مسرح التضليل يكاد يبتلع “المدنية”

نزار عثمان السمندل

تبدو الحكاية كأنها تراجيديا كُتبت سلفاً: ثورة خرجت من قلب الشوارع لتصنع زمناً جديداً، ثم وُضعت داخل طاحونة حربٍ أشعلها جنرالان، وتكفّل الكيزان بتحويل أهوال الرصاص إلى ضجيج سرديات. لم يتأخروا لحظة. بحثوا عن ضعفٍ صغير في جدار القوى المدنية، فحوّلوه إلى شقّ تتسرّب منه الفوضى، وصنعوا دخاناً كثيفاً يزوّر البوصلة ويجعل الحقيقة تبدو خطأً، والخطأ يبدو قدراً.

ذروة اللعبة بدأت حين رُسمت صورة مُضلِّلة تربط قوى الثورة بالدعم السريع. خدعة استخبارية قديمة أُعيد تشغيلها بمهارة: اربط خصمك بما يكرهه الناس، ثم اجعل الضحية تتهم نفسها. هكذا تحوّل شعار “العسكر للثكنات” إلى تهمة جاهزة، جعلت جزءاً من الشارع نفسه يكرر سردية صنعها خصومه. لم يكن الهدف إقناع أحد ببرنامج سياسي، بل تلويث الذاكرة الجماعية ورفع تكلفة الانحياز للمدنيين.

في الزاوية الأخرى، كان حميدتي يرفع راية “الديمقراطية” فوق كتف المليشيا. كلمة هائلة في فمٍ يعرف الجميع أنه يقاتل لحماية نفوذه. قال إنه يريد دولة مدنية، بينما لم يلتزم يوماً بمسارٍ يُخرج السلاح من السياسة.
والبرهان، في المقابل، يلوّح بخطابات متوترة توحي بالالتزام، لكنه يحرص على ترك باب السلطة مفتوحاً خلف ظهره. كلاهما كان ينتظر تعثّر الآخر، وكلاهما كان يقطع الطريق على الاتفاق الإطاري من اللحظة التي وُقّع فيها.

حين اندلع الرصاص بين الرجلين، سقط القناع سريعاً: الحرب صُمّمت لتفجير الاتفاق لا لتنفيذه. صُمّمت لإعادة ترتيب البيت العسكري وفق منطق القوة، لا منطق الدولة. وبقدر ما كانت المعركة بين جنرالين، كانت أيضاً عملية اغتيال بطيئة للثورة التي أرادت تفكيك الدولة الموازية التي بناها الكيزان لعقود.

هنا دخل الإسلامويون إلى المسرح بكامل ثيابهم القديمة. استعادوا خطاب التسعينيات كما لو أنه لم يهرم. يولولون: الثوار سبب الفوضى، المدنيون يهددون الجيش، البلاد لا يحميها إلا “الحارس القديم”. ومع كل يوم حرب، كانت ماكينة الأكاذيب تعمل على دفن الحقيقة تحت ركام اتهامات مُعدّة مسبقاً.

الأكثر فتكاً أن القوى المدنية نفسها وقعت في الفخ. انشغلت بالرد على اتهامات سخيفة، وتراجعت من قيادة الشارع إلى الدفاع عن سمعتها. تحولت من صانعة للسردية إلى ضحية لها. وبذلك، خلت الساحة أمام الكيزان كي يعيدوا كتابة القصة كما يشاؤون.

لم يكن ذلك صدفة. التيه الذي أصاب القوى المدنية كان نتيجة خطة متقنة: دفعها لتبنّي سرديات الجنرالين، وتمزيق خطابها، واقتيادها بعيداً عن معركتها الحقيقية… معركة الدولة ضد حكم القوة.

مع ذلك، يبقى بصيصُ الحقيقة عنيداً: الحرب لم تُخض باسم المدنيين، ولا دفاعاً عن الديمقراطية، ولا استعادة للكرامة. الحرب خاضتها شبكات سلطة كانت تخشى لحظة الانتقال، وكانت تحتاج إلى ضجيج كبير يخفي رفضها العميق لأي مشروع إصلاحي.

والثورة، رغم نزيفها، لم تُهزم. تتراجع أحياناً، تتعب أحياناً، لكنها لا تموت. ما دام هناك من يصرّ على الدولة لا على المليشيا ولا التنظيم، وعلى الحرية لا على الشعار أو الهتاف الأجوف. سيظل الطريق مفتوحاً مهما كانت آلام السير فيه مُضنية، ومهما تلاعب الكيزان بالمشهد، ومهما ارتفع صخب الأكاذيب فوق صوت الحقيقة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …