aminoo.1961@gmail.com
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
حينما أُنشئ مشروع الجزيرة في ظل الحكم الاستعماري، لم يكن مجرد مشروع زراعي، بل فكرة استعمارية محسوبة بدقة، غايتها تحقيق قيمة اقتصادية كبرى لصالح المستعمر. وقد أدرك المستعمر، منذ الوهلة الأولى، أن نجاح أي مشروع بهذا الحجم يتطلب تجاوز العوائق الاجتماعية والنزاعات المحتملة حول الأرض، خاصة وهو يعلم علم اليقين أن هذه الأرض ليست ملكًا له، وأن الدفاع عن الأرض والعِرض يمثلان من المقدسات الراسخة في وجدان الإنسان السوداني.
كما كان المستعمر في حاجة ماسة إلى الأيدي العاملة المحلية القادرة على فلاحة الأرض واستصلاحها، ضمن مشروعه الرامي إلى إدخال المجتمع المحلي في نمط الحياة المدنية الحديثة. لذلك، لجأ إلى معالجة مسألة الأرض بحكمة سياسية وقانونية، فاحتفظ لمُلّاك الأرض بحقهم في ملكيتها، وفي الوقت ذاته سنّ تشريعات تمكّنه من الانتفاع بهذه الأراضي، واستصلاحها، وشق قنوات الري عليها، دون الدخول في صدامات تعيق قيام المشروع أو تؤخره.
وبموجب هذا الترتيب، قُسِّمت الأراضي إلى حواشات، ومُنح إنسان المنطقة حق فلاحتها واستغلالها، مقابل التزام المستعمر بدفع أجرة محددة ولمدة معلومة لمُلّاك الأرض التي سجلها باسمائهم كملكية حرة. وقد نجحت هذه السياسة في خلق قدرٍ كبير من الاستقرار، وأسهمت في إعمار الأرض وتنميتها، بما يتسق مع الاستراتيجية الاقتصادية للمستعمر آنذاك. واستمر هذا الوضع مستقرًا طوال فترة الحكم الاستعماري.
غير أن الأمر بدأ في التدهور في ظل الحكومات الوطنية المتعاقبة، التي تلكأت في سداد الأجرة المستحقة لمُلّاك الأراضي. ومع مرور الوقت، تفاقمت الأزمة، وأصبح المُلّاك أكثر تشبثًا بحقوقهم القانونية والتاريخية في أراضيهم، في ظل استمرار الانتفاع بالأرض دون مقابل عادل. وقد تطور هذا النزاع المشروع إلى مرحلة المطالبة بتسليم الأرض، وهو مطلب يعني – من الناحية العملية – إنهاء فكرة مشروع الجزيرة ذاتها، وتفتيته، بل وإلغاء وجوده ككيان اقتصادي متكامل.
وفي خضم هذا الصراع، طُرحت إلى السطح فكرة استثمارية جديدة، تدعو إلى بيع الأرض لجهات مالية تمتلك القدرة على الشراء، وتحويل ملكيتها إلى ملكية حرة، بما يتيح لتلك الجهات الدخول كمالكين لهذه المساحات الواسعة، وإبرام اتفاقات استثمارية تحقق لها أقصى عائد ممكن، مستفيدة من البنية التحتية القائمة، وعلى رأسها قنوات الري.
غير أن جوهر المسألة يظل صراعًا بين مصلحة الجماعة والمصلحة الخاصة، بين الكيان القومي للمشروع وحقوق أقلية من أصحاب رؤوس الأموال، وبين حق مُلّاك الأرض التاريخي في مواجهة منطق السوق المجرد.
وانطلاقًا من ذلك، ذهبتُ في مقالي السابق إلى أن المصلحة الفضلى تقتضي المحافظة على مشروع الجزيرة ككيان اقتصادي قومي، مع مراعاة الحقوق التاريخية والقانونية لمُلّاك الأراضي. ويتطلب ذلك من الدولة سنّ تشريع خاص يجمع هؤلاء المُلّاك وينظم وجودهم التاريخي داخل المشروع، ويحفظ حقوقهم العينية في الأرض.
فإن الملكية العينية لمُلّاك الأرض يمكن أن تشكّل أساسًا قويًا لإنشاء شركة مساهمة خاصة، يكون المُلّاك شركاء أصيلين فيها، بما يتيح لهم الدخول والانسجام في مجلس إدارة المشروع عبر إدارة منتخبة تمثلهم. على أن تكون الأجرة العادلة أو العائد العادل هي الأساس الذي يبقيهم في أرضهم، كما هي، مع تجنيب جزء من العائد لهم من الأجرة لإقامة مشروعات أخرى تدر عليهم داخل الأرض أو خارجها عائدًا إضافيًا.
وفي حال تعذر ذلك، فإن على الدولة – بوصفها الحارس الأخير للمصلحة العامة – أن تفكر جديًا في أن تكون ملكية الأرض داخل مشروع الجزيرة ملكية عامة لحكومة السودان، لا لأي جهة أخرى بديلة عنها، على أن يتم جبر ضرر مُلّاك الأراضي وتعويضهم تعويضًا عادلاً ومنصفًا. وبذلك يظل مشروع الجزيرة مشروعًا قوميًّا، مملوكًا ملكية عامة، ومحميًّا من التفتيت، وقادرًا على أداء دوره التاريخي في الاقتصاد الوطني.
فالقضية، في جوهرها، ليست مجرد أرض أو استثمار، بل هي سؤال عن العدالة، والذاكرة، والمصلحة العامة، ودور الدولة في حفظ التوازن بين الحقوق الخاصة والكيانات القومية
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم