الريح عبد القادر محمد عثمان
يدّعي هذا المقال أن جوهر الإسلام هو التواضع، فإن انتفى التواضع، تحول هذا الدين العظيم إلى أداة لإنتاج الاستعلاء الذي جاء الإسلام ليهدمه.
وإليكم البينة.
كلنا نردد معجبين العبارةَ الشهيرة المأثورة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله”، وكثيراً ما تُستدعى هذه العبارة بوصفها إعلاناً عن تفوق المسلمين على غيرهم. وكأن عمر كان يقول: نحن قوم اختارنا الله، ولذلك نحن أعلى من سائر الناس.
لكن هذا الفهم يخرج العبارة من سياقها ومعناها.
تروي الأخبار أن عمر رضي الله عنه لمّا أُلبس ثياباً فاخرة وأُركب فرساً، حاول أن يتقبّل ذلك أول الأمر ويقنع به نفسه، لكنه ما لبث أن شعر بمفعول تلك الأشياء المظهرية في نفسه، فقال: “أنزلوني، أنزلوني! لقد كادت الخيلاء أن تقتلني”، ثم قال مقولته عن العزة بالإسلام.
ولئن كانت تفاصيل الرواية بحاجةٍ، من الناحية التاريخية، إلى التحقق من وقائعها وألفاظها وأسانيدها، فإن المعنى الذي تكشفه هذه القصة بالغ الأهمية: لم يكن عمر يخشى على عزته من الثوب والفرس، وإنما كان يخشى أن تتحول العزة إلى خيلاء. ونستنتج أن العبرة بالأثر على النفس. فمن أَمِن ألا تفسد هذه المظاهر نفسه، فلا حرج عليه من جميل الملبس والمركب، فالله جميلٌ يحب الجمال.
لكن الأمر المهم الذي نريد أن نؤكد عليه هو أنه وقع، عبر الزمن، سوء فهم تاريخي لمعنى المقولة، فتحولت عند بعض المسلمين، أو ربما عند كثيرين منهم، من كونها في الأساس تحذيراً من فقدان الإسلام بسبب الكبر والتعالي إلى دعوة إلى التكبر والاستعلاء على الآخرين باسم الإسلام. لقد فهم هؤلاء خطأ، كأن عمر يقول لهم: أعزنا الله بالإسلام، ولذلك صرنا أعز من الناس؛ بينما المعنى الذي ينسجم مع السياق هو العكس تماماً: لقد أعزنا الله بالإسلام لأنه أخرجنا من الخيلاء، فإن عدنا إلى الخيلاء فقد ابتغينا العزة بغير الإسلام – بغير التواضع.
لم تكن عزة الفاروق في أن يكون فوق الناس، وإنما في أن يكون عبداً لله لا عبداً لذاته.
الإسلام هو التواضع
هنا نصل إلى كلمة “الإسلام” نفسها لنعيد التفكير في مبناها ومعناها.
إنها تعني الاعتراف والتسليم.
“أسلمْ”، يعني: اعترف بحقيقتك، ثم سلِّم لله بما تقتضيه هذه الحقيقة.
أو تدري ما هي حقيقتك؟ أم تريد أن نذكِّرك؟
حقيقتك أنك لا تملك وجودك، ولا قدرتك، ولا علمك، ولا مالك، ولا إيمانك، ولا هدايتك، ولا توفيقك. ما عندك من نعمة فمن الله. وما عندك من قوة فمن الله. وما عندك من علم فمن الله. وما عندك من إيمان وتقوى وهداية فمن الله.
لا تعتقد أن ما أُعطيته صار ملكاً لك، وتستطيع أن تستعلي به على الآخرين.
حتى الهداية هي توفيق لك من الله، ولولا الله ما اهتديت، ولا تصدقتَ ولا صليت؛
وحتى جهدك توفيق من الله؛ وحتى تحملك المسؤولية توفيق من الله.
وأنت لا حول لك ولا قوة لك، وبالتالي لا فضل لك في أي شيء.
الإقرار بذلك هو التواضع. وذلك التواضع الذي يدفعك إلى الإقرار هو الإسلام.
ومن هنا يتجلى لنا المعنى الحقيقي للإسلام والمعنى المختلف للتواضع.
وندرك من خلال ذلك أن التواضع ليس ركيزة قائمة من ركائز الأخلاق إلى جوار الصدق والأمانة والوفاء والكرم والشجاعة؛ بل هو القاعدة التي تقوم عليها هذه الركائز جميعاً. فقد يكون الإنسان صادقاً لأنه يريد أن يُعرف بأنه صادق، وكريماً لأنه يحب أن يُقال عنه كريم، وشجاعاً لأنه يريد أن يراه الناس شجاعاً، وعالماً لأنه يريد أن يشعر بتفوقه على الجاهلين.
ويمكن أن تبقى كل فضيلة من هذه الفضائل على ظاهرها الذي يحسه الناس، بينما تكون الأنا هي المستفيد الحقيقي منها.
ووجود التواضع هو الذي يعطي لهذه المكارم، أو الركائز، معناها وجدواها. فالتواضع هو القاعدة التي تقوم عليها جميع هذه الركائز، وبدونها ستنهار جميعاً وتصبح هباءً منثوراً.
لهذا يتضح لنا أن التواضع هو الشرح التقني والعملي للعبودية.
وإذا كانت العبودية حقيقة وجودية، فإن الإسلام يعني الاعتراف بهذه الحقيقة والتسليم بها. لكن كيف لك أن تعترف إن لم تتواضع؟
حين تتواضع، تتنزل عبوديتك إلى الحياة: في علاقتك بالفقير والغني، وبالعالم والجاهل، وبالقوي والضعيف، وبمن يوافقك ومن يخالفك.
لماذا لم ترد كلمة “تواضع” في القرآن الكريم
السؤال المشروع: إذا كان التواضع بكل هذه الأهمية فلماذا لم ترد كلمة “تواضع” في القرآن الكريم؟
الإجابة أنّ في ذلك بلاغةً إلهية بالغة.
تفترض كلمة “تواضع”، منطقياً، أنك في مقامٍ عالٍ، ثم يُطلب منك أن تنزل من عليائك.
لكن الله العليم الخبير يعلم أنك لستَ في علوِّ أصلاً.
ولهذا السبب يبدأ القرآن من تصحيح الوهم نفسه.
أنت مخلوق من تراب، ومن ماء مهين، وإلى التراب عائد. أنت عبد. وكل ما عندك من قدرة وفضل وعلم ومال إنما هو مما أتاك الله. فكيف يقول لك ربك، الخبير بك: انزل من علُوّك.
بل يقول لك: أسلم!
اعترف!
وسلِّم!
ربك الخبير بك لا يمكن أن يطلب منك أن تتنازل عن شيء ليس لك أصلاً؛ بل الطبيعي أن يطلب منك أن تعرف أنّ ذلك الشيء ليس لك أصلاً.
الجاهلية هي التكّبر وعبادة الأنا وليس فقط عبادة الأصنام
حين بدرت من أبي ذر رضي الله عنه منه عصبيةٌ جاهلية، قال له النبي ﷺ: “إنك امرؤ فيك جاهلية”.
لم يكن أبو ذر قد عاد إلى عبادة الأصنام أو شرب الخمر. فقد كان الإسلام قد غيّر عقيدته وحياته. لكنَّ شيئاً جوهرياً من الجاهلية، ولو كان بقدر حبة الخردل، ظل مختبئاً في النفس وقادراً على الظهور في بعض المواقف: إنه ذلك الشعور بالعلو على إنسان آخر بسبب أصله ولونه ووضعه.
فماذا فعل أبو ذر للتخلص من تلك الجاهلية المتبقيّة فيه؟
وضع رأسه على الأرض التي منها خلق وإليها يعود. وقال لبلال بلغة الجسد: أنا لستُ أفضل منك يا أخي بلوني ولا بقبيلتي ولا بعروبتي، بل قد تكون أنت الأفضل عند الله رغم السواد والرق والأصل!
*ما هو ذلك النقص في مكارم الأخلاق الذي جاء النبي ﷺ متمماً له؟ *
حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”، هل تساءلتم ما هو ذلك النقص الذي جاء ليكلمه؟
هل كانت الشجاعة غائبة؟
هل كان الكرم غائباً؟
كلا. جميع مكارم الأخلاق كانت موجودة.
ولكن الأمر الوحيد الغائب هو تلك القاعدة التي ترتكز عليها هذه المكارم وتكتسب منها جدواها عند الله: التواضع.
أخطر عدو للتوحيد وللأخلاق
قد يكون الإنسان موحداً بلسانه، ثم يحمل في داخله وثناً أخطر: نفسه.
وهنا يكمن الخطر الأكبر الذي يواجه الإسلام.
ليس بالضرورة أن يكون أخطر أعداء الإسلام أولئك الذين يقفون خارجه، وإنما ذلك العدو الكامن في نفس كل مسلم حين يفتقر إلى المعنى الحقيقي للعبودية.
يحدث ذلك حين يصبح المسلم أكثر إعجاباً بنفسه بسبب دينه مما كان عليه بسبب حسبه ونسبه.
يحدث ذلك حين تتحول نعمة الهداية إلى شهادة تفوق على الآخرين.
وحين يصبح الانتماء إلى الإسلام امتيازاً اجتماعياً ونفسياً بدلاً من أن يكون حملاً للأمانة ومسؤولية أمام الخلق وأمام الله.
وحين نشطح فنقول: نحن خير أمة، ناسين أن الخيرية ليست رخصة للكبر، وإنما تكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة العدل.
حين نجعل إسلامنا معولاً لهدم الإسلام
هنا تصبح المفارقة خطيرة للغاية:
الإسلام الذي جاء ليهدم الاستعلاء قد يتحول، في أيدي بعض المسلمين، إلى أداة جديدة للاستعلاء.
فنكون قد خرجنا من عنصرية اللون إلى عنصرية الدين، ومن كبرياء الفرد إلى كبرياء الجماعة، أي من تقديس الإنسان لنفسه بسبب اللون والعرق وغير ذلك إلى تقديس الإنسان لنفسه بسبب الدين.
ولن يكون الإسلام بهذه الصورة بديلاً أخلاقياً ولا حضارياً.
فليس العالم بحاجة إلى نسخة إسلامية من الاستعلاء الذي تعاني منه البشرية.
بل العالم يحتاج إلى الإسلام الذي يستطيع أن يهزم داء تضخم الأنا الذي أصاب الإنسان الحديث حتى ظن أنه يستطيع أن يستغني عن الله.
فلا يمكن أن يكون الجواب الذي يقدمه الإسلام هو تضخم المسلم حتى يظن أنه صار، بمجرد انتمائه إلى الدين، أفضل من بقية خلق الله.
يدعو الإسلام الإنسانَ إلى:
أن يتحرر من عبادة نفسه.
أن يعرف أن قوته ليست منه.
وأن علمه ليس منه.
وأن ماله ليس منه وليس له وحده.
وأن هدايته ليست منه.
وأن كل نعمة عنده أمانة ومسؤولية.
عند ذلك فقط تصبح العزة بالإسلام مفهومة على حقيقتها:
ليست العزة أن تكون فوق الناس؛ وإنما أن تتحرر من الحاجة إلى أن تكون فوق الناس.
وليست العزة بأن تفتخر بما عندك، بل أن تنزع من نفسك رغبتها في الفخر.
وهذا هو المعنى الذي خشي الفاروق أن يضيع: أن نملك الدنيا ثم نفقد الإسلام الذي امتلكنا به الدنيا.
وهذا هو المعنى الذي جسده أبو ذر: أنا لستُ أفضل منك بأي شيء، يا أخي!
أخطر رغبة في النفس البشرية
لقد أعزنا الله بالعبودية، لا بالخيلاء؛ ورفعنا بالتواضع، لا بالاستعلاء.
وأخرجنا من عبادة أنفسنا بسبب اللون والعرق وغيرهما، وأدخلنا في الإسلام لا لكي نصنع منه سبباً جديداً للعودة إلى عبادة النفس.
بعض النفوس بحاجة للفخر والخيلاء بأي ثمن، فإن تخلت عن الخيلاء باللون والعرق واللغة والقبيلة سرعان ما تحن إليها فتختال بما تجده أمامها وإن كان الدين.
إذن فالمشكلة الحقيقية هي في الحاجة الكامنة داخل النفوس إلى الخيلاء.
والتواضع الحقيقي هو الذي يقتل تلك الرغبة، فلا يعود المرء يختال بأي شيء.
وفهم الإسلام على أنه التواضع هو الفهم الصحيح، وهو وحده الكفيل بقتل أخطر رغبة تخطر على الإنسان: الفخر والخيلاء والاستعلاء.
التواضع هو الخروج من عبادة النفس.
وطالما بقي في النفس مكان للنفس،
فلن يكتمل التوحيد،
ولن تتحقق العبودية،
ولن نعرف التواضع،
ولن يتحقق لا الإسلام لرب العالمين،
ولا السلام في الأرض.
