مشروع الجزيرة: خط أحمر .. أو لا وطن

مختار العوض موسى
mokhtaralawad@gmail.com

الحديث عن مشروع الجزيرة ذو شجون؛ إنه حكاية وطن تفكّك «حتّة حتّة» و«شتلة شتلة». بعد أن كان نابضًا بالحياة، صار أرضًا يبابًا جدباء، وجثة هامدة بلا روح. كان رمزًا للعمل الجماعي المتفاني، والتخطيط الاستراتيجي الدقيق، والانضباط المحكم؛ فإذا به اليوم في «خبر كان». تحوّل إلى أرض مهملة ومدمّرة، بإدارة غائبة، ومزارع مُرهق وفقير، يعجز عن تأمين لقمة تسد رمق جوعه وجوع أبنائه.
يعيش المزارع في بيئة غير صحية، تنتشر فيها الملاريا والتايفوئيد، دون قدرة على تأمين الدواء، فيُسكّن أوجاعه بـ«البندول»، بينما قنوات الري مسدودة بالحشائش والطمي، والمشروع فشل فشلًا ذريعًا في إنتاج المحاصيل. والمسؤول عن ذلك أيادٍ عبثية خفية، عاثت فيه فسادًا مع سبق الإصرار والترصد؛ لم تقتله بطعنة واحدة، بل بسلسلة طعنات قاتلة، أودت بحياته. جرى إتلافه مؤسسيًا وبقصدٍ معلن، بذريعة إصلاحه.
أصبح المزارع بلا حماية، تُرك وحيدًا يواجه مصيره المحتوم؛ ديونٌ تكبّله وتثقل كاهله، وتهديدٌ ببيع أراضيه الزراعية وكأنها غنائم حرب. بعد أن كان المشروع سلة غذاء السودان والإقليم، يُطعم الجوعى ويدعم اقتصاد الوطن، صار شاهدًا حيًا على خيانة تخريبه بصمت، ودون ضجيج، وفي وضح النهار.
لقد ارتكب القائمون على إدارة المشروع خطأً تاريخيًا حين تعاملوا معه وكأنه ملكٌ خاص، متناسين أنه منظومة سيادية متكاملة: أرض، إنسان، صناعة، ماء، وأمن غذائي. لم يدركوا أهميته كمشروع قومي استراتيجي، ومضخة للعملة الصعبة، ومختبر وطني للتحديث والتطوير الزراعي.
إن المشروع الذي طاله هذا التخريب الممنهج، يحتاج إلى استراتيجية إصلاحية طموحة، تبدأ بالاعتراف بالفشل، لا تجميله، وبمراجعة منظومة الري التي تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية. ثم الانتقال إلى عصف ذهني وطني شامل، يُفضي إلى إصدار قانون خاص يحصّنه من التدخلات الرسمية المضرّة، خصوصًا أن وزارة المالية أوضحت في بيانٍ حديث أن المشروع لا يقع ضمن المؤسسات الحكومية الزراعية، وتؤكد استقلاليته التامة وعدم تبعيته المالية لها. كما ينص قانونه لسنة 2005م (تعديل 2014م) على أنه مشروع قومي اقتصادي-اجتماعي ذو شخصية اعتبارية مستقلة إداريًا وماليًا وفنيًا.
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا هذه التدخلات الحكومية السافرة التي تضرّ به؟
اتركوا أصحاب الأرض – المزارعين – ينهضون به.
وفّروا لهم الدعم والتسهيلات للفلاحة، بتطبيق الري بالرش المحوري، والاستفادة من تجربة هولندا في إدارة المياه بوصفها «ثروة نادرة»، والانتقال من الري التقليدي إلى الري الذكي، لتقليل الفاقد وتوجيهه لزراعة محاصيل أخرى تدعم اقتصاد الوطن. كل ذلك ضمن حوكمة دقيقة، لا تترك الأمر للعشوائية أو التدخلات السياسية.
ينبغي الاستثمار في المحاصيل الاستراتيجية: القمح، الأعلاف، الزيوت النباتية، برؤية طويلة الأجل، والاستفادة من التقانة الزراعية الحديثة، وبناء صوامع ومخازن استراتيجية وسلاسل إمداد، واستخدام أحدث آليات الميكنة، وتوجيه خام المنتجات الزراعية إلى الصناعات التحويلية.
إن نهضة مشروع الجزيرة ليست أمنية مزارعين أُنهكوا حتى اليأس، بل معركة سيادة وطنية لا تقل شأنًا عن معركة الكرامة. وإذا لم تُدار برؤية قومية شاملة، فلن تقوم لها قائمة.
سيظل هذا المشروع حيًا، وستعود إليه الروح؛ فالأرض موجودة، والإنسان موجود، والذاكرة لم تمت. ما نحتاجه ليس إصلاح ما تدمر فحسب، بل صناعة إرادة صادقة، تؤمن بالعدالة، وإدارة تعترف بالجريمة قبل أن تتحدث عن الإنقاذ. لا بد من محاسبة كل الأيادي الخفية التي ما زالت تعبث بالمشروع، بكل شفافية، ورصد كل التعديات والقرارات الظالمة التي كانت سببًا في تدميره.
الدفاع عن المشروع واجب، ليبقى دائمًا لأهله كما كان، وكما يجب أن يكون.
فلنتذكر: نهضته لا تبدأ بالجرار ولا بالتمويل فقط، بل بقرار سيادي شجاع نصّه:
«مشروع الجزيرة خط أحمر… يُدار بعقل الإدارة الاستراتيجية، لا بهوى السياسة».
يمكن الارتكاز على تاريخه وإمكاناته الهائلة لتطويره، عبر حزمة حلول استراتيجية متكاملة، تركّز على:
إصلاح الإدارة والحوكمة المهنية المستقلة.
تمثيل حقيقي للمزارعين في اتخاذ القرار.
محاربة الفساد بشفافية كاملة.
إعادة تأهيل البنية التحتية وقنوات الري (تطهير، تبطين في المناطق الحرجة).
تحسين الطرق الداخلية.
توفير تمويل زراعي مبكر وبشروط ميسّرة، وربطه بالإنتاج لا بالضمانات فقط.
إنشاء صناديق تأمين زراعي ضد المخاطر.
إدخال تقاوي محسّنة ومجرّبة محليًا.
استخدام التقنيات الرقمية في التنبؤات الجوية وجدولة الري والأسعار.
تنويع التركيبة المحصولية والتوسع في محاصيل أعلى عائدًا.
ضمان سعر تركيزي عادل قبل الزراعة.
الاهتمام بالتصنيع الزراعي وتقليل تصدير الخام.
ربط المشروع بهيئة البحوث الزراعية والجامعات.
إذا اجتمع القرار السيادي، مع الشراكة الذكية، والكفاءة الوطنية، وإدارة الماء بعقلٍ هولندي وروحٍ سودانية، فإن مشروع الجزيرة لن ينهض فقط… بل سيُعيد تعريف السودان نفسه.
المشروع لا يحتاج معجزة؛
بل إدارة نزيهة، وتمويلًا عادلًا، وتقنية مناسبة، واحترامًا للمزارع.
ومتى ما توفّر ذلك، سيعود أقوى مما كان.
والله من وراء القصد.

عن مختار العوض موشى

مختار العوض موشى

شاهد أيضاً

حواء السودانية والدة .. لا نحتاج لاستنساخ دهاقنة السياسة القدامى

مختار العوض موسىفي جلسة لاحتساء القهوة بمقهى في ليلة رمضانية بالرياض؛ بادرني صديقي بالسؤال: عدم …