مشروع الجزيرة – التطوّرات والتحدّيات خلال المئويةِ الأولى 2 -3

كما ذكرنا في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات فإنه على الرغم من أن الدراسات والتحضيرات لقيام مشروع الجزيرة قد بدأت بعد سنواتٍ قلائل من بداية الحكم الثنائي في السودان عام 1898، إلا أن العمل في المشروع لم يبدأ إلّا في عام 1925. ففي يوليو من ذلك العام تمّ الافتتاح الرسمي للمشروع بعد اكتمال العمل في خزان سنار وفي البنية التحتية لري المشروع. كما تمّ في ذلك التاريخ أيضاً توقيع الاتفاق بين حكومة السودان وشركة السودان الزراعية التي أُنيط بها الإشراف المباشر على المشروع ومزارعيه، وعلى مهام التمويل والتسويق لمحصول القطن الذي تمّ من أجله إنشاء المشروع، مقابل نصيبٍ مُعتبرٍ في الأرباح.
وقد تناولنا في المقال الأول من هذا السلسلة من المقالات، والتي تم إعدادها في الذكرى المئوية الأولى للمشروع، الخلفية والدراسات التي قادت إلى قيام المشروع، والتطوّرات التي أدّت إلى النجاح الكبير الذي تميّز به المشروع لفترةٍ من الزمن. وسوف نتعرّض في هذا المقال إلى التحدّيات الجسام التي واجهت المشروع – خاصةً قضايا الأراضي وعلاقات الإنتاج – والكيفية التي تم بها معالجة هذه القضايا. وسنناقش بعد ذلك التطورات المتلاحقة التي مرّ بها المشروع، والتي قادت عام 2005 إلى قرار منح الزراع حرية اختيار المحاصيل التي يودّون زراعتها، وانهاء الغرض الأساسي الذي تم من أجله إنشاء المشروع كمزرعة قطنٍ عالميةٍ كبرى، والجدل الكبير الذي أثاره ذلك القرار. فقد رأى الكثيرون القرار على أنه الضربة القاضية للأسس والمبادئ التي انبنى وقام عليها المشروع عام 1925.

  1. قضية الأراضي بالمشروع:
    بعد أن استقرت الأمور لإدارة الحكم الثنائي، بدأت في تسوية وتسجيل الأراضي التي استطاع مستعملوها إثبات ملكيتها. وجدت الإدارة أن جزءاً من الأراضي التي سيقوم عليها مشروع الجزيرة هي ملكٌ حرٌ لبعض الأفراد. وبناءاً على ذلك، وبعد مداولاتٍ مطولة، قررت الإدارة ألّا تنزع هذه الأراضي من أصحابها للصالح العام وتعوّضهم كما يُقرُّ قانون نزع الأراضي وقتها. جاء القرار بشكله ذلك لعدة اسباب، منها الخوف أن يؤدي نزع هذه الأراضي إلى اضطراباتٍ وثورات. وقد كانت ثورة عبد القادر ود حبوبة عام 1908 في الجزيرة نفسها حاضرةً في ذهن الإدارة البريطانية في السودان. كان هناك أيضاً الخوف ألّا تنجح زراعة القطن، والتي هي الأساس الذي قام عليه المشروع. ولا بد من إضافة التكلفة العالية للتعويضات التي كانت ستُدفع لملاك الأراضي في حالة نزع هذه الأراضي، والتي كانت الحكومة لا تملك شيئاً منها. وكانت الحكومة قد نزعت بعض الأراضي لإقامة المباني والقنوات وقامت بدفع تعويضٍ وقدره جنيهاً واحداً عن كل فدان. لا بد من التذكير هنا أن تكلفة بناء خزان سنار كانت بكاملها قرضاً من بريطانيا لأن خزينة الحكم الثنائي في الخرطوم كانت خاويةً تماماً.
    لهذه الأسباب تقرّر أن يتم تأجير الأراضي الملك الحر من ملاكها إيجاراً قسريّاً بواقع عشرة قروش (أي ريال) ـللفدان في العام الواحد. ومن ثمّ تمت إضافة تلك الأراضي إلى الأراضي الحكومية، وتم تأجير هذه الأراضي كلها في شكل حواشات للمزارعين حتى ولو كانوا ملاكاً. وقد كان لمبلغ العشرة قروش وقتها قيمة شرائية عالية، كانت تكفي لشراء جوال ذرة كامل. على إثر ذلك صدر قانون “أراضي الجزيرة” لعام 1927 لأجل تقنين وتنظيم ايجار أراضي الملك الحر للحكومة لمدة 40 عاماً، انتهت في عام 1967.
    تبلغ الأراضي التي يملكها أصحابها ملكاً حراً حوالي 895,000 فدان من جملة أراضي المشروع البالغة 2,2 مليون فدان، أي حوالي 40%. وتنقسم أراضي الملك الحر هذه بين الجزيرة (حوالي 513 ألف فدان) والمناقل (حوالي 382 ألف فدان). وهذا يعني أن الأراضي الحكومية بالمشروع تبلغ حوالي 1,305,000 فدان، أي حوالي 60% من أراضي المشروع.
    عند انتهاء عقد الإيجار عام 1967 طالب بعض الملاك، وهم وراثٌ في غالبيتهم، بإعادة أراضيهم إليهم ، في حين طالب آخرون منهم بزيادة الإيجار ليواكب الأسعار وقتها. وانفتح في ذلك العام، ويتواصل حتى يومنا هذا، باب الجدل الحاد حول موضوع أراضي الملك الحر في مشروع الجزيرة. فالملاك يحملون صكوك ملكيتهم للأرض ويحملون معها اتفاقاً مع إدارة المشروع مُمثِلةً لحكومة السودان، تؤكد اعترافها بتلك الملكية والتزامها بدفع إيجار تلك الأراضي. وقد قاموا بتكوين “جمعية ملاك الأراضي الملك الحر” وتم تمثيلهم في عدة لجان. من الجانب الآخر فإن المستأجرين يجادلون أنهم فلحوا الأرض ودفعوا مبالغ تفوق قيمتها خلال الأربعين عاماً الماضية، وأن على إدارة المشروع التوفيق بين وضعهم هذا ووضع الملاك. وبرغم صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 2005، ثم صدور تعديلاته عام 2014، فإن مسالة الأراضي في مشروع الجزيرة لم يتم حسمها بعد من حيث قيمة الإيجار والمتأخرات. وقد كُونت عدّة لجان للنظر في هذه المسألة، وأصدرت عدّة تقارير. ومنذ عام 1972 ظلّ موضوع “أراضي الملك الحر بمشروع الجزيرة”، موضوعاً تتناقله أيدي اللجان حتى يومنا هذا.
    تناول قانون مشروع الجزيرة لعام 2005 مسالة أراضي الملك الحر عن طريق تضمين مواد لنزع أراضي الملك الحر من غيرِ من قرر من الملاك العمل بالزراعة، وتعويض هؤلاء الملاك. غير أن تعديلات القانون التي صدرت عام 2014 قامت بإلغاء هذا المنحى وتم الاعتراف الكامل بأراضي الملك الحر كجزءٍ مكمل ومساوٍ للأراضي الحكومية بالمشروع، كما سنناقش لاحقاً في هذا المقال.
  2. بداية رحلة تدهور المشروع:
    كما ذكرنا في المقال السابق وكذلك أعلاه، أصبح مشروع الجزيرة منذ قيامه عام 1925 المعلم الأساسي للاقتصاد في السودان. وساهم دخله السنوي للحكومة في تغطية تكلفة الإدارة ومشاريع التنمية الاجتماعية في كل أنحاء السودان. وأصبحت الجزيرة قبلةً للسودانيين من كل مدنه وقراه يأتون إليها بحثاً عن حواشةٍ أو عملٍ فيها يساعدهم على توفير الحياة الكريمة لأسرهم. أصبحت الجزيرة كما ذكرنا من قبل السودان المصغر الذي تجمّعت وتصاهرت فيه معظم قبائل السودان. وقد كان هذا النجاح الباهر السبب الرئيسي لتقديم تلك التضحيات الكبيرة لمصر من أجل موافقتها لبناء خزان الروصيرص لري امتداد المناقل الذي تكاد مساحته تبلغ مساحة المشروع الأصلية.
    تواصل هذا النجاح الباهر حتى سبعينيات القرن الماضي حينما بدأت في الظهور بوادر التدهور التدريجي في أداء البنية التحتية للرّي وفي الإنتاج. وقد كان تكوين اللجان الكثيرة وفي الفترات التاريخية المختلفة اللاحقة دليلاً على إحساس الحكومات المتعاقبة والقائمين على أمر مشروع الجزيرة بخطورة الوضع الذي يواجهه المشروع. وكانت هناك عدة أسباب وراء تدهور أداء مشروع الجزيرة، يمكن تلخيصها فيما يلي:
    أولاً: إن عمليات صيانة قنوات الرّي، والتي تمتد لأكثر من ألفٍ وخمسمائة كيلومتر، كانت ضعيفة ودون التحدّي الذي كانت ومازالت تفرضه مشكلة الطمي الوارد من الهضبة الإثيوبية وبكميات كبيرة. وقليلاً قليلاً بدأ الطمي يتراكم في القنوات المختلفة مما أدى إلى البطء، أو حتى التوقف لتدفقات مياه الرّي وتبخّر وتسرّب جزءٍ كبيرٍ منها. وأدّى تراكم الطمي إلى نموٍ غزيرٍ للحشائش في القنوات نفسها، وهذا بدوره أثّر على أداء تلك القنوات وأدّى في النهاية إلى ضعفٍ متواصلٍ في أدائها في عملية الرّي.
    ثانياً: أثّر تراكم الطمي أيضاً على أداء خزاني سنار والروصيرص، حيث فقد كلٌ منهما نصف طاقته التخزينية بسبب تراكم الطمي عبر السنين. وهنا لا بد من الإشارة أيضاً إلى الأثر السلبي لاحتدام التنافس على استغلال مياه خزان الروصيرص بين الاستعمالات لأغراض الرّي والاستعمالات لأجل توليد الطاقة الكهربائية، إذ أن الخزان لم يكن، في الأصل، مُصمّماً لأداء المهمتين معاً.
    ثالثاً: كان لزيادة أسعار المحروقات عالمياً، والتي بدأت عام 1973، آثار واضحة على توفّر المدخلات الزراعية والوقود في المشروع، بسبب فشل الحكومة في توفير العملة الصعبة من أجل استيرادها، وقد أثّر هذا بدوره بالطبع على أداء مشروع الجزيرة .
    رابعاً: أدت زيادة الإنتاج من القطن في آسيا الوسطى والصين والهند في منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى تدني أسعاره عالمياً. وقد كان لذلك أثره السلبي على دخل المشروع والمزارعين من محصول القطن.
    خامساً: أدّت الزيادة الكبيرة في تكاليف الإنتاج وانخفاض العائد إلى إضعاف رغبة المزارعين في الزراعة مما أدّى إلى هجر عددٍ كبيرٍ لها، وكذلك إلى توقّف الكثيرين منهم عن العمل المطلوب فيها بسبب قلّة الحافز.
    سادساً: تحت هذه الظروف غير المواتية لم يؤد التغيير عام 1983 من نظام الحساب الجماعي المشترك إلى الحساب الفردي للنتائج المتوقعة، خاصةً وأنه كانت هناك ليس فقط تحفظات وإنما معارضة من عددٍ من المزارعين لذلك التغيير.
    سابعاً: دخل المشروع عملياً فيما يسمى بالحلقة المفرغة أو الدائرة الجهنمية للري. وتبدأ هذه الدائرة بالرّي الضعيف الذي ينتج عن الأداء الضعيف لشبكة الرّي وعدم إشراك المزارعين في عملية الرّي. ويؤدى ذلك الرّي الضعيف بدوره إلى تدني الإنتاج، والذي ينعكس بدوره في مداخيل منخفضة وغير مجزية، مما يتسبب في تفشي حالة من عدم الرضا بين المزارعين. هذا من جانب، أما من الجانب الآخر فإنه يؤدي إلى عجزٍ في استرداد تكاليف الرّي، وبالتالي إلى ضعف تمويل الصيانة والتشغيل. ومعلومٌ أن عدم القيام بالصيانة وضعف التشغيل لا يؤديان في نهاية الأمر إلّا إلى وجود شبكة للري ضعيفة وغير قادرةٍ على أداء دورها مما يؤدي إلى ضعف عملية الرّي، ومن هنا تبدأ الحلقة الشريرة في التكرار والدوران الجهنمي.
    ثامناً: التقلبات والتغييرات المتواصلة في السياسات الزراعية وقصر فترات وزراء الزراعة ومديري المشروع زادت الوضع سوءاً. ففي فترة السبعينيات كان متوسط فترة خدمة وزير الزراعة عاماً واحداً، كما وأننا نجد أنه ومنذ العام 1955 تعاقب على المشروع أكثر من عشرين محافظاً ومديراً عاماً، بالإضافة إلى عددٍ كبيرٍ من المديرين بالإنابة الذين خدموا لفتراتٍ طالت في كثيرٍ من الأحيان بسبب عدم تعيين محافظٍ أو مديرٍ خلال تلك الفترة.
    تاسعاً: لم تؤدِّ محاولات إعادة تأهيل البنية التحتية للمشروع في العام 1983 والتي موّلها عددٌ كبيرٌ من المانحين وبمبالغ ضخمة إلى نتائج إيجابية بسبب غياب الإصلاح المؤسسي من علاقات إنتاجٍ وتمويلٍ وتسويق.
    عاشراً: لا بد من الإشارة إلى أن انتهاء عقد إيجار أراضي الملك الحر عام 1967 قد أضاف تحدٍّ آخر إلى هذه الصعوبات، وفتح الباب واسعاً أمام الجدل الحاد بين الملاك والمستأجرين في أحقية أراضي الملك الحر المزروعة. وأثار ذلك الجدل الكثير من القضايا من بينها السؤال “هل الأرض لمن يفلحها أم لمن يملكها؟” خصوصاً بعد انقلاب 25 مايو عام 1969 الذي بدأ يسارياً.
  3. محاولات التصدّي للتدهور:
    جرت عدّة محاولاتٍ للتصدّي لتدهور المشروع، وكُوّنت عدة لجان، وفي فترات مختلفة. وقد اعتمدت تلك اللجان بشكلٍ كبيرٍ على كتاب السيد آرثر جيتسكل “الجزيرة – قصة تنمية في السودان”، والذي صدر في عام 1959 ولكنه ما يزال المرجع الأساسي لقصة قيام وتطور مشروع الجزيرة، والذي أشرنا له من قبل. ومن أهم تلك اللجان والتقارير:
    (1) تقرير محطة أبحاث الجزيرة الذي صدر عام 1963 وتناول بشكلٍ أساسيٍ القضايا التي كان من المتوقع حدوثها بعد اكتمال العمل في خزان الروصيرص وامتداد المناقل، وقد اكتمل العمل فيهما كما كان مُتوقعاً في منتصف الستينيات.
    (2) تقرير البنك الدولي لعام 1966 والذي أُطلق عليه “تقرير ريست” إشارةً إلى السيد “ليونارد ريست” رئيس فريق العمل الذي أعدّ التقرير. وقد انتقد التقرير نظام الحساب الجماعي وأوصى بتبديله بالحساب الفردي، كما أوصى بإدخال نظام حريّة اختيار المحاصيل بواسطة المزارعين.
    (3) تقرير اللجنة العاملة لمشروع الجزيرة لعام 1967. وقد ترأس تلك الجنة الدكتور حسين إدريس وقد ساهم معه في إعداد التقرير البروفيسر جون سيمسون أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة ليدز بالمملكة المتحدة. وقد اتفقت هذه اللجنة مع لجنة البنك الدولي في مقترح حرية اختيار المحاصيل.
    (4) تقرير البنك الدولي لعام 1983، والذي تمّت بموجبه إعادة تأهيل مشروع الجزيرة بقروضٍ ميسرةٍ من البنك الدولي والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والحكومتين الإيطالية واليابانية. وقد كان شرط المانحين لتقديم عونهم إصدار قانون مشروع الجزيرة لعام 1984، وهذا ما حدث، مُقنّناً ومُفصّلاً للحساب الجماعي.
    (5) التقرير الوزاري لعام 1993 الذي جاء إثر التحولات الاقتصادية إلى السوق الحر التي تبنّتها حكومة الحركة الإسلامية في تلك الفترة.
    (6) تقرير لجنة عام 1998، والتي ترأّسها الدكتور تاج السر مصطفى، وقد أوصى ذلك التقرير، لأول مرةٍ، بقيام شركةٍ مساهمة تؤول إليها ملكية مشروع الجزيرة، وهو ما عُرِف ب “خصخصة مشروع الجزيرة.”
    (7) تقرير الفريق المشترك بين البنك الدولي وحكومة السودان لعام 2000، والذي أعقبه صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 2005 متضمناً عدداً من التوصيات التي شملها التقرير، أهمها حرية اختيار المحاصيل وانتهاء الزامية زراعة القطن كمحصول أساسي للمشروع.
    (8) تقرير لجنة الإصلاح المؤسسي لمشروع الجزيرة برئاسة الدكتور عبد الله أحمد عبد الله لعام 2004. وقد شملت اللجنة عدداً من الممثلين لاتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل. وقد أيدت هذه اللجنة توصيات تقرير عام 2000.
    (9) تقرير ورشة العمل الأولى التي انعقدت عام 2004 حول مسوّدة قانون مشروع الجزيرة.
    (10) تقرير ورشة العمل الثانية والتي انعقدت عام 2005 لوضع خارطة طريق لتطبيق قانون مشروع الجزيرة لعام 2005.
    (11) تقرير لجنة عام 2007، والتي ترأّسها الدكتور عبد الوهاب عثمان. وقد ناقش تقريرها المعوّقات التي تقف في طريق تنفيذ قانون عام 2005.
    (12) تقرير بيت الخبرة التركي حول إعادة هيكلة إدارة وتمويل مشروع الجزيرة والذي صدر عام 2008.
    (13).تقرير لجنة عام 2009 حول الحالة الراهنة وكيفية الإصلاح لمشروع الجزيرة. وقد أثار هذا التقرير الكثير من الجدل بسبب نقده للطريقة التي تم بها تطبيق قانون مشروع الجزيرة لعام 2005، والكيفية التي تم بها التصرّف في أصول المشروع التي تم رصدها أعلاه في هذا المقال.
    يدلّ تكوين هذه اللجان وتدّل تقاريرها المختلفة على الحجم الكبير للمشاكل التي تواجه مشروع الجزيرة، وأيضاً على اقتناع المسئولين في الحكومات المختلفة بضخامة هذه المشاكل. وقد كان إصدار قانون مشروع الجزيرة لعام 2005 والذي انبنى إلى حدٍّ كبير على تقرير عام 2000، أكبرَ معلمٍ لمحاولة حلحلة هذه المشاكل.
  4. القوانين المنظّمة للعمل بمشروع الجزيرة:
    قبل التطرّق لقانون مشروع الجزيرة الحالي (قانون عام 2005 المعدّل عام 2014)، لا بدّ من الوقوف قليلاً عند الاتفاقيات والقوانين التي سبقته. فقد خضع العمل بالمشروع منذ قيامه لقوانين منظمة له، ومنظمة كذلك للعلاقة بين أطرفه الثلاثة وهي حكومة السودان، إدارة مشروع الجزيرة والتي جاءت خلفاً لشركة السودان الزراعية في عام 1950، والزراع الذين يمثلهم اتحاد المزارعين. لم تظل المواد الأساسية لتلك القوانين ثابتةً وإنما تحولت وتطورت حسب مراحل التطور التي شهدها المشروع عبر تاريخه. ولم تكن تلك القوانين مرتبطةً بتلبية احتياجات تنظيم العمل في المشروع فحسب وإنما وبنفس القدر أو أكثر قد ارتبطت بالظروف وبالتحولات السياسية التي شهدها السودان.
    سنشير إجمالاً للقوانين التي نظمت العمل في مشروع الجزيرة مع التركيز بشكلٍ خاص على آخر تلك القوانين وهو قانون عام 2005 المعدّل عام 2014. ويمكن تتبع تلك القوانين كما يلي:
    منذ البداية قام المشروع وخضع لبنود اتفاقية 1925 التي تمت بين إدارة الحكم الثنائي وشركة السودان الزراعية. وقد أوضحت الاتفاقية حقوق وواجبات كل طرفٍ من الأطراف الثلاثة. وفي عام 1926 صدرت اتفاقية الإجارة بين شركة السودان الزراعية والمستأجرين (الزراع). وأعقبها في عام 1927 صدور قانون أراضي الجزيرة والذي تمّت بمقتضاه الإجارة القسرية لأراضي الملك الحر بمشروع الجزيرة كما ناقشنا من قبل، وقد حلّ هذا القانون مكان قانونٍ آخر كان قد صدر عام 1921. وقد ظل العمل بهذه الاتفاقيات حتى عام 1950.
    وفي عام 1950 صدر قانون مشروع الجزيرة والذي انتقلت بموجبه إدارة مشروع الجزيرة من شركة السودان الزراعية إلى إدارة مشروع الجزيرة وتعدّلت نسب الأرباح لكلٍ من الأطراف الثلاثة. وكان ذلك القانون أولَ قانونٍ يصدر لمشروع الجزيرة. وقد حلّ مكان هذا القانون قانونُ مشروع الجزيرة لعام 1960 لتقنين وتنظيم إضافة امتداد المناقل ليصبح جزءاً من مشروع الجزيرة. وتلك هي الفترة التي شهد فيها مشروع الجزيرة توسّعاً كبيراً في مساحته وفي شبكة الرّي، وزيادةً في عدد زراعه وموظفيه وعماله، وبالطبع فقد أثّر ذلك في تطور المشروع وإدارته في جوانب عدة. ومن ناحيةٍ أخرى فقد أدّى التوسع إلى زيادة قوة واتساع نفوذ اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل. وقد تم تمثيل المزارعين بممثلٍ واحد لأول مرة في مجلس إدارة مشروع الجزيرة. ووضع القانونُ مشروعَ الجزيرة تحت إشراف وزارة الزراعة وأعطى وزير الزراعة الكثير من الصلاحيات في إدارة المشروع.
    وفي عام 1984 صدر القانون الذي قنّن الحساب الفردي الذي كان قد طُبِّق عملياً في العام 1981، عند إلغاء الحساب الجماعي واستبداله بالحساب الفردي كما ناقشنا أعلاه. ويعتبر إلغاء الحساب الجماعي المشترك واحداً من التحولات الكبيرة والمؤثرة في مسار المشروع. أثار ذلك التحول جدلاً واسعاً بين المزارعين داخل مشروع الجزيرة، وبين أطرافه الثلاثة وخارج المشروع. وكما ذكرنا آنفاً فقد كان إصدار ذلك القانون هو أحد شروط المانحين لتمويل إعادة تأهيل المشروع عام 1983. وقد رفع القانون تمثيل المزارعين في مجلس الإدارة من عضوٍ واحد إلى خمسة أعضاء، وتمّ تمثيل الموظفين والعمال بمقعدٍ لكل منهم. وقد وسّع القانون صلاحيات وزارة الزراعة الإشرافية على المشروع.
    أما آخر قانون صدر بشأن تنظيم العمل في مشروع الجزيرة فهو قانون مشروع الجزيرة لعام 2005. وقد تم إدخال تعديلات جوهرية على هذا القانون عام 2014، كما سنناقش لاحقاً. وبسبب ما أثاره وما زال يثيره هذا القانون وتعديلاته من جدلٍ وخلافٍ بين أوساط المزارعين والزراعيين ومهندسي الري والأكاديميين والسياسيين في تناوله لقضايا الأراضي والمياه والتركيبة المحصولية وعلاقات الإنتاج، فسوف نناقشه أدناه بشيءٍ من التفصيل.
  5. قانون مشروع الجزيرة لعام 2005:
    يعتبر صدور قانون مشروع الجزيرة في يوليو عام 2005 من أهم التطورات التي شهدها مشروع الجزيرة منذ إنشائه، إن لم نقل أنه أهم تطورٍ في تاريخ المشروع. فقد أدخل هذا القانون تغييراتٍ جذريةٍ على وضعية المشروع وعلى نمطي الإنتاج والإدارة بالمشروع. ألغى هذا القانون قانون عام 1984 وحلّ محله، كما ألغى أيضاً قانون أراضي الجزيرة لعام 1927.
    يُعرِّف القانون في المادة 4 مشروع الجزيرة بإنه مشروعٌ اقتصادي واجتماعي ذو نشاطٍ متنوع، يتمتع برعاية قومية للتنمية، وله شخصية اعتبارية مستقلة إدارياً ومالياً وفنياً وصفة تعاقبية مستديمة وخاتم عام وله حق التقاضي باسمه. كما أكّد القانون ملكية الدولة، ممثلةً في وزارة المالية والاقتصاد الوطني لأصول المشروع. وحدّد تكوين المشروع من (1) المزارعين (2) الحكومة ممثلة في وحداتها التي تقدم الخدمات الأساسية ومن ضمنها الرّي والسلع العامة التي تشمل البحوث ووقاية النباتات والتقانة والإرشاد والدراسات الفنية والتدريب، إضافةً إلى الإدارة الإشرافية والتخطيط، (3) القطاع الخاص بما يقدمه من خدماتٍ تجارية مساعدة.
    سنّ القانون عدداً من المبادئ الأساسية المهمة، يمكن تلخيصها في الآتي:
    المبدأ الاول هو مبدأ حرية اختيار المحاصيل الذى تضمنته المادة (5) الفقرة (هـ) من القانون، حيث أوردت،” كفالة حق المزارعين في إدارة شأنهم الإنتاجي والاقتصادي بحرية كاملة في إطار المحددات الفنية واستخدام التقانة للارتقاء بالإنتاجية وتعظيم الربحية منها”. هذا النص يحتوي على أهميةٍ خاصة . فهو يعني ببساطة الآتي:
    أولاً: فك الارتباط التاريخي بين مشروع الجزيرة وإنتاج محصول القطن.
    ثانيا:ً إنهاء الحلقة الأساسية في علاقات الإنتاج داخل المشروع بين المزارعين وإدارة مشروع الجزيرة والتى تمثلت في زراعة القطن والإشراف عليه وتمويله. وهذا بالطبع تحوّلٌ كبير وجذري، وهو بلا شك أكبر تحولٍ يمر به المشروع منذ إنشائه قبل أكثر من ثمانين عاماً في ذلك الوقت.
    كان هذا التحول مثاراً للجدل والخلاف حيث انتقده البعض، بل ورفضوه، باعتبار أنه ينهي الدور التاريخي للمشروع في زراعة القطن، هذا من الجانب الأول، ويلغي، من الجانب الثاني، دور الدولة في تحديد أولوياتها بالنسبة للمحاصيل التي سوف تتم زراعتها، أما من الجانب الثالث فإنهم يرون أن هناك مخاطرة في زراعة محاصيل قد يكون المشروع غير مهيأ لها. وأما على صعيد المرحبين به فإنهم أولاً يرون أن المستأجر في المشروع ولأول مرة يتحول إلى مزارعٍ له حرية اتخاذ القرار فيما يريد زراعته وتحمّل تبعات ذلك كاملةً. ثانياً، إنه ينهي الامتياز القسري لمحصول القطن، أما ثالثاً فإنه يضع حداً للنظام السلطوي لإدارة المشروع بواسطة مجلس الإدارة الذي درج على تحديد المحاصيل وتمويل القطن والإشراف العام عليه.
    المبدأ الثاني الذي أقره القانون في المادة (16)، هو تمليك الأراضي للمزارعين. وفي هذا الشأن وردت ثلاث معالجات كما يتضح من الفقرة (2)، وهي:
    “(أ) المزارعون أصحاب الملك الحر الذين خُصّصت لهم حواشات بموجب تلك الملكية تسجل لهم تلك الحواشات ملكية عين بسجلات الأراضي.
    (ب) الملاك الذين لم تُخصّص لهم حواشات عند التفريقة والذين لهم فوائض أرض وفق الفقرة (أ) تؤول أراضيهم للمشروع مع تعويضهم تعويضاً عادلاً.
    (ج) يُملّك بقيةُ المزارعين في المشروع من غير أصحاب الملك الحواشات التي بحوزتهم ملكية منفعة لمدة تسعة وتسعين عاماً.”
    واضحٌ أن هذه المادة قد أنهت الإيجار القسري للأراضي الملك الحر، وقامت بتمليك الأراضي بالمشروع للمزارعين إما ملكية عين أو ملكية منفعة. كما أنها قضت بنزع الأراضي من غير المزارعين وتعويضهم تعويضاً عادلاً.
    هذا هو أيضاً تحولٌ جذري ينهي الإجارة القسرية التي استمرت لأكثر من ثمانين عاماً، غير أن تطبيق هذه المادة كان صعباً منذ صدور القانون عام 2005 وذلك لمطالبة المالكين بمبالغ ضخمة تمثل كلاً من الإيجار منذ عام 1972، والتعويض عن أراضيهم التي سيتم نزعها. وما زال الجدل والسجال دائراً حول هذه المسألة ووصل حدّ التقاضي أمام المحاكم. كما أن القانون لم يحدد ما هو “التعويض العادل” ومن سيقوم بدفعه؟
    المبدأ الثالث الذي أقره القانون هو إعطاء المزارع الحق في التصرف في الحواشة بالبيع أو الرهن أو التنازل وفق الموجّهات التى يضعها المجلس. وقد ورد هذا المبدأ في المادة (17) من القانون وأثار الكثير من الجدل حيث اعتبره البعض امتداداً لحرية المزارع في ترك الزراعة ببيع حواشته ومن ثمّ التحوّل إلى عملٍ آخر إن أراد ذلك. كما رأى البعض أن ضمان حق الرهن يفتح إمكانيات تمويل كبيرة للمزارعين. من جانبٍ آخر هناك منْ رأى أن إقرار مبدأ كهذا سيشجع المزارعين على هجر الزراعة وسيؤدي بهم إلى خسارة أراضيهم المرهونة في حال عجزهم عن سداد ديونهم.
    لابد من الإشارة هنا إلى أمرين، الأول هو أن تطبيق هذا المبدأ لم يتم لأن نقل ملكية الأرض للمزارعين لم يتم بعد هو الآخر. أما الأمر الثاني فهو أن ملكية الحواشة قد تمّ تقييدها بشروطٍ محدّدة في المادة 16 من القانون نفسه تلخصت في استغلال الحواشة لأغراض الزراعة فقط، عدم تفتيت الملكية وأخيراً في حالة بيع الحواشة أو التنازل عنها يتم تطبيق أحكام الملكية بالشفعة.
    المبدأ الرابع وهو إنشاء روابط مستخدمي المياه لإدارة وصيانة وتشغيل قنوات الحقل بالمشروع. وهذا المبدأ أقرته المادة (19) من القانون حيث نصت على الآتي: “(أ) تُنشأ روابط لمستخدمي المياه تحت إشراف المجلس على مستوى المشروع تمثل الإدارة الذاتية للمزارعين ذات شخصية اعتبارية وتسلَّم لها مهام حقيقية في إدارة استخدامات المياه بالتعاقد مع وزارة الرّي والموارد المائية في مجال الإمداد المائي والاستشارات الفنية.”
    “(ب) تنشئ وزارة الرّي والموارد المائية إدارة خاصة لريّ مشروع الجزيرة.”
    تعرّضت فكرة روابط مستخدمي المياه إلى نقدٍ عنيف داخل وخارج المشروع. ومن ضمن ما أُثير في ذلك النقد: أولاً أنها فكرة غريبة على السودان ولم تطبّق من قبل في أى مشروعٍ زراعى. ثانياً، أنها فكرة تخصّ وترتبط بالدول التي تعاني من شح المياه ومصادرها. ثالثاً، أن تطبيقها يلغي دور وزارة الرّي ومجلس الإدارة ويحيله إلى المزارعين. ورابعاً، أن المزارعين غير مؤهلين للقيام بهذا الدور. ومن ضمن النقد أن هذه الروابط تخلق وسيطاً جديداً بالإضافة إلى وزارة الرّي ومجلس الإدارة، وأنها ستؤدى إلى فصل الشبكة الصغرى عن الشبكة الكبرى.
    لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن فكرة روابط أو اتحادات مستخدمي المياه برزت خلال ثمانينيات القرن الماضي وقد تمّ تطبيقها بنجاحٍ في عدة أقطار من العالم. وقد قام كاتب هذا المقال عام 1995 بإعداد دراسة بعنوان “الإطار القانوني لاتحادات مستخدمي المياه”، وقام البنك الدولي بنشرها في عدة لغات. وهذه الدراسة واحدةٌ من الدراسات المقارنة القليلة التي تناولت تلك الفكرة. ورغم أن الدراسة عالجت الإطار القانوني لروابط واتحادات مستخدمي المياه، إلا أن من ضمن ما خلصت له هو أن مشاركة المزارعين عبر اتحادات مستخدمي المياه، المُنتخبة ديمقراطياً والمسجلة كشخصيةٍ اعتباريةٍ قانونية، في إدارة وتشغيل وصيانة أجزاء من أنظمة الرّي، قد أدت فعلياً إلى الآتي:
    1- الاستخدام المرشّد للمياه والذي أدّى وبالنتيجة إلى وفوراتٍ فيها.
    2- ازدياد إمكانية الصيانة الجيّدة لمرافق الرّي.
    3- تقليل تكلفة التشغيل والصيانة بصورةٍ كبيرة.
    4- وضع الحد لمركزية تقديم الخدمات.
    5- تمليك المزارعين وتمكينهم من صلاحيات إدارة شئونهم.
    كما قام الكاتب بإعداد ونشر كتابٍ في عام 2005 تحت عنوان “الإطار القانونى لإدارة الموارد المائية.” تبين من نتائج الدراسة أن هناك أربعة عشر دولة من ضمن الستة عشر دولة التي شملتها الدراسة قد قامت بتبني فكرة “اتحادات مستخدمي المياه” وطبقتها بصورة مكثفة، وتأكّد نجاحها في تحقيق أهدافها، وأن الإصلاح المؤسسى في قطاع الرّي في معظم أنحاء العالم قد تبنّى فكرة إنشاء روابط مستخدمى المياه. بل إن بعض الدول قد شكّلت اتحاداتٍ لهذه الروابط وأناطت بها مسئولية تشغيل وصيانة القنوات الكبرى والرئيسية، وأنه في دولة شيلى قامت هذه الروابط بشراء القنوات والخزانات من الدولة وتقوم بإدارتها كمالكٍ وليس فقط تحت عقد إدارة.
    لم يُكْتب النجاح لتجربة روابط مستخدمي المياه بمشروع الجزيرة لعدّة أسباب. فقد صاحب إنشاء الروابط الكثير من الاستعجال فلم يتم تدريب وتأهيل لجان الروابط بصورةٍ كافية. كما أن كثيراً من المعارضين يدّعون أن الروابط كانت تخضع لإشراف وتوجيهات اتحاد المزارعين وإدارة مشروع الجزيرة وأنها لم تكن مستقلةً قانونياً أو إدارياً أو مالياً. ولكن أهم من هاتين النقطتين مسألة الوضعية السيئة للقنوات التي كانت ستديرها روابط مستخدمي المياه. فقد نصّ قانون مشروع الجزيرة لعام 2005 في المادة 28.(4) على أنه “يتم تسليم قنوات الحقل لروابط مستخدمي المياه بعد تأهيلها”. وبما أن التأهيل لم يتم بذاك الوقت فإن روابط مستخدمي المياه التي تمّ تكوينها لم تستطع أن تقوم بالصيانة والتشغيل لهذه القنوات بسبب وضع القنوات السيئ.
    المبدأ الخامس: تقليص دور مجلس الإدارة: تعرّض القانون لتشكيل وتحديد اختصاصات وسلطات مجلس إدارة مشروع الجزيرة. ويتكوّن المجلس من رئيسٍ يعينه رئيس الجمهورية وأربعة عشر عضواً. ويُمثّل المزارعون في المجلس بنسبة لا تقل عن 40% من عضوية المجلس. ويشمل المجلس أيضاً ممثّل للعاملين بالمشروع وممثلين للوزارات المختصة (تشمل المالية، الزراعة، الرّي، التقانة، بنك السودان، ووزارة الزراعة بإقليم الجزيرة) قلّص القانون دور المجلس تقليصاً واضحاً، وتتضمن المادة 9 اختصاصات مجلس الإدارة والتى تتلخص في:
    أولاً: وضع الأسس العلمية للدراسات البحثية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة لحسن استخدام موارد المشروع لتحقيق أعلى معدلات ربحية ممكنة.
    ثانياً: وضع السياسات التشجيعية العادلة لتنفيذ سياسات الدولة الاستراتيجية للمحاصيل الزراعية.
    ثالثاً: إدارة وتطوير الخدمات الأساسية المتمثلة في البحوث ووقاية النباتات والتقانة والإرشاد وإكثار البذور والتدريب والطرق الداخلية.
    رابعاً: إرساء نظام تكافلي يسمح بتعويض المزارع المجد حال تعرّضِه للآفات والكوارث الطبيعية.
    خامساً: وضع المحددات الفنية للتركيبة المحصولية والدورة الزراعية.
    سادساً: اعتماد الخطط والبرامج المرفوعة من المدير العام (والذى يقوم بتعيينه المجلس).
    سابعاً: تحديد فئة خدماته التي يؤديها بالتنسيق والاتفاق مع الجهات المختصة، ويتم تحصيلها من المزارعين بواسطة روابط مستخدمي المياه.
    يتضح من هذا العرض أن دور المجلس قد تقلّص وأصبح ينحصر في البحوث والاستشارات والدراسات ووضع السياسات الزراعية، وأن عليه أن يتحصل على رسوم خدماته من المزارعين. كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أن إلغاء نظام زراعة القطن القسرية (من خلال إرساء وتطبيق مبدأ حرية اختيار المحاصيل) أدّى إلى إنهاء المصدر الرئيسي لدخل المجلس. نتج عن تقليص دور مجلس الإدارة التصرّف والتخلّص من أصول المشروع التي ورد ذكرها أعلاه.
    هذه هى المبادئ الخمسة الأساسية التى ارتكزعليها قانون مشروع الجزيرة لعام 2005. وكما ذكرنا أعلاه فقد تعرض القانون للكثير من النقد للمبادئ الخمسة التي ناقشناها أعلاه، بل وإلى رفض تلك المبادئ من عدة جهات شملت عدداً كبيراً من المزارعين أنفسهم وكذلك أصحاب الأراضي الملك الحر.
    ورغم أن القانون تمت مراجعته عام 2014، إلا أن تلك المراجعة انحصرت في الغالب الأعم على قضية أراضي الملك الحر، كما سنناقش أدناه.
  6. تعديلات عام 2014 لقانون مشروع الجزيرة لعام 2005:
    برزت مسألة أراضي الملك الحر كأهم القضايا التي تناولتها تعديلات عام 2014. فكما أوضحنا في نقاشنا أعلاه فإن قانون 2005 كان قد قضى بأن “الملاك الذين لم ُتخصّص لهم حواشات عند التفريقة والذين لهم فوائض أرض وفق الفقرة (أ) تؤول أراضيهم للمشروع مع تعويضهم تعويضاً عادلاً.” وقد استخدم القانون كلمة “تؤول” بدلاً من كلمة “النزع.”
    غير أن تعديلات 2014 قامت بالإلغاء التام لهذا النهج وقضت بديلاً لذلك بالآتي:
    تمتلك الدولة وأصحاب الملك الحر أراضي مشروع الجزيرة،
    يستأجر المجلس أراضي أصحاب الملك الحر بعقد إيجار طويل الأجل وبفئات مجزية يتفق عليها مع أصحاب الملك الحر ويدفع المجلس الأجرة سنوياً للملاك في بداية كل عام.
    يكوّن المحافظ لجنة مشتركة من إدارة المشروع وتنظيمات المزارعين وملاك الأراضي لتقدير فئات الإيجار السنوية وتحديد الدورة الزمنية لتجديد هذه الفئات وترفع المقترحات للمجلس للإجازة.
    وقد قضت تعديلات عام 2014 بتمثيل أصحاب اراضي الملك الحر بمقعد في مجلس إدارة مشروع الجزيرة.
    وهكذا أصبح ملاك أراضي الملك الحر مشاركين رئيسيين في مشروع الجزيرة، وفي وضعٍ لا يقل عن وضع حكومة السودان نفسها، وانتهى كابوس نزع الملكية والتعويض الذي لازم الملاك منذ عام 1967.
    شملت التعديلات حذف مصطلح روابط مستخدمي المياه من القانون والاستعاضة عنها بعبارة “تنظيمات المزارعين.” وهذه إشارة إلى اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، والذي كما ذكرنا أعلاه كان مشرفاً على هذه الروابط. كما تم استبدال مصطلح “مدير المشروع” بمصطلح “المحافظ” الذي كان سائداً منذ صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 1950، وحتى عام 2005.
    عليه فقد أعادت تعديلات عام 2014 الوضع في مسألة أراضي الملك الحر في مشروع الجزيرة إلى ما كان عليه قبل صدور القانون عام 2005. غير أن التعديلات لم تشمل مسألة متأخرات الإيجار، ومن سيقوم بدفعها، ومتى؟ وهكذا عات قضية أراضي الملك الحر إلى حيث بدأت عام 1967، عندما انتهى عقد الإيجار ولم يتم التعامل مع هذه القضية.
    سوف نقوم في المقال الثالث والأخير من هذه السلسلة من المقالات بنقاشٍ موجز لكلٍ من المراحل التي مرّ بها المشروع منذ إنشائه وحتى اليوم، وسمات كل مرحلة. وسوف يحدد المقال القضايا الأساسية التي تحتاج إلى المواجهة والعلاج لكي يصبح المشروعُ سلّةَ غذاءِ السودان، بعد أن تمّ إنهاء دوره كواحدٍ من أكبرِ وأنجحِ مزارعِ القطنِ في العالم.
    Salmanmasalman@gmail.com

عن د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شاهد أيضاً

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (9)

قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)د. سلمان محمد أحمد سلمان*1تابعنا في المقالات الثمانية …