهه من دون أن تخاف منه.
