باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 1 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تقارير

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل: قراءةٌ في التاريخِ والتطوّرات والنتائج

اخر تحديث: 1 يونيو, 2026 9:17 مساءً
شارك

كل المقالات التي تم نشرها من قبل بالتتابع في صحيفة سودانايل

د. سلمان محمد أحمد سلمان
يونيو 2026
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّرات والنتائج (1 – 12)
1
هذا هو المقال الأول في السلسلة الثالثة من مجموعة مقالاتٍ عن قضية وانفصال جنوب السودان. تناولت السلسلة الأولى، والتي تكوّنت من خمس مقالات، إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق – كيف تمّ التوصّل إلى كلٍ منهما، وكيف تم وأدهما.
وناقشنا في السلسلة الثانية، والتي تكوّنت من ثلاث مقالات، إعلان فرانكفورت الذي منح بموجبه إسلاميو حكومة الإنقاذ، لأولِّ مرةٍ في تاريخ السودان، شعبَ جنوبِ السودان حقَّ تقرير المصير، رغم رفض الإسلاميين قبل سنواتٍ قليلة لإعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق.
سوف نتناول في هذه السلسلة من المقالات مطلب جنوب السودان للنظام الفيدرالي منذ السنوات التي سبقتْ الاستقلال، وعبر مراحل الحكم المدني والعسكري التي تعاقبت على السودان منذ ذلك الوقت وحتى تاريخ انفصال جنوب السودان. وسوف نشرح كيف قامت الأحزابُ السياسية الشمالية، وحكوماتها، وحكومات الأنظمة العسكرية المتعاقبة في الخرطوم، بالرفض التام لهذا المطلب.
وسنناقش كيف قاد ذلك الرفض المتواصل والقاطع إلى ارتفاع سقف مطالب الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية، ليصلَ إلى حق تقرير المصير الذي تم انتزاعه وتفعيله في سلاسةٍ وحنكةٍ بالغتين (كما سنناقش بالتفصيل في سلسلة المقالات القادمة)، وقاد إلى انفصال جنوب السودان.
2
كانت كلمة الأب سترنينو لوهوري، النائب عن الدائرة 80 توريت – لاتوكا بالمديرية الإستوائية بجنوب السودان، ورئيس كتلة الأعضاء الجنوبيين، أمام البرلمان السوداني بالخرطوم في يوم الخميس 19 يونيو عام 1958 واضحةً ومتوازنةً في تصوّرها للعلاقة بين شمال وجنوب السودان.
فقد تحدّث الأب لوهوري بإسهابٍ عن التباينات والخلافات الثقافية والعرقية والدينية واللغوية بين طرفي البلاد، وأعمال لجنة الدستور التي كان قد تمّ اختياره عضواً فيها. وطرح في تلك الكلمة بوضوحٍ وبمنطقٍ متكاملٍ موقف ومطالب السودانيين الجنوبيين السياسية التي تمثّلت في إدارة الجنوب شئونه بنفسه تحت مظلة النظام الفيدرالي.
نقتبس الفقرات التالية من تلك الكلمة الوطنية الوحدوية التاريخية المُميّزة:
3
“إن الجنوب لا يكِنُّ أبداً نوايا سيّئة نحو الشمال. إن الجنوب يطالب فقط بإدارة شئونه المحلية في إطار السودان المُوحّد، كما أنه ليست لدى الجنوب نيّةٌ للانفصال عن الشمال لإنه لو كان ذلك هو الحال فليس هناك قوّةٌ على الأرض تستطيع منع الجنوب من المطالبة بالانفصال.
فالجنوب يطالب بإقامة علاقةٍ فيدراليةٍ مع الشمال، وهذا بلا ريب حقٌ يستحقه الجنوب بمقتضى حقِّ تقرير المصير الذي يمنحه المنطق والديمقراطية للشعب الحر. وسينفصلُ الجنوبُ في أيِّ وقتٍ، بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة، متى أراد الشمالُ ذلك من خلال سيطرة الشمال على الجنوب سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.”
4
كانت تلك الكلمة الرصينة المميّزة تعبيراً حقيقياً عن رغبة جُلِّ، إن لم نقل كلِّ شعب جنوب السودان في ذلك الوقت، في البقاء تحت سماءِ ومظلّةِ وطنٍ واحدٍ، تنظّم الفيدرالية أموره السياسية والاجتماعية والاقتصادية. شملت الكلمة لفتَ نظرٍ حادٍ، لكنه مهذبٌ، ونبوأةً من رجل دينٍ تحقّقت بعد نصف قرنٍ الزمان، بسبب تجاهل الساسة الشماليين ورفضهم المتواصل لما ورد في تلك الكلمة التاريخية – مطلب الفيدرالية.
لم تكن تلك المرّةَ الأولى التي يثير فيها الساسة الجنوبيون مطلب الفيدرالية، ولم تكن الأخيرة. لكننا اخترنا أن نفتتح بتلك الكلمة التاريخية هذه السلسلة من المقالات عن مطلب الفيدرالية لأنها كانت ملخصاً وافياً لما سبقها، وأيضاً لما تبعها، من خطبٍ ومقالاتٍ وكتبٍ وقراراتِ مؤتمراتٍ لمطلب الفيدرالية من أبناء جنوب السودان.
5
كان مؤتمر جوبا الذي انعقد يومي 12 و 13 يونيو عام 1947 الماطرين أولَ لقاءٍ لمجموعةٍ من أبناء شمال وجنوب السودان يتمّ في نِدِّيةٍ، وفي جوٍّ وُدّيٍ وطنيٍ. كان الغرض من المؤتمر مناقشة العلاقات المستقبلية بين شطري البلاد. فقد كان قانون المناطق المقفولة لعام 1922، ومذكرة السكرتير الإداري تحت عنوان “سياسة الجنوب” والتي صدرت عام 1930، قد أغلقتا مديريات جنوب السودان الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية) أمام السودانيين الشماليين، تجاراً وموظفين وعسكريين ودعاةً إسلاميين وزوار. برّرت الإدارة البريطانية ذلك الإجراء بوقف تجارة الرقيق.
وكانت الإدارة البريطانية قد أنشأت عام 1910 “قوة دفاع الجنوب” وهي فرقةٌ عسكريةٌ تكوّنت فقط من أبناء جنوب السودان للمساعدة في حفظ الأمن هناك. ثم أعلنت الإدارة البريطانية اللغة الإنجليزية لغة العمل والتخاطب في الجنوب، ويوم الأحد العطلة الرسمية لمكاتب الدولة والمدارس التي كانت البعثات التبشيرية المسيحية قد بدأت في إنشائها في جنوب السودان.
تواصلت سياسة عزل الجنوب عن الشمال تلك في بداية أربعينيات القرن الماضي. فقد قرّر السير دوغلاس نيوبولد، السكرتير الإداري في السودان، تشكيل مجلس استشاري لشمال السودان فقط، برئاسة الحاكم العام البريطاني للسودان، تمّ افتتاحه في 16 مارس عام 1943. وقد تمّ استبعاد جنوب السودان تماماً من التمثيل فيه.
6
لكن مستقبل العلاقات بين شمال وجنوب السودن كان موضعَ نقاشٍ في ذلك الوقت بين الإداريين البريطانيين في مديريات الجنوب الثلاثة والحاكم العام وسكرتارييه الثلاثة (المالي والقانوني والإداري)، وتمخّض النقاش عن ثلاث مقترحاتٍ هي: الوحدة مع الشمال، إلحاق جنوب السودان باتحاد دول شرق أفريقيا (كينيا ويوغندا وتنجانيقا)، وضمّ أجزاءٍ من جنوب السودان إلى شماله، والأجزء الأخرى إلى اتحاد دول شرق أفريقيا.
ويبدو أن الإداريين البريطانيين في دول شرق أفريقيا لم يكونوا متحمّسين لإلحاق جنوب السودان أو أي جزءٍ منه باتحادهم لأنهم رأوا الكثير من المعوّقات لهذا المُقترح، منها مساحة جنوب السودان الواسعة، وصعوبة الترحال والتنقّل داخله بسبب المستنقعات والغابات ووعورة الطرق، بالإضافة إلى الخلافات القبلية واللغوية بين سكانه.
ومن الملاحظ أن مقترح قيام دولة منفصلة لجنوب السودان لم يكن أحد خيارات الإدارة البريطانية في الخرطوم أو في جنوب السودان. ويبدو أنه كان هناك اقتناعٌ بين حكام المديريات الجنوبية الثلاثة بأن المعوّقات المذكورة أعلاه لن تساعد على قيام دولةٍ متماسكةٍ وقابلةٍ للاستمرار.
وقد أشار بعض الكُتّاب إلى أن أحد الأسباب التي حالت دون تفكير الإدارة البريطانية في إنشاء دولةٍ منفصلةٍ لجنوب السودان هو صعوبة تحديد ورسم الحدود بين شمال وجنوب السودان.
7
عليه فقد بات واضحاً للإداريين البريطانيين في السودان في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي أن سنوات حكمهم في السودان قد أصبحت معدودةً، وأن عليهم حسم مسألة علاقة جنوب السودان بشماله على وجه السرعة، وقبل أن يبدأوا في إجراءات حزم حقائبهم استعداداً للمغادرة.
وقد ساهمت الضغوط التي مارسها المتعلمون السودانيون الشماليون، سواءٌ من خلال مذكرات مؤتمر الخريجين أو حتى من داخل المجلس الاستشاري لشمال السودان نفسه، واستفسارات الحكومة البريطانية المتلاحقة من لندن، في ضرورة الالتفات إلى هذه القضية الجوهرية، والإسراع في حسمها.
لهذه الأسباب فقد أصبحت مسألة مستقبل جنوب السودان الأولى في قائمة الأسبقيات المُلِحةّ للإداريين البريطانيين في الخرطوم في منتصف الأربعينيات. ومن هنا جاءت فكرة مؤتمر جوبا بين ممثلين من شمال السودان وجنوبه.
لكن كان واضحاً أيضاً أن الإدارة البريطانية في السودان قد خلصت في ذلك الوقت إلى ضرورة ربط الجنوب بالشمال، بصورةٍ أو أخرى، كما ورد في بعض مكاتبات الإداريين البريطانيين وتقاريرهم في عامي 1946 و 1947، وكما أوضح السكرتير الإداري وقتها السيد جيمس روبرتسون حين ذكر أنه كان قد اتخذ قرار ربط الجنوب بالشمال قبل انعقاد مؤتمر جوبا. عليه فقد كان الغرض الرئيسي من مؤتمر جوبا هو تأكيد ذلك القرار بواسطة الشماليين والجنوبيين أنفسهم، والاتفاق على خارطة طريقٍ لتنفيذه.
8
ترأس السيد جيمس روبرتسون، السكرتير الإداري، مؤتمر جوبا، وحضره أيضاً حكّامُ المديريات الجنوبية الثلاثة، واثنان من موظفي الإدارة البريطانية في الخرطوم. وشارك فيه من الشماليين السادة القاضي محمد صالح الشنقيطي، إبراهيم بدري، حسن عثمان، حبيب عبد الله، وسرور محمد رملي.
وقد مثّل الجنوب سبعة عشر عضواً أغلبهم من السلاطين مع مجموعةٍ صغيرةٍ من الموظفين الجنوبيين. وكان من الشخصيات الجنوبية المعروفة التي شاركت في المؤتمر السادة فيلمون ماجوك، كلمنت أمبورو، بوث ديو، سرسيو ايرو، ادوارد أدوك، جيمس طمبرة، والسلطان لوليك لادو.
وقد لعب السيد محمد صالح الشنقيطي دوراً محورياً في المؤتمر وبذل جهداً كبيراً في شرح وإقناع القادة الجنوبيين بمزايا الوحدة بين شطري البلاد، متحدّثاً عن قطرٍ موحّدٍ قويٍ بإمكانياتٍ بشرية ومادية معتبرة. وأكّد السيد الشنقيطي مبادئ الأخوّة والاحترام في السودان الموحّد بين كل السودانيين في شطري البلاد، في إشارةٍ واضحةٍ إلى ضرورة نسيان وتجاوز الماضي التعيس الذي سادت فيه تجارة الرقيق والاستعباد والحروب. كما وعد أبناء الجنوب في المساواة في الأجر والعمل، وفي التمثيل المنصف في ملء الوظائف التي ستخلو برحيل المستعمر.
9
ساد التردّد أوساط الأعضاء الجنوبيين في اليوم الأول للمؤتمر وركّزوا في كلماتهم على الماضي وما يحمله من مراراتٍ خلّفتها تجارة الرقيق والحروب التي تواصلت لقرون، وعلى التباين الثقافي والديني واللغوي والعرقي واختلاف العادات والتقاليد بين شعبي شطري البلاد.
وقد انعكس ذلك التردّد وضرورة توخّي الحذر في كلمة السلطان لوليك لادو، أحد القادة الجنوبيين في المؤتمر، والتي شبّه فيها العلاقة المُقترحة بين الشمال والجنوب بعلاقة الزواج، وأوضح أن الطرفين يحتاجان لبعض الوقت للتعرّف على بعض قبل أن يتمَّ الزواج.
تغيّر الموقف تدريجياً في اليوم الثاني للمؤتمر، ووافق الأعضاء الجنوبيون على المشاركة في الجمعية التشريعية القادمة، وعلى فتح الحدود وما يتبع ذلك من السماح بالتنقّل غير المشروط للسودانيين بين شطري البلاد، وضرورة احترام خصوصية الجنوب وتبايناته. وقد لعب السيد كلمنت أمبورو دوراً محوريا وسط الوفد الجنوبي، وقام بإقناع أعضاء الوفد بالموافقة على هذه التغيّر.
10
أثارت قرارات المؤتمر الكثير من الجدل بين الأكاديميين والسياسيين السودانيين. فقد قرأها وفسرّها الكثير من الشماليين على أنها استفتاءٌ وقبولٌ واضحٌ وغير مشروطٍ من الجنوبيين بالوحدة بين الشمال والجنوب. بل إن بعض الأكاديميين والسياسيين الشماليين ظلوا يكرّرون أن الجنوبيين مارسوا حق تقرير المصير عام 1947 واختاروا الوحدة.
من الجانب الآخر اعتبر الكثير من الجنوبيين نتائج المؤتمر على أنها كانت فقط فرصةً جديدة للشمال لإبراز حسن النية تجاه الجنوب، وجعل خيار الوحدة جاذباً في المستقبل، كما ورد في كلمات السلطان لوليك لادو.
بل إن بعض الأكاديميين الجنوبيين قرأوا ما أثاره بعض السلاطين في المؤتمر من تبايناتٍ وخلافاتٍ في العادات والتقاليد والدين والعرق والثقافة بأنه كان دعوةً لقيام نظامٍ فيدرالي بين شطري البلاد يحفظ ويحترم هذه التباينات. وأشاروا في هذا المضمار إلى بعض مكاتبات الإداريين البريطانيين أنفسهم التي تضمّنت إشارةً إلى مقترح الفيدرالية.
11
غير أن مطلب النظام الفيدرالي برز وتمّ عرضه بوضوحٍ في الجمعية التشريعية التي تم انتخابها عام 1948، بعد حوالي العام من مؤتمر جوبا. كان الجنوب قد تم تمثيله بثلاثة عشر نائباً في الجمعية التشريعية، ترأسهم السيد بنجامين لوكي الذي أصبح المتحدث الرسمي باسم الفيدرالية لجنوب السودان.
فقد طالب النواب الجنوبيون في الجمعية مناقشة والاتفاق على مسألة النظام الفيدرالي لجنوب السودان كأحد أسبقيات برنامج عمل الجمعية. غير أن النواب الشماليين رأوا ضرورة تركيز النقاش والجهد في ذلك الوقت على مسألة تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر.
وافق النواب الجنوبيون على مقترح النواب الشماليين. غير أنهم ربطوا موافقتهم على مطلب حق تقرير المصير للشمال في علاقته بمصر على موافقة الأعضاء الشماليين على إقامة نظام فيدرالي بين شطري القطر. لكن نقاش الجمعية التشريعية تواصل وانحصر في مسألة تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر، والذي كان الموضوع الأكثر أهميةً بالنسبة لنواب الشمال.
12
وسوف نلاحظ هذا المنحى مرّةً ثانيةً في قرار البرلمان في 19 ديسمبر عام 1955، والذي نجح فيه الأعضاء الجنوبيون في الربط بين موافقتهم على إعلان الاستقلال من داخل البرلمان، وإقامة نظامٍ فيدراليٍ بين الشمال والجنوب، كما سنناقش في مقالٍ قادم.
وهكذا نجح النواب الشماليون في الجمعية التشريعية في تجميد النقاش في مطلب النواب الجنوبيين لنظامٍ فيدرالي بين الشمال والجنوب. كما نجحوا أيضاً في تجميد مطلب الجنوبيين لإنشاء وزارة لشئون الجنوب التي كان النواب الجنوبيون قد طالبوا بها.
13
بالتوازي مع عمل الجمعية التشريعية فقد تشكّلت لجنة الدستور برئاسة القاضي ستانلي بيكر في شهر مارس عام 1951. وكان السيد بوث ديو هو العضو الجنوبي الوحيد من ضمن أعضائها البالغ عددهم ثمانية عشر عضواً. وباستثناء السيدين ستانلي بيكر وبوث ديو فقد كان أعضاء اللجنة كلهم شماليين. وقد كانت مهمة اللجنة وضع مسوّدة دستورٍ انتقاليٍ يُحكمُ به السودان خلال الفترة الانتقالية التي تنتهي بتقرير المصير.
وقد أثار السيد بوث ديو مسألة النظام الفيدرالي بين الشمال والجنوب داخل هذه اللجنة أيضاً، وطالب بتضمينه صراحةً في الدستور المرتقب.
لكن اللجنة رفضت رفضاً تاماً مناقشة هذا المقترح. ودفع هذا الرفض السيد بوث ديو إلى مقاطعة أعمال اللجنة، ثم الانسحاب منها. وتواصلت أعمال اللجنة بدون تمثيلٍ لجنوب السودان. وكان ذلك وضعاً مُحبِطاً للنواب الجنوبيين.
وكما سنناقش في المقالات القادمة، فقد تكرّرت سابقة انسحاب الأعضاء الجنوبيين من لجنتي الدستور في عامي 1958 و 1968 احتجاجاً، في المرتين، على رفض مقترح تضمين الفيدرالية لجنوب السودان في الدستور، وأيضاً على مسوّدة الدستور الإسلامي التي صاغتها كلٌ من اللجنتين.
14
بينما كانت الجمعية التشريعية تناقش مسألة تقرير المصير للسودان والعلاقة مع مصر قام الضباط الأحرار في القاهرة بالاستيلاء على السلطة وإعلان الثورة المصرية في 23 يوليو عام 1952. وجدت الأحزاب السودانية ضالتها المنشودة في التحوّل المفاجئ للموقف المصري المؤيّد لمطلب السودان لتقرير المصير، والذي تبنّاه مجلس قيادة الثورة المصري بقيادة اللواء محمد نجيب.
تبلور الموقف المصري الجديد ونظّمت الأحزاب السودانية الشمالية نفسها وبدأت المباحثات بين الوفدين المصري والسوداني في نهاية عام 1952، وانتهت بتوقيع اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير في 12 فبراير عام 1953. وفي 21 مارس عام 1953 صدر قانون الحكم الذاتي كأوّلِ دستورٍ للسودان.
15
غير أن الأحزاب الشمالية لم تُشرك أيّاً من أبناء الجنوب في محادثات القاهرة التي بدأت بعد قيام الثورة المصرية واستمرت، بصورةٍ متقطّعة، حتى شهر فبراير عام 1953. ولم تتم حتى دعوة ممثلين للقادة الجنوبيين لحضور مراسم توقيع اتفاقية تقرير المصير في 12 فبراير عام 1953.
وكما ذكرنا أعلاه، فقد صدر قانون الحكم الذاتي كأول دستورٍ للسودان في 21 مارس عام 1953، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير، ولم تكن هناك مشاركةٌ لأيٍّ من الأحزاب أو الأفراد من جنوب السودان.
في حقيقة الأمر فقد كانت الوفود التي ذهبت للتفاوض في القاهرة كلها من الأحزاب والمتعلمين الشماليين مُعطيةً الانطباع بأن مسألة تقرير المصير ومستقبل السودان أمراً شمالياً بحتاً، ولا دخل لأبناء الجنوب فيه.
16
زاد هذا التجاهل والاستخفاف من غبن القادة الجنوبيين، وترجموه على أنه انعكاسٌ لعدم جدّية الشماليين في التعامل معهم. وقد ساهمت هذه التطوّرات في تقوية عزيمة السياسيين الجنوبيين على المضي قدماً في مطلب الفيدرالية الذي ذكّروا الشماليين أنهم ظلوا ينادون به منذ مؤتمر جوبا في يونيو عام 1947.
وقد وثّق أبناء الجنوب احتجاجهم على تجاهلهم في محادثات القاهرة بمجموعةٍ من المذكرات تمّ إرسالها بواسطة عددٍ من المنظمات الجنوبية إلى الحاكم العام وقادة الأحزاب الشمالية.
17
زاد غبنَ القادة الجنوبيين حقيقةُ أن الساسة الشماليين نجحوا في انتزاع حق تقرير المصير للسودان من مصر، ووثّقوا ذلك في الاتفاقية مع مصر وفي قانون الحكم الذاتي، بينما فشلوا هم في انتزاع الفيدرالية من الشماليين، رغم اعتقادهم أنهم نجحوا في اجتماعات الجمعية التشريعية في الربط بين الاثنين.
وجاء قانون الحكم الذاتي لعام 1953 خالياً من أيّ نصوصٍ تُعطي جنوب السودان أي وضعٍ خاص، دعك من نظام الحكم الفيدرالي. وقد حُذِفتْ المادة 100 من مشروع القانون والتي كانت قد أعطت الحاكم العام صلاحياتٍ خاصةٍ تتعلّق بالجنوب، شملت ضمان معاملة المديريات الجنوبية الثلاثة معاملةً منصفةً.
وقد حلّت محلَ هذه المادة فقرةٌ فضفاضةٌ تعطي الحاكم العام مسئولية خاصة لضمان المعاملة المنصفة لكل مديريات السودان. وقد أثار حذف هذه المادة والاستعاضة عنها بهذه الفقرة غضب وإحباط الجنوبيين.
وكان كل ما اشتمل عليه قانون الحكم الذاتي فيما يخصّ جنوب السودان هو منح أبناء الجنوب مقعدين في مجلس الوزراء. وحتى هذا النصّ لم يتم الالتزام به، كما سنناقش في المقال القادم.
 
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (2 – 12)
1
تعرّضنا في المقال السابق من هذه السلسلة من المقالات إلى تصاعد النقاش، في منتصف أربعينيات القرن الماضي، داخل أروقة الحكم الثنائي، حول مستقبل العلاقات بين شمال وجنوب السودان بعد مغادرة حكامه السودان. ذكرنا أنه رغم أن السلطات البريطانية قرّرت أن يظلَّ السودانُ موحّداً، إلا أنها قامت بالدعوة لمؤتمر جوبا الذي انعقد في شهر يونيو عام 1947، وحضره ممثلون للشمال والجنوب.
شرحنا الجدل في تفسير قرارات المؤتمر بين الشماليين الذين قرأوها كاتفاقٍ على الوحدة، بنما فسر أبناء الجنوب ما أثاره بعض السلاطين في المؤتمر من تبايناتٍ وخلافاتٍ في العادات والتقاليد والدين والعرق والثقافة بأنه كان دعوةً لقيام نظامٍ فيدرالي.
ناقشنا أيضاً إثارة مطلب الفيدرالية في الجمعية التشريعية وفي لحنة الدستور. كما أشرنا إلى التغيّرات التي تمّت في القاهرة بعد استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في 23 يوليو 1952، ومراسم توقيع اتفاقية تقرير المصير في 12 فبراير عام 1953. كما أشرنا إلى صدور قانون الحكم الذاتي في 21 مارس 1954 كأول دستورٍ للسودان، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير.
2
كما ذكرنا في المقال السابق، فقد خلى قانون الحكم الذاتي لعام 1953 من أيّ نصوصٍ تعطي جنوب السودان أي وضعٍ خاص، دعك من نظام الحكم الفيدرالي الذي ظلّ يطالب به منذ عام 1947. كما أن المادة 100 من مشروع القانون، والتي كانت قد منحت الحاكم العام صلاحيات خاصة تتعلّق بجنوب السودان، تم حذفها. وقد حلّت محل هذه المادة فقرةٌ فضفاضةٌ تعطي الحاكم العام مسئولية خاصة لضمان المعاملة المنصفة لكل مديريات السودان.
وقد كان كل ما اشتمل عليه قانون الحكم الذاتي فيما يخصُّ جنوب السودان هو منحهم مقعدين في مجلس الوزراء. غير أن هذا النصَّ نفسه لم يتم الالتزام به من الساسة الشماليين، كما سنناقش لاحقاً.
3
تضمّن قانون الحكم الذاتي إجراء انتخاباتٍ برلمانية لمجلسي النواب والشيوخ في كل أنحاء السودان. كما تضمّن تشكيل حكومةٍ وطنيةٍ تدير السودان خلال فترة الحكم الذاتي، مع بقاء بعض الصلاحيات الدستورية والإدارية في يد الحاكم العام الذي كان سيظل بريطانياً خلال فترة الحكم الذاتي.
بدأت الاستعدادات لانتخابات مجلسي النواب والشيوخ في شهر أبريل عام 1953، وبدأ الاقتراع في شهر نوفمبر من العام ذاته إثر انتهاء فترة الخريف في معظم أنحاء السودان، وتمّ إعلان النتائج في بداية شهر ديسمبر. أشرفت على الانتخابات لجنة دولية ترأسها القاضي سكومارسن من الهند.
تكوّن مجلس النواب من 97 مقعداً، خُصِّصتْ منها خمسة مقاعد للخريجين، و92 دائرة جغرافية، شملت 22 دائرة لمديريات الجنوب الثلاثة، منها سبع دوائر لمديرية بحر الغزال، وسبع دوائر أخرى للمديرية الإستوائية، وثماني دوائر لمديرية أعالي النيل.
فاز الحزب الوطني الاتحادي بواحدٍ وخمسين مقعداً، بما فيها ستة مقاعد في الجنوب، من المقاعد الكلية لمجلس النواب البالغة 97 مقعداً، وشكّل الحكومة لوحده في يناير عام 1954، وأصبح السيد إسماعيل الأزهري رئيساً للوزراء.
استعان حزب الأمة الذي أحرز 21 مقعداً فقط بالسيد محمد أحمد محجوب، والذي فاز كمستقلٍ في إحدى دوائر الخريجين الخمسة، ليكون زعيماً للمعارضة.
4
جرت الانتخابات في جنوب السودان في ال 22 دائرة المخصّصة للجنوب. شرع السيد بوث ديو، الذي فاز في الانتخابات في احدى دوائر المديرية الإستوائية، في جمع الجنوبيين الذين فازوا في الانتخابات تحت مظلّة حزب الجنوب الذي أنشأه عام 1951. وقد ارتكز برنامج هذا الحزب على إقامة نظامٍ فيدراليٍ بين الشمال والجنوب، وهو ما كان يطالب به السيد بوث ديو في الجمعية التشريعية عام 1948، ولجنة الدستور عام 1951.
وكان الحزب قد نجح في إحراز عشرة مقاعد في الدوائر التي خُصّصت للجنوب والبالغ عددها 22 دائرة في انتخابات الجمعية التشريعية، كما ذكرنا أعلاه. وفاز حزبٌ جنوبيٌ آخر سمّى نفسه بتحالف الجنوب السياسي بمقعدين وأعلن أربعةٌ من الفائزين أنهم مستقلون، وحاز الحزب الوطني الاتحادي على المقاعد الستة الباقية في جنوب السودان.
5
وقد أعاد قادة حزب الجنوب تنظيم أنفسهم وهم في الباخرة في طريقهم إلى الخرطوم بعد انتهاء الانتخابات، وسمّوا الحزب الجديد “حزب الجنوب الليبرالي” والذي عُرف اختصاراً باسم الحزب الليبرالي (وقد تمّت ترجمة الاسم إلى حزب الأحرار). وقد انضم النواب المستقلون ونواب حزب تحالف الجنوب السياسي إلى الحزب الليبرالي ليرتفع عدد نوابه في البرلمان إلى ستة عشر نائباً. وأكّد الحزب أن برنامجه يرتكز على النظام الفيدرالي لجنوب السودان.
6
أشارت المادة 14 من قانون الحكم الذاتي إلى تشكيل مجلس الوزراء من عشرة إلى خمسة عشر وزيراً، على أن يكون اثنان منهم على الأقل من جنوب السودان. قام السيد إسماعيل الأزهري بتعيين ثلاثة من نواب الجنوب الذين فازوا في الانتخابات، وهم السادة سانتينو دينق، وبولين ألير، وداك داي، كوزراء دولة بلا أعباء، وليس كوزراء، أو حتى كوزراء دولة لأيةٍ من الوزارات الخمسة عشر التي تمّ إنشاؤها. وكان ثلاثتهم قد انضموا للحزب الوطني الاتحادي وخاضوا الانتخابات وفازوا فيها تحت مظلّة وتمويل الحزب، ضمن نواب الحزب الستة الذين فازوا في الجنوب.
وهكذا نجح السيد إسماعيل الأزهري في استبعاد الحزب الليبرالي بنوابه الستة عشر من الحكومة لأنه كان ينادي بالفيدرالية. وعيّن السيد الأزهري ثلاث شخصيات جنوبية ارتبطت بالحزب الوطني الاتحادي، ولا علاقة لهم بالأحزاب الجنوبية، أو بمطلب الفيدرالية، بعد أن نجح في استمالتهم بأموال الانتخابات ووعود الوزارة.
ويبدو أن السيد الأزهري وقادة حزبه قد قرروا اتباع نظرية “فرّقْ تسُدْ” بين أبناء الجنوب. ولكن كما برهنت الأيام كانت تلك سياسةً قصيرة النظر، ساهمت كثيراً في نمو وتزايد الاحتقان السياسي بين جنوب وشمال السودان، كما سنوضّح لاحقاً.
7
أبدى الحزب الليبرالي، والذي أصبح الحزب الجنوبي الوحيد في الساحة السياسية السودانية، استياءه وإحباطه من تلك التعيينات، وأعلن أنها لا تُمثّل جنوب السودان ولا تلبّي مطالب وطموحات شعبه. واعتبر الحزب التعيينات استخفافاً كبيراً بالحزب الليبرالي الذي لم يجد السيد الأزهري من بين أعضائه الستة عشر الذين فازوا في الانتخابات من يعينه في مجلس وزرائه، وتقليلاً من قدر أبناء الجنوب الذين يمثلهم الحزب.
وقد سخر أعضاء الحزب الليبرالي من وظيفة “وزير دولة بلا أعباء”، وأشار الحزب إلى أن السيد الأزهري لم يجد من بين جميع أبناء الجنوب من يمكن تعيينه وزيراً كاملاً، أو حتى وزير دولة لإحدى الوزارات القائمة، وابتدع وظيفة وزير دولة بلا أعباء التي لايملك حاملها أيّة سلطاتٍ تنفيذية، ولم يسمع بها أحد من قبل.
رغم هذه الاحتجاجات فقد أشار السيد الأزهري أنه بهذه التعيينات قد زاد على ما تتطلّبه المادة 14 من قانون الحكم الذاتي فيما يختصّ بتعيينات أبناء الجنوب من وزيرين إلى ثلاثة وزراء. وكان السيد الأزهري قد رفض مقترح إنشاء وزارة تنمية الجنوب التي كان حزب الجنوب، ومن بعده الحزب الليبرالي، قد اقترحاها وطالبا بها.
تجدر الإشارة هنا إلى أن السيد الأزهري كان قد عيّن السيد ميرغني حمزة، أكبر منافسيه لقيادة الحزب الوطني الاتحادي، وزيراً لثلاث وزارات هي: الزراعة والري والمعارف (التربية والتعليم لاحقاً).
8
من المؤكّد أن مثل هذا الاستخفاف لم يكن لينتج عنه إلّا مزيدٌ من الغبن والاحتقان في العلاقات بين الجنوب والشمال. كما أن خلق الشقاق بين ساسة الجنوب، وشراء الذمم بواسطة الأحزاب الشمالية، ساهم في السنوات التي سبقت وتلت الاستقلال في مزيدٍ من الغضب والاحباط بين القيادات الجنوبية، وفي زرع بذور الانفصال في بعض قيادات الحزب الليبرالي، مكان الفيدرالية التي كانت وظلّت المطلب الرئيسي للساسة الجنوبيين خلال تلك السنوات.
9
وكأن استخفاف السيد الأزهري وحزبه بأبناء الجنوب لم يكن كافياً، فقد فرغت لجنة ملء الوظائف الحكومية التي أصبحت، أو كانت ستصبح، شاغرةً بمغادرة الإنجليز والمصريين الذين كانوا يشغلونها إثر قرب بزوغ فجر الاستقلال (والتي سُمّيت بلجنة السودنة) من أعمالها في شهر يوليو عام 1954. عيّنت اللجنةُ ستةً فقط من أبناء الجنوب في ما بين أكثر من 800 وظيفة تمّ استيعاب الشماليين فيها. وكانت أربعٌ من الوظائف الستّ تلك لمساعدي مفتش مركز، بينما كانت الاثنتان الباقيتان هما وظيفتي مأمور. كان واضحاً أيضا أن تلك الوظائف الستّ نفسها كانت قليلة الأعباء والمسئوليات.
أثار ذلك القرار غضباً شديداً في أوساط الجنوبيين الذين وعدهم السيد محمد صالح الشنقيطي في مؤتمر جوبا في يونيو عام 1947، قبل حوالي السبعة أعوام، بالمساواة مع إخوانهم في شمال السودان في كل شيء، بما في ذلك الوظائف والمرتبات. وها هم يرون وعود السيد الشنقيطي تذهب أدراج الرياح حتى قبل أن يجفَّ الحبرُ الذي كُتبتْ به.
10
فقد تمّت معاقبة الحزب الذي يمثل شعب الجنوب بستة عشر مقعداً بإبعاده كليةً من الوزارة لأنه ينادي بالفيدرالية. وتمّ تعيين ثلاثة جنوبيين لا يمثلون الجنوب وطموحاته في شيء، في مناصب بلا مسئوليات أو معنى. وبعد هذا كله جاءت نتائج السودنة التي أعطت أبناء الجنوب أقل من 1% من الوظائف مخيّبةً لآمالهم وتوقّعاتهم ولتصبّ الماء المالح على جرح نقض الوعود، وتعمّق الإحساس بالظلم والغبن، وتروي وتغذّي بذور التباعد بين أبناء شطري القطر.
وقد أثارت هذه التطوّرات المحبطة التساؤلات وسط بعض النواب الجنوبيين الذين ينادون بالفيدرالية بجدوى المطالبة بالفيدرالية.
11
بعد أسابيع قلائل من ظهور نتائج السودنة قرّر الحزب الليبرالي عقد مؤتمره العام في جوبا، وقام بدعوة كل أعضائه من سياسيين وموظفي دولة وزعماء قبليين للمؤتمر. لكن السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء رفض طلب الحزب بالسماح لموظفي الدولة من أبناء الجنوب بحضور المؤتمر بدعوى أن هذا مؤتمر سياسي ولا يحقّ للموظفين العمل بالسياسة.
كان غريباً أن يصدر مثل ذلك الرفض من السيد الأزهري الذي قضى جزءاً كبيراً من عمره في العمل السياسي ضد الإنجليز، خاصةً عندما كان موظفاً حكومياً تحت النظام الإنجليزي نفسه.
وقد حاول السيد الأزهري التقليل من أهمية المؤتمر واستباق نتائجه بإصداره مجموعةً من القرارات تعلّقت باستنكار التفرقة بين أبناء الشمال والجنوب، وقرّرت المساواة في الأجور بين الموظفين الجنوبيين والشماليين، وتحسين أجور الجنوبيين الذين كانوا يعملون في مشاريع الجنوب، والتي شملت مشروعي انزارا والزاندي.
غير أن قرارات السيد رئيس الوزراء لم تتعرّض لمسألة الفيدرالية، أو لمسألة قيام وزارة لتنمية الجنوب، أو حتى البدء في تمويل مشاريع تنمية في جنوب السودان، وكانت هذه إحدى الانتقادات الرئيسية لقرارات حكومة الأزهري تلك من منظمي المؤتمر.
12
تجاهل الحزب الليبرالي رفض السيد الأزهري للموظفين الجنوبيين بحضور اللقاء، وواصل تحضيره للمؤتمر الذي تمّ عقده في جوبا في الفترة من 18 أكتوبر حتى 21 أكتوبر عام 1954. وقد حضر المؤتمر أعضاء الحزب بمن فيهم موظفو الدولة، كما حضره أيضاً الجنوبيون الأعضاء بالحزب الوطني الاتحادي. انتخب الحاضرون السيد بنجامين لوكي رئيساً للمؤتمر، كما انتخبوا نائباً للرئيس وسكرتارية للمؤتمر.
ناقش الحضور مسألة تقرير المصير للسودان بين خياري الاستقلال والوحدة مع مصر، وصوّتوا بالإجماع لصالح الاستقلال.
13
انتقل الحضور بعد ذلك إلى نقاش المستقبل السياسي لجنوب السودان وتطرّقوا إلى فشل الخرطوم في تطبيق ما تمّ الاتفاق عليه في مؤتمر جوبا عام 1947 من مساواةٍ في التوظيف والأجر. وأشاروا إلى أن التنصّل من تلك الالتزامات ونقض تلك الوعود كما حدث في سودنة الوظائف، هو الذي استوجب، مع عوامل أخرى، عقد مؤتمرهم ذاك. وأوضحوا أن كل ما حدث في الجنوب نتيجة السودنة هو استبدال الموظفين الإنجليز بموظفين شماليين، في تجاهلٍ تامٍ لاتفاق مؤتمر جوبا باستيعاب أبناء الجنوب الأكفاء في أيٍ من الوظائف التي شغرت.
14
دار بعد ذلك نقاشٌ مطوّل حول النظام الفيدرالي، ماذا يعني، وكيفية تطبيقه، والعلاقة بين الشمال والجنوب بموجب ذلك النظام، وهل الجنوب مستعدٌ للفيدرالية؟ وهل لديه الموارد البشرية والمالية لتطبيقها؟
تلى ذلك النقاش الذي امتدّ على مدى اليومين التصويت على مقترح النظام الفيدرالي الذي فاز بـ 227 من الأصوات، ولم يصوّت ضده أحد، في حين امتنع عن التصويت سبعةٌ من المشاركين ينتمون إلى الحزب الوطني الاتحادي. لا بد من ملاحظة الامتناع عن التصويت، وليس التصويت ضد مقترح الفيدرالية، من هؤلاء الأشخاص.
كما لابدّ من ملاحظة ان تصويت أبناء وبنات الجنوب لصالح الانفصال عام 2011 جاء شبيهاً في نتيجته بالتصويت لصالح الفيدرالية عام 1954. من الواضح أن التاريخ فعلاً يعيد نفسه لمن لم يودّوا الاستماع إليه بدايةً!.
وهكذا أكّد وأطّر الحزب الليبرالي مطلبه لقيام حكمٍ فيدرالي بين شمال وجنوب السودان، وبما يشبه الإجماع بين المندوبين الذين حضروا المؤتمر في شهر أكتوبر عام 1954.
15
قامت سكرتارية المؤتمر بتسليم رسالةٍ بقرارات المؤتمر الخاصة بالاحتجاج على نتائج السودنة ومطلب النظام الفيدرالي إلى السيد رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، وإخطارهم بأنه إذا لم تتم الاستجابة لمطلب النظام الفيدرالي فإن ممثلي الجنوب سيقومون بعرض مطلبهم على الهيئات الدولية.
وقام السيد بنجامين لوكي رئيس المؤتمر بتسليم صورٍ من تلك الرسالة إلى الحاكم العام، وإلى وزير الخارجية البريطاني ووزير الخارجية المصري أيضاً.
ورغم أن قرارات المؤتمر تمّ تسليمها للسيد رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، فقد تجاهلوا المذكرة ومحتوياتها تجاهلاً تاماً، ولم تتم مناقشتها أو الرد عليها. وانتهى أمر المذكرة كما انتهى أمر المطالب السابقة لأبناء الجنوب.
16
تسارعت الخطى في شمال السودان في بداية عام 1955 نحو الاستقلال. وبمنتصف العام كانت كل لجان الحزب الوطني الاتحادي الحاكم قد استيقظت من سبات الوحدة، واقتنعت بالواقع السياسي الجديد في السودان، فصوّتت لصالح الاستقلال. تلاشت بذاك الوقت أطروحة وحدة وادي النيل التي كان الحزب الوطني الاتحادي قد تبنّاها لبعض الوقت، وحلّ مكانها إحساسٌ قوي بالوطنية السودانية.
لكن ذلك الشعور كان منغلقاً على ما يجري في الشمال. كان واضحاً أن الساسة الشماليين ظلوا مشغولين بهذه التطورات، بالإضافة إلى الخلافات داخل الحكومة نفسها والتنافس على الوزارات، لم يُعِرْ هؤلاء الساسة أيَّ اهتمامٍ للغبن المتزايد في جنوب البلاد جراء السياسات الاستعلائية والإقصائية التي كانت تنتهجها الحكومة في الخرطوم تجاه الجنوب، والاستخفاف بمطالبهم، خاصةً مطلب الفيدرالية الذي تزامن مع مطلب حق تقرير المصير في العلاقات مع مصر.
17
وتوالت وتسارعت الأحداث في الجنوب نفسه نتيجة كل تلك التراكمات، وأدّت في 18 أغسطس عام 1955 إلى تمرّد أفراد فرقة الإستوائية في توريت إثر قرار نقلهم إلى شمال السودان.
نتج عن أحداث توريت فصلٌ سياسيٌ دمويٌّ جديدٌ مؤسفٌ ومؤلمٌ في تاريخ السودان، وعلاقة الشمال والجنوب. وصف سياسيو شمال السودان ما حدث ب “تمرّد توريت” وأصبح ذلك الوصف هو الاسم الرسمي والشعبي له. أما في الجنوب فقد تمّت تسمية ما حدث بواسطة عددٍ من الجنوبيين ب “ثورة الأحراش” و “انطلاقة ثورة التحرّر الوطني في جنوب السودان”، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.
 
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (3 – 12)
1
ناقشنا في المقالين السابقين من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، بدءاً بمؤتمر جوبا عام 1947. وقد أوضحنا أن القيادات السياسية والمجموعات الأكاديمية الجنوبية ظلت تجادل أن ذلك المؤتمر كان أولَ منبرٍ شماليٍ جنوبيٍ يثير فيه أبناء الجنوب مطلب الفيدرالية.
بعد عامٍ من مؤتمر جوبا، تمت إثارة ذلك المطلب في عام 1948 في الجمعية التشريعية، وفي لجنة الدستور عام 1951. وقد تتبّعنا رفضَ القيادات السياسية الشمالية، خلال تلك الفترة، رفضاً تاماً مناقشة مقترح الفيدرالية، وإصرارهم على التركيز على مسألة حقِّ تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر.
انتقلنا بعد ذلك إلى مناقشة التطورات التي قادت في مصر إلى استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في 23 يوليو عام 1952، وتوقيع اتفاقية تقرير المصير الخاصة بالسودان في 12 فبراير عام 1953. وتابعنا صدور قانون الحكم الذاتي في 21 مارس 1953، كأولِ دستورٍ للسودان، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير.
2
وقد تتابعت تلك التطوّرات بعقد الانتخابات في السودان، وإعلان نتيجتها في شهر ديسمبر عام 1954، وبروز الحزب الليبرالي في جنوب السودان، والذي أصبح لديه 16 مقعداً من المقاعد التي تمّ تخصيصها لجنوب السودان والبالغة 22 مقعداً. وقد أعلن الحزب بوضوح أن برنامجه ومطلبه هو النظام الفيدرالي لجنوب السودان.
أكّد الحزب ذلك البرنامج في مؤتمره العام الذي تم عقده في 18 أكتوبر عام 1954، وتمّ فيه التصويت على مقترح النظام الفيدرالي الذي فاز بـ 227 من الأصوات، ولم يصوّت ضده أحد، في حين امتنع عن التصويت سبعةٌ من المشاركين ينتمون إلى الحزب الوطني الاتحادي.
أوضحنا تجاهل الحكومة والأحزاب الشمالية التام للمؤتمر ولقراراته، التي قام الحزب الليبرالي بتوصيلها إلى كل الجهات السياسية في السودان، وإلى الهيئات الدولية، والحاكم العام، وإلى وزير الخارجية البريطاني ووزير الخارجية المصري.
3
تابعنا بعد ذلك تطور الأحداث في الشمال التي قادت إلى تركيز السياسيين الشماليين على مسألة حق تقرير المصير في علاقة السودان مع مصر، وإعلان الاستقلال، وانشغالهم بالخلافات داخل الحكومة نفسها، والتنافس على الوزارات.
ولم يُعِرْ الساسة الشماليون أيّ اهتمامٍ للغبن المتزايد في جنوب البلاد جراء السياسات العرجاء التي كانت تنتهجها الحكومة في الخرطوم تجاه الجنوب، والاستخفاف وتجاهل المطالب، خصوصاً مطلب الفيدرالية.
تتبعنا بعد ذلك توالي الأحداث في الجنوب نفسه نتيجة كل تلك التراكمات، والتي أدّت في 18 أغسطس عام 1955 إلى تمرّد أفراد فرقة الإستوائية في توريت إثر قرار نقلهم إلى شمال السودان.
وقد أشرنا في خاتمة المقال السابق أنه نتج عن أحداث توريت فصلٌ سياسيٌ دمويٌّ مؤلمٌ ومؤسفٌ في علاقة الشمال والجنوب، وفي تاريخ السودان ككل.
4
كما أوضحنا أعلاه، فقد توالت الأحداث في الجنوب نتيجة التراكمات التي أشرنا لها بالتفصيل في المقال السابق، وأدّت في 18 أغسطس عام 1955 إلى تمرّد أفراد فرقة الإستوائية في توريت إثر قرار نقلهم إلى شمال السودان. وقد رفض القادة العسكريون الشماليون في توريت تحديد وتوضيح الفترة التي سيقضيها أفراد فرقة الإستوائية بالشمال.
اندلعت أعمال عنفٍ وإخلالٍ بالأمن أدّت إلى مقتل 336 شمالياً و75 جنوبياً، ونتج عن تلك الأحداث الدموية المؤلمة تعميقٌ كبير للهوّة بين الشمال والجنوب. وقد زرعت تلك الأحداث بذور الحرب الأهلية والانفصال في جنوب السودان. وقد أُغلقت الحكومة المدارس – على قلّتها – وأعلنت حالة الطوارئ في كل أرجاء الجنوب. وقد ظلّت المدارس مغلقةً لمدة عام، بينما ظلت حالة الطوارئ مُعلنةً لمدة نصف قرنٍ من الزمان، وتم رفعها بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في عام 2005.
5
ورغم أن الحكومة شكّلت لجنة برئاسة القاضي توفيق قطران للتحقيق في أحداث توريت، إلا أن السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء استبق صدور تقرير اللجنة، وألقى باللائمة في بيانه أمام البرلمان في 26 أغسطس عام 1955 على ما أسماهم ب “المتمردين الجنوبيين”، وحمّل الشرطة الجنوبية المسئولية.
وقد كرّر السيد رئيس الوزراء نفس الاتهامات في خطابه الثاني أمام البرلمان في 2 نوفمبر عام 1955 حيث أوضح أن إنذاراً قد صدر للسلاطين بتسليم المتمردين في مناطقهم وإلاّ فإنهم سيكونون أنفسهم قد شاركوا في التمرد، وسوف يدفعون ثمن ذلك.
6
اتسمت كلمتا السيد رئيس الوزراء بالتسرّع والتهوّر، واستبقت، كما ذكرنا أعلاه، تقرير لجنة القاضي قطران. وكما سنناقش بعد قليل، فقد أثبت تقرير القاضي قطران عدم صحة الكثير من ادعاءات السيد رئيس الوزراء، مثل تحميله الشرطة الجنوبية المسئولية في أحداث توريت.
كما ألقى التقرير بالمسئولية واللائمة على ما جرى في جنوب السودان في 18 أغسطس عام 1955 على حكومة السيد الأزهري وحزبه، كما سنوضّح لاحقاً في هذا المقال.
7
جرت، بعد أعمال القتل الواسعة المؤسفة التي نتجت من التمرد في 18 أغسطس عام 1955، عملياتُ تفتيشٍ واعتقالاتٍ واسعة في كل أرجاء الجنوب، أعقبتها اعتقالاتٌ ومحاكماتٌ ميدانيةٌ عاجلة ترأس معظمها مفتشو المراكز أنفسهم.
وبمنتصف شهر سبتمبر عام 1955 استسلم 460 من الذين اشتركوا في التمرد، وهرب 140 إلى يوغندا، بينما اختفى من تبقّى من الفرقة الإستوائية وعددهم 780 جندي في أحراش وغابات المديرية الإستوائية.
8
وقد حكمت المحاكم العسكرية في عجلةٍ بالغةٍ بالإعدام على 147 جندي، تمّ تأييد الأحكام وتنفيذها في 121 منهم. وقد شملت الإعدامات الملازم رينالدو لويولا الذي كان متهماً بقيادة التمرّد، وكذلك وكيل بلك سترلينو أبويو أحد كبار قادة التمرد.
نتج عن التمرد والمحاكمات وإغلاق المدارس هروب الآلاف إلى الأحراش ليكوّنوا نواة الحركة المسلحة الجنوبية الأولى، وليشعلوا بعد أشهرٍ قليلةٍ الحرب الأهلية في جنوب السودان التي تواصلت (بعد انقطاعٍ قصير) لمدة نصف قرنٍ من الزمان.
9
كما ذكرنا أعلاه، شكّلت حكومة السيد إسماعيل الأزهري لجنةً للتحقيق في أحداث توريت في 8 سبتمبر عام 1955 (بعد ثلاثة أسابيع من وقوع الأحداث) برئاسة القاضي توفيق قطران، وعضوية السيد خليفة محجوب الذي كان مديراً لهيئة المشاريع بولاية الإستوائية، والسلطان لوليك لادو الذي كان أحد أبرز المشاركين في مؤتمر جوبا عام 1947.
طلبت اللجنة من السيد وزير الدفاع تعيين مستشارين لها في المسائل الحربية، وقد استجاب السيد وزير الدفاع للطلب وعيّن القائمقام محمد بك التيجاني، والبمباشي علي حسين شرفي عضوين في اللجنة..
ورغم أن التقرير قد صدر في فبراير عام 1956، (بعد خمسة أشهرٍ من تكوين اللجنة، وستة أشهرٍ من أحداث توريت)، فإنه لم يتمْ نشرُ التقرير حتى شهر أكتوبر عام 1956، أي بعد ثمانية أشهرٍ من صدوره، وبعد ثلاثة أشهرٍ من مغادرة السيد إسماعيل الأزهري رئاسة الوزارة في يوليو عام 1956.
ويشير هذا التأخير إلى عدم رغبة السيد إسماعيل الأزهري وحكومته في نشر التقرير. فقد حمّل التقرير حكومة السيد إسماعيل الأزهري صراحةً مسئولية ما حدث في توريت في 18 أغسطس عام 1955. فقد أشار التقرير إلى الآتي:
10
“ولما كان الموقف على هذا الحال يبدو لنا أن أسلم شيء كان يجب عمله هو أن تُلغى أوامر سفر البُلك نمرة 2 (إلى الشمال) في الحال. إن المبرّرات التي قِيلتْ عن الحفاظ على هيبة الجيش وكرامته في الوقت الذي كان معروفاً أن حدوث التمرّد أمرٌ محتملٌ، إن لم يكن مؤكّداً، غير مقنعة. فإنّ هيبة الجيش والإدارة في (المديرية) الإستوائية أيضاً قد سبق أن تلاشت. وإنّ الإصرار على عدم تغيير الأوامر بدون أن تكون هناك خطط مضادة، أو أن توضع مثل هذه الخطط فإنما يدل على عدم اكتراث بأرواح وممتلكات المواطنين الآخرين. وإننا في الحقيقة نعتبر هذا خطأً عظيماً.”
(تقرير لجنة التحقيق في الاضطرابات التي حدثت بجنوب السودان في أغسطس سنة 1955، والذي صدر في أكتوبر عام 1956 (الطبعة الأولى)، صفحة 128.)
11
كما ذكرنا أعلاه، لم يتم نشر التقرير حتى شهر أكتوبر عام 1956، أي بعد ثلاثة أشهر من مغادرة السيد إسماعيل الأزهري الوزارة في شهر يوليو عام 1956. وقد قامت حكومة التحالف بين حزبي الأمة وحزب الشعب الديمقراطي (حكومة السيدين) التي ترأسها السيد عبد الله خليل، والتي خلفت حكومة السيد إسماعيل الأزهري ذلك الشهر، بنفض الغبار عن التقرير ونشره في شهر أكتوبر عام 1956، بعد أكثر من عام من حوادث توريت، وأكثر من ثمانية أشهر من اكتمال التقرير وتقديمه لرئيس الوزراء السيد إسماعيل الأزهري.
كتب مقدمة التقرير السيد علي عبد الرحمن وزير الداخلية في حكومة السيد عبد الله خليل الائتلافية التي خلفت حكومة الأزهري. وقد شملت المقدمة الفقرة التالية:
12
“وقد رأت الحكومة أن الديمقراطية الصحيحة تقضي بنشر هذا التقرير باللغتين العربية والإنجليزية حتى يتمكن الشعب على اختلاف طبقاته من الاطلاع عليه ليدرك العوامل والأسباب وما تبع ذلك من تقصيرٍ وإهمال مما أدى بطريقٍ مباشرٍ أو غير مباشر إلى حدوث تلك الاضطرابات المؤسفة التي أودت بحياة عددٍ غير قليل من المواطنين والتي عطلت سير الأصلاح في المرافق العامة في ذلك الجزء من أرض الوطن.”
13
بات واضحاً أن حكومة السيد عبد الله خليل قد قبلت بدون أيّة تحفظاتٍ التقرير ونتائجه. وكان واضحاً أيضاً أن النشر والتوزيع الواسع للتقرير باللغتين العربية والإنجليزية هو محاولة من حزبي الشعب الديمقراطي والأمة إحراج السيد إسماعيل الأزهري وحزبه وحكومته، وتحميلهم مسئولية ما حدث في جنوب السودان في 18 أغسطس عام 1955.
وهكذا أصبح التقرير القضائي في أهمِّ وأصعبِ قضيةٍ تواجه السودان في ذلك الوقت مصدراً للمزايدة بين الأحزاب الشمالية ورؤسائها، بدلاً من دراسة التقرير والتعامل معه بجدية ومسئولية، وإحالة المسئولين الشماليين عن الأحداث للمساءلة.
14
أوضح تقرير لجنة القاضي قطران أن مديرية الإستوائية كانت الأكثر تأثّراً بالاضطرابات التي امتدت فيها لمدى أسبوعين، وأشار إلى أن هناك خلفيةً للتمرّد شملت قلّة القواسم المشتركة بين الشمال والجنوب، والتي زادت منها السياسة البريطانية للمناطق المقفولة حتى عام 1947، والفارق الكبير في التقدّم بين طرفي البلاد.
أوردت اللجنة عدّة أسباب للتمرد منها خيبة الأمل في نتائج السودنة التي لم تنتج عنها سوى ست وظائف للجنوبيين، وتدخّل الإداريين في المديرية الإستوائية في المسائل السياسية، وأوردت كمثالٍ لذلك الحيلولة دون انعقاد مؤتمر البرلمانيين الجنوبيين في مايو عام 1955.
15
أشارت اللجنة أيضاً إلى محاكمة النائب البرلماني ايليا كوزي في 25 يوليو عام 1955 بتهمة الإرهاب الجنائي لأنه اعترض على إرسال مساعد مفتش المركز برقية تأييدٍ للحكومة باعتبار أنه هو نائب الدائرة والمتحدّث بإسمها. وأوضحت أن الحكم عليه بعشرين عاما سجناً بواسطة محكمةٍ مشكوكٍ في نزاهتها كان من أسباب التمرد، رغم أن الحكم تمّ تخفيضه إلى عامين لاحقاً.
كما أشارت اللجنة إلى الأخطاء التي صاحبت محاولة مفتش مركز يامبيو معالجة إضراب مصنع النسيج والغزل في 26 يوليو عام 1955 والتي أدّت إلى إطلاق النار وقتل ستة من أبناء الزاندي في أنزارا.
واعتبرت اللجنة فصل 300 عامل من مشروع الزاندي بواسطة لجنة مشاريع الإستوائية في 20 يوليو عام 1955خطأً كبيراً، إذ أنه تمّ كنتيجةٍ للسودنة التي كان الجنوبيون يتوقعون مزيداً من الوظائف بموجبها، بدلاً عن فصلهم واستبدالهم بالشماليين.
16
وفيما يتعلق بالسودنة والإحباط الذي أصاب الجنوبيين فقد أشار تقرير القاضي قطران إلى أنه:
“قد أُرْسِلتْ خطاباتٌ كثيرة إلى أعضاء البرلمان الجنوبيين وإلى الحكومة نورد فيما يلي على سبيل المثال مقتطفات من تلك الخطابات
(لقد كانت نتائج السودنة مخيبةً للآمال بدرجةٍ عظيمة، أي أربعة مساعدي مفتش مركز ومأمورين. يبدو أن قصد زملائنا الشماليين هو أن يستعمرونا لمدة مائة عام أخرى.)”
17
كما أوضح التقرير مجموعةً من الأخطاء صاحبت قرار نقل كتيبة توريت إلى الشمال، وأوضح التقرير أنه كان يجب التعامل مع تلك الأخطاء والظروف، وإلغاء قرار النقل، بدلا من الإصرار عليه فقط لحفظ هيبة وكرامة القيادة العسكرية الشمالية للكتيبة، خصوصاً أن تلك القيادات كانت تعلم سلفاً أن الكتيبة سوف تتمرّد ولن تنفذ قرار النقل (كما ورد في الاقتباس من التقرير في الجزء 10 أعلاه).
وقد قامت الإدارة العليا للقوات المسلحة في الجنوب، حسب تقرير القاضي قطران، بإجلاء عوائل الضباط الشماليين من توريت تحسّباً لعواقب قرار الكتيبة الجنوبية رفض قرار النقل، مما يؤكد علم القيادة سلفاً أن الكتيبة سوف تتمرد.
18
أشار التقرير إلى الوعود الكثيرة للجنوبيين منذ مؤتمر جوبا عام 1947، ثم بواسطة الحزب الوطني الاتحادي قبل وأثناء الانتخابات، ثم حكومة السيد إسماعيل الأزهري، وأنه لم يتم الوفاء بها، ووصفت تلك الوعود بالتهور وعدم المسئولية.
وقد شملت تلك الوعود وعوداً من الضابط المصري الصاغ صلاح سالم الذي كانت مهمته في السودان وقتها العمل على فوز الحزب الوطني الاتحادي في الانتخابات لضمان الوحدة مع مصر. وقد ورد في تقرير القاضي قطران الاتي:
“كما زار الصاغ صلاح سالم الجنوب في تلك الأيام….. ووعد بأنه:
“عند مغادرة البريطانيين فإن الأربعين وظيفة من مديري المديريات ومفتشي المراكز ومساعدي مفتشي المراكز في المديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى للجنوبيين. ولقد وعد بإسناد الوظائف الفنية الأخرى للجنوبيين.”
19
كما أورد التقرير الحادثة الآتية:
“في أحد الاجتماعات بجوبا سأل تمرجي (ممرض) صغير السن الصاغ صلاح سالم باللغة الإنجليزية:
سؤال: هل تعني أني عندما يغادر البريطانيون سأصبح باشمفتشاً طبياً للمديرية (مستعملاً الحروف الإنجليزية الأولى للكلمات باشمفتش طبي كاختصار)؟
جواب: (لم يعرف الصاغ صلاح سالم معنى ذلك الاختصار) نعم، نعم بالتأكيد.”
لا بد من التذكير برقصة الصاغ صلاح سالم العبثية المشهورة أثناء زيارته تلك لجنوب السودان ليحثّ الجنوبيين على التصويت للحزب الوطني الاتحادي وللوحدة مع مصر.
20
انتقد تقرير القاضي قطران سلوك التجار الشماليين وذكر أنهم يعتبرون الجنوبيين أقل مرتبةً من الشماليين ويسمونهم “عبيد” (يعتذر الكاتب عن إيراد هذه الكلمة العنصرية البغيضة القبيحة في هذا المقال. لكن المسئولية والأمانة العلمية للاقتباس تقتضي إيراد الفقرة المُقتبسة كما هي). وأوضح التقرير أن استعمال ذلك اللفظ منتشر في المديريات الجنوبية، ويدل على الامتهان ويعيد إلى الأذهان حقبة تجارة الرقيق.
كما أشار التقرير إلى تدخّل التجار الشماليين في الإدارة، وإلى علاقاتهم الوطيدة مع الإداريين الشماليين التي أعطتهم حمايةً أكثر من الجنوبيين، ووصف الإداريين الشماليين بالتعالي وأن مفتش المركز كان يُنظر إليه كإلهٍ صغير.
21
أشار التقرير أيضاً في هذا المجال إلى البرقية المنسوبة زوراً إلى السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء التي وجّه فيها الإداريين الشماليين: “لا تستمعوا إلى شكاوى الجنوبيين الصبيانية وضايقوهم وعاملوهم معاملة سيئة بناءً على تعليماتي. وكل إداري يفشل في تنفيذ أوامري سيكون عرضة للمحاكمة.”
وقد ذكرت اللجنة أن البرقية نُسِختْ على ورقٍ حكومي وتمّ توزيعها على نطاقٍ واسع في الجنوب. وقد أبدت اللجنة اندهاشها أنه رغم انتشار البرقية فإن عدداً من الإداريين لم يسمعوا بها، وأن الذين سمعوا بها لم يتخذوا أيّة إجراءاتٍ لدحض مضمون البرقية.
22
عليه فقد أدان التقرير بصورةٍ واضحة الحكومة والحزب الحاكم، والإداريين والقيادات العسكرية والتجار الشماليين في الجنوب، وحمّلهم مسئولية تمردّ حامية توريت في 18 أغسطس عام 1955 وما نتج عنه من أحداث مؤسفة قادت إلى الحرب الأهلية هناك.
كما أن التقرير، خلافاً لبيانات السيد رئيس الوزراء، لم يحمّل البوليس الجنوبي أو السلاطين أي جزءٍ من المسئولية.
23
لا بد أن تكون الصورة قد اتضحت أمام القارئ عن لماذا لم تقمْ حكومةُ السيد إسماعيل الأزهري بنشر تقرير القاضي قطران عن أحداث توريت!.
وتكون الصورة قد اتضحت أيضاً عن لماذا قامت حكومة السيد عبد الله خليل بنشر وتوزيع التقرير بصورةٍ واسعة، بواسطة وزير داخليتها السيد علي عبد الرحمن، الذي انشقَّ من الحزب الوطني الاتحادي بسبب التنافس، والذي أصبح عداءً حاداً، مع رئيس الحزب السيد إسماعيل الأزهري.
24
وكما ذكرنا أعلاه فقد قبلت حكومة السيد عبد الله خليل التقرير ونتائجه دون أيّة تحفظاتٍ أو ملاحظاتٍ. إضافةً إلى هذا فقد وعد السيد علي عبد الرحمن في المقدمة التي كتبها للتقرير بالآتي:
“والحكومة حينما تنشر هذا التقرير على الرأي العام تؤكد أنها بصدد اتخاذ الأجراءات التأديبية ضد كل من نُسِب إليه أي إهمال أو تقصير من موظفي الحكومة سواء كانوا من رجال الإدارة أو البوليس أو الجيش أو غير هؤلاء من الموظفين ممن تضمنت محاضر لجنة التحقيق التي بنت عليها هذا التقرير اتهامهم بالتقصير في أداء واجباتهم الرسمية.”
لم يستطع الكاتب الحصول على أيّة وثائق أو مراجع تفيد بأن الحكومة قد نفذت هذا القرار الخاص باتخاذ الإجراءات التأديبية ضد أي موظفٍ حكوميٍ ورد اسمه وتم اتهامه بالتقصير في تقرير القاضي قطران. غير أن الكاتب لا يعتقد أن أي مسئولٍ قد واجه أية إجراءاتٍ تأديبية.
25
عليه فقد قام تقرير القاضي قطران بتحميل السيد إسماعيل الأزهري وحزبه وحكومته المسئولية عن أحداث توريت. لكن السيد الأزهري قام، لهذه الأسباب، بتعليق نشر التقرير. ولم يتم نشر التقرير إلا بعد أشهرٍ من سقوط حكومته، واستلام منافسه السيد علي عبد الرحمن مقاليد وزارة الداخلية في حكومة السيد عبد الله خليل.
26
وكما أوضحنا أعلاه فقد قامت تلك الحكومة بالتبنّي الكامل لحقائق ونتائج التحقيق، وقامت بنشره وتوزيعه باللغتين العربية والإنجليزية بصورةٍ واسعة لكي تحرج السيد الأزهري وحزبه.
وعلى الرغم من أن حكومة السيد عبد الله خليل قد وعدت باتخاذ الأجراءات التأديبية ضد كل من نسب إليه أي إهمال أو تقصير من موظفي الحكومة ممن تضمّن تقرير القاضي قطران اتهامهم بالتقصير في أداء واجباتهم الرسمية، لكن لا يبدو أن ذلك قد حدث.
عليه فقد انتهت قضية حوادث توريت في الخرطوم بصدور ذلك التقرير، لكنها أشعلت نار الحرب الأهلية في جنوب البلاد.
27
بعد هذا السرد لأحداث توريت وتقرير القاضي قطران، سوف نواصل في المقال القادم سرد ونقاش الطريقة الاستخفافية التي واصلت الأحزاب الشمالية التعامل بها مع مطلب جنوب السودان للفيدرالية. وقد تواصل ذلك الاستخفاف في طريقة التعامل مع القرار الخاص باستقلال السودان من داخل البرلمان الذي تم نقاشه والاتفاق عليه في 19 ديسمبر عام 1955، والذي اشتمل على وعد الفيدرالية لجنوب السودان.
وكما سنوضح في ذلك المقال، فقد تم نقض ذلك الوعد باستخفافٍ واستهتارٍ كبيرين، زادا من إحباط وغضب الجنوبيين، ورفعا من سقف مطالبهم التي تمدّدت لتصلَ مطلب حقِّ تقرير المصير، والذي انتزعوه بقوة السلاح والمقدرات التفاوضية والدبلوماسية العالية، وقاد إلى كارثة انشطار الوطن، وإلى الأبد.
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (4 – 12)
1
تتبّعنا في المقالات الثلاثة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي. وتوقّفنا عند مؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، والذي كان كان أول منبرٍ شماليٍ جنوبيٍ يناقش العلاقة بين طرفي القطر. وقد أوضحنا أن القيادات السياسية والمجموعات الأكاديمية الجنوبية متفقةٌ على أن ممثلي الجنوب لذلك اللقاء أثاروا بوضوح مطلب الفيدرالية، وكان المؤتمر بذلك أول منبرٍ شماليٍ جنوبيٍ يثير فيه أبناء الجنوب ذلك المطلب.
تم بعدها بحوالي العام في عام 1948 إثارة ذلك المطلب في الجمعية التشريعية، ثم في لجنة الدستور عام 1951. وقد أوضحنا رفض القيادات السياسية الشمالية في تلك الفترة رفضاً تاماً مناقشة مقترح الفيدرالية، وإصرارهم على التركيز على مسألة حق تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر.
2
انتقلنا بعد ذلك إلى مناقشة التطوّرات التي قادت في مصر إلى استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في 23 يوليو عام 1952، وتوقيع اتفاقية تقرير المصير الخاصة بالسودان في 12 فبراير عام 1953. ناقشنا بعد ذلك صدور قانون الحكم الذاتي في 21 مارس 1953، كأول دستورٍ للسودان، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير. وشرحنا تجاهل الأحزاب الشمالية للأحزب الجنوبية، ورفضها تضمين أيّ موادٍ عن النظام الفيدرالي ووضعية جنوب السودان في قانون الحكم الذاتي لعام 1953.
ناقشنا قيام انتخابات عام 1953، وفوزر الحزب الليبرالي، الذي تبنّى مطلب الفيدرالية، بستة عشر مقعداً، وتأكيده تبنّي مطلب الفيدرالية خلال مؤتمره الذي عقده في شهر أكتوبر عام 1954، وأشرنا إلى تجاهل ثم رفض الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية. وأوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، التي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، والذي ألقى باللائمة في أحداث توريت على حكومة السيد إسماعيل الأزهري
3
كما ذكرنا في المقال السابق، فقد تكوّنت لجنة القاضي قطران للتحرّي في أحداث توريت في سبتمير عام 1955، وأصدرت تقريرها في شهر فبراير عام 1956. غير أن التقرير لم يتم نشره حتى شهر أكتوبر عام 1956، بعد ثلاثة أشهر من سقوط حكومة السيد الأزهري وتولّي السيد عبد الله خليل رئاسة الوزارة في شهر يوليو عام 1956. وقد أوضحنا أسباب ذلك التأخير في المقال السابق.
خلال الفترة العام من شهر سبتمبر عام 1955 (تاريخ تكوين لجنة القاضي قطران) حتى شهر أكتوبر عام 1956 (تاريخ نشر تقريرها)، وقعت أحداثٌ كبيرةٌ وهامةٌ في مسار قضية جنوب السودان ومطلب الفيدرالية سنناقشها بقدرٍ من التفصيل في هذا المقال.
4
بعد أربعة أشهرٍ من تمرّد توريت في 18 أغسطس عام 1955 قررت الحكومة والمعارضة إعلان الاستقلال من داخل البرلمان. وافق أعضاء البرلمان الجنوبيون على تأييد القرار شريطة أن يتضمّن ذلك القرار مطلبهم لإقامة نظام حكمٍ فيدرالي في الجنوب. وافقت قيادات الأحزاب الشمالية على هذا المطلب، وصدر قرار مجلس النواب بإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان بالإجماع يوم الاثنين 19 ديسمبر عام 1955 في جلسته رقم 43، الدورة الثالثة.
وقد تضمّن القرار فقرةً تطلب من الجمعية التأسيسية القادمة أن تعطي الاعتبار لمطلب النواب الجنوبيين بإقامة النظام الفيدرالي لجنوب السودان داخل السودان الموحّد. وتقرأ تلك الفقرة كلآتي:
“نحن أعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعاً نرى أن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاث ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية.”
5
سعد الجنوبيون كثيراً بهذه الفقرة من القرار، واعتقدوا أن حلمهم ابن الثمانية أعوام قد صار قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، وأشاد الكثيرون بالوحدة الوطنية التي مثّلها وعكسها ذلك القرار. وتمّت الاحتفالات الرسمية بعيد الاستقلال، ورُفِع علم السودان في أول يناير عام 1956.
غير أنه كان استقلالاً مُلبّداً بغيوم الخلافات وبذورِ الحرب في جنوب البلاد التي اشتعلت قبل أشهر قليلة من الاستقلال، والتجاهلِ التام من قِبلِ القيادات السياسية في الشمال لمطلب الفيدرالية. وكما ذكرنا في المقال السابق، فقد تمّ إعدام عددٍ من قادة التمرد في جنوب السودان بعد أيامٍ فقط من احتفالات عيد الاستقلال.
عليه، فبينما كانت زغاريد الفرح تشقُّ عنان سماء الشمال، كانت أصداء صرخات وآهات أحزان أُسرِ من تم إعدامهم تتنقّل بسرعةٍ وسط غابات وأحراش الجنوب.
6
رغم الفرح الغامر في الخرطوم، فقد طغت على احتفالات الاستقلال الخلافاتُ الحادة بين الحكومة والمعارضة. تصاعدت تلك الخلافات وأدّت بعد أسابيع قليلة من الاستقلال إلى سقوط حكومة الحزب الوطني الاتحادي. وكما ناقشنا في المقال السابق فقد خلفتها حكومةٌ قومية شملت كل الأحزاب، بما في ذلك حزب الأمة، برئاسة السيد إسماعيل الأزهري في شهر فبراير عام 1956.
غير أن تلك الحكومة القومية نفسها انهارت بعد خمسة أشهر تحت وطأة الخلافات الحادة داخلها. حلّت في شهر يوليو عام 1956 محل الحكومة القومية ما أُطلِق عليه حكومة السيدين (السيد عبد الرحمن المهدي راعي حزب الأمة، والسيد علي الميرغني راعي حزب الشعب الديمقراطي الذي تمّ تكوينه في يونيو عام 1956 بعد الانشقاق داخل الحزب الوطني الاتحادي).
تشكّلت هذه الحكومة الائتلافية الجديدة في شهر يوليو عام 1956 برئاسة السيد عبد الله خليل سكرتير حزب الأمة، ونائبه السيد ميرغني حمزة من حزب الشعب الديمقراطي. وانتقل من تبقّى من الحزب الوطني الاتحادي بقيادة رئيسه السيد إسماعيل الأزهري إلى المعارضة. وتسلّم السيد محمد أحمد محجوب، والذي كان قد انضمّ إلى حزب الأمة بذاك الوقت، مقاليد وزارة الخارجية. وكان السيد محمد أحمد محجوب قد ترشح وفاز في دوائر الخريجين عام 1953 مستقلّاً.
7
كما ذكرنا من قبل فقد ظلّ قانون الحكم الذاتي لعام 1953 هو دستور السودان خلال فترة الحكم الذاتي التي انتهت بإعلان الاستقلال. وقد تمّ القيام بتعديلاتٍ طفيفةٍ على قانون الحكم الذاتي على عجلٍ في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر عام 1955 قبل إعلان الاستقلال، وصدر في يوم الاستقلال – الأول من يناير عام 1956 – تحت مسمى “دستور السودان المؤقّت لعام 1956” ليُحكمَ به السودان (حسب قرار مجلس النواب قي 31 ديسمبر عام 1955) حتى الفراغ من صياغة دستورٍ دائمٍ جديد.
شمل الدستور المؤقت مجلس سيادة من خمسة أعضاء، أحدهم من أبناء الجنوب، ليكون رأس الدولة ويحلّ محل الحاكم العام. وأشار الدستور إلى أن رئاسة هذا المجلس تكون شهريةً بالتناوب بين أعضائه الخمسة.
وهكذا أصبح بإمكان العضو الجنوبي بالمجلس أن يكون رأس الدولة على الأقل شهرين كل عام. وقد تمّ اختيار السيد سرسيو أيرو ليمثّل الجنوب في مجلس السيادة.
8
كما أن عضوية الجنوبيين في مجلس الوزراء تحت مسمى “وزير دولة بلا أعباء”، والتي شملت السادة داك داي، وبولين ألير، وسانتينو دينق، لم تتواصل بسبب نقد وسخرية أبناء الجنوب، خاصةً أعضاء الحزب الليبرالي. حلَّ محل وزراء الدولة بلا أعباء الثلاثة وزيران جنوبيان أحدهما السيد سانتينو دينق لوزارة المخازن والمهمات، والثاني السيد داك داي لوزارة النقل الميكانيكي. وكما ذكرنا من قبل فقد كان الاثنان وزيري دولة بلا أعباء في الحكومة السابقة.
صحيحٌ أنه لا تحمل أيّةٌ من هاتين الوزارتين حتى على جزءٍ من أهمية ووزن ومسئوليات أية وزارة من الوزارات السيادية والاقتصادية والخدمية الأخرى. لكن عند مقارنة هذا الوضع بما كان عليه قبل أشهر فلا بد للمراقب أن يلاحظ التحسّن النسبي في الوضع السياسي لأبناء الجنوب. فقد حصلوا على عضوية مجلس السيادة، مع أربعة أعضاء شماليين، ورئاسته الشهرية الدورية، وحصلوا أيضاً على وزارتين كاملتين.
وإضافةً إلى هذا فقد حصلوا على وعدٍ بالحكم الفيدرالي من البرلمان، وهو النظام السياسي والدستوري الذي كان غاية ما يتطلّعون إليه منذ السنوات التي سبقت الاستقلال. وبدأ القادة الجنوبيون يمنّون أنفسهم بحكم الجنوب تحت مظلّة النظام الفيدرالي، والمشاركة، رغم محدوديتها، في حكم السودان ككل.
9
لكن فرحة الجنوبيين لم تدم طويلاً. شكّلت حكومة السيد عبد الله خليل لجنة الدستور في بداية شهر سبتمبر عام 1956 من 46 عضواً برئاسة السيد بابكر عوض الله رئيس مجلس النواب، وتمّ تعيين السيد أحمد خير نائباً له. شملت اللجنة ثلاثة أعضاء فقط من أبناء الجنوب، من بينهم الأب سترنينو لوهوري. وقد كان ذلك التمثيل بالطبع ضعيفاً ولا يعكس الوزن السكاني أو السياسي للجنوب.
بدأت اللجنة أعمالها في نفس الوقت الذي خرج فيه الإسلام السياسي إلى العلن في السودان من عباءة السيدين عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني اللذين أصبحا الحاكمين الحقيقيين للسودان، وتحت مظلّتهما الحكومة الائتلافية لحزبي الأمة والشعب الديمقراطي، أو ما عُرِف بحكومة السيدين.
وقد استمر هذا الائتلاف في حكم السودان من شهر يوليو عام 1956 إلى ما بعد انتخابات فبراير/مارس 1958، وحتى انقلاب 17 نوفمبر عام 1958 الذي سوف نناقشه بتفصيلٍ في مقالٍ قادم.
10
تمخّضت لجنة الدستور وولدت دستوراً إسلامياً عربياً للسودان، ودولةً مركزيةً لا مكان فيها للفيدرالية. فقد نصّت المادة الأولى من الفصل الأول من مسودة الدستور على أن السودان دولةٌ موحّدةٌ، وهو جمهورية ديمقراطية برلمانية. ونصّت المادة الرابعة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، بينما نصّت المادة الخامسة على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة.
عليه فقد أكدت مسوّدة الدستور أن السودان دولةٌ مركزيةٌ موحدةٌ، ناسفةً بذلك حلم الجنوبيين بالفيدرالية التي ظنوا أنهم على أبوابها. وقد انسحب مندوبو الجنوب الثلاثة من لجنة الدستور حال إجازة اللجنة لهاتين المادتين من الدستور.
11
في تبرير رفضها للنظام الفيدرالي أوضحت لجنة الدستور، كما نقل ذلك السيد محمد أحمد محجوب للبرلمان، “أن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.”
لا بد من ملاحظة أن القرار برفض النظام الفيدرالي صدر من لجنة الدستور، وليس من الجمعية التأسيسية كما نص قرار البرلمان الذي أشرنا إليه أعلاه!!
كانت مسألة في غاية الغرابة أن تقوم مجموعةٌ متعلمةٌ مستنيرةٌ أُنيطت بها هذه المهمة الوطنية الكبرى أن تتعامل بتلك البساطة المتناهية، وذلك الاستخفاف مع قضيةٍ بمثل ذلك الحجم والأهمية.
وهكذا وبهذه البساطة والسرعة حطمّت اللجنة آمال وتطلّعات أبناء الجنوب المتواضعة لقيام نظامٍ فيدرالي، وأهدر الشماليون بغطرسةٍ وعنادٍ واستخفاف فرصة وحدة البلاد. وقد بذر هذا الرفض ونقض العهود والاستعلاء بذور الانفصال التي استطالت وآتت أكلها بعد نصف قرنٍ من الزمان.
12
وقد أوضح السيد محمد أحمد محجوب أن قرار البرلمان في 19 ديسمبر عام 1955 بطلبه للجمعية التأسيسية القادمة إعطاء النظام الفيدرالي الاعتبار الكافي كان فقط لإرضاء الجنوبيين حتى يصوتوا للاستقلال، مما يعكس قدراً كبيراً من الاستخفاف بأبناء الجنوب وبالاتفاقيات معهم، وعدم الجدية في التعامل معهم (راجع كتاب السيد أبيل ألير التمادي في نقض المواثيق، صفحة 23 من النص الإنجليزي الأصلي للكتاب).
أصبح واضحاً بعد ذلك التصويت أنه لم يكن أحدٌ جاداً في ذلك الوعد للجنوبيين. وسوف نناقش في مقالات قادمة التصعيد العسكري للحرب في الجنوب الذي قام به السيد محمد أحمد محجوب عندما صار رئيساً للوزارة عام 1965، والمجزرتين اللتين وقعتا في جنوب السودان في عهد الحكومة التي ترأسها خلال فترة الحكم المدني الثانية (مجزرتي جوبا و واو – يوليو 1965).
وسنناقش أيضاً تهميش دور العضو الجنوبي الوحيد في مجلس السيادة بتغيير الرئاسة الشهرية إلى رئاسة دائمة تولاها السيد إسماعيل الأزهري، كما سنناقش في مقالٍ قادم.
13
أُصِيب الجنوبيون بخيبة أملٍ كبيرة عبّر عنها الأب سترنينو لوهوري عندما انسحب هو والعضوان الجنوبيان الآخران من لجنه الدستور كما ذكرنا أعلاه.
وقد خاطب الأب سترنينو البرلمان (كما أوردنا في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات) في 16 يونيو عام 1958موضحاً في ألمٍ وحسرة عن خيبة أمله في رفض الشماليين لمطلب الجنوبيين لنظام الحكم الفيدرالي في إطار السودان الموحّد، ومحذراً أن نتيجة هذا الرفض ستكون يوماً ما انفصال جنوب السودان رضي الشمال أم أبى.
وقد وقف التاريخ إلى جانبه، وصدقت نبوأته. ورفع نقضُ الأحزاب الشمالية لوعد الفيدرالية سقفَ مطالب أبناء الجنوب تدريجياً إلى نقطة حق تقرير المصير، ومن هناك إلى النتيجة المأساوية التي وصلت إليها البلاد في 9 يوليو عام 2011، بعد نصف قرنٍ من نقض وعد 19 ديسمبر عام 1955.
14
لقد قرّرت لجنة الدستور أن كل ما طلبه قرار البرلمان هو إعطاء الاعتبار الكافي لمطلب الحكم الفيدرالي، وهو ما فعلته اللجنة. بل لقد كان هذا أيضاً هو تفسير بعض القانونيين والسياسيين الشماليين للقرار.
من الجانب الآخر، رأى الأعضاء الجنوبيون في مجلس النواب أن ما تمّ في 19 ديسمبر 1955 كان حزمة اتفاقٍ تتكوّن من وقوف النواب الجنوبيين مع قرار إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان مقابل منح الجنوب الحكم الفيدرالي.
من الواضح أن تفسير لجنة الدستور لقرار البرلمان وطريقة تعاملها معه قد مثّلا استخفافاً كبيراً بمطلب النواب الجنوبيين وطموحاتهم. ويبدو من هذا المنطق أن القضية بالنسبة للسياسيين الشماليين هي مسألة نزاعٍ قانونيٍ بين طرفين يكسبها من هو أكثر “شطارة قانونية” من الآخر، وليست قضية وطنية سياسية خطيرة، اشتعلت بسببها حربٌ أهلية طاحنة قبل أكثر من أربعة أشهرٍ فقط من تاريخ القرار.
15
كما أنه لا بد من التوضيح أن قرار مجلس النواب في 19 ديسمبر عام 1955 ذكر أن “… مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية.”
يثير هذا القرار عدداً من الأسئلة، منها:
أولاً: لماذا أحال البرلمان مقترح الفيدرالية لجنوب السودان إلى لجنة الدستور ولم يتخذ فيها القرار بنفسه، وهو السلطة التشريعية العليا في البلاد؟
لقد اتخذ البرلمان قراراً أخطر من هذا عندما أعلن الاستقلال، فكيف ولماذا يفشل ويرفض اتخاذ قرارٍ بالفيدرالية للجنوب؟
ثانياً: لماذا تم عرض المسألة على لجنة الدستور، واعتبر الساسة الشماليون قرار لجنة الدستور نهائي، بدلاً من الانتظار وعرض الأمر على الجمعية التأسيسية إذا كان البرلمان لا يريد اتخاذ القرار؟
كما لابد من التوضيح والإضافة أن الدستور الذي ستصيغه اللجنة هو مجرد مسوّدة تنبني على ما تم الاتفاق عليه بين الأحزاب السياسية، وتتم مناقشتها ومراجعتها وتعديلها وإجازتها بواسطة الجمعية التأسيسية.
إنني اعتقد أن كل ما حدث كان انعكاساً لعدم الجدية من السياسيين الشماليين في التعامل مع مطلب الفيدرالية، ومع قضية الجنوب ككل، إن لم يكن مناورةً متفقاً عليها بين النواب الشماليين.
16
لم تُعمِّر الحكومة الائتلافية بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي طويلاّ، فقد نخرت في عظامها الخلافات السياسية والشخصية، ليس فقط بين الحزبين المؤتلفين، بل حتى من بين أعضاء كلٍ من الحزبين الحاكمين نفسيهما داخل الحكومة.
برز نزاع حلايب الحدودي مع مصر، ووقف حزب الأمة موقفاً صلباً ضد مصر، صعّد فيه الخلاف وأوصله إلى مجلس الأمن. من الجانب الآخر حاول حزب الشعب الديمقراطي بحكم علاقته الوطيدة مع مصر حلّ النزاع عن طريق التفاوض بين البلدين، دون اللجوء إلى طرفٍ ثالث، “وتفويت الفرصة على الاستعمار والامبريالية العالمية.”
ثم جاءت مسألة المعونة الأمريكية والتي لم يجد حزب الأمة مشكلةً في قبولها، بينما عارضها بشدّة حزب الشعب الديمقراطي باعتبار أنها “الغطاء لمشروع الرئيس الأمريكي ايزنهاور الامبريالي في الشرق الأوسط.”
17
وكانت علاقات الحكومة مع الاتحادات والنقابات السودانية مصدر شدٍ وجذب بين محاولات حزب الشعب الديمقراطي التعايش معها وكسب ودِّها، وبين رفض مواقفها ومطالبها بواسطة حزب الأمة الذي رأى فيها واجهةً للشيوعية.
وتأجّج الصراع على كراسي الوزارة بين قيادات الحزبين، فقد أصرّ حزب الشعب الديمقراطي على إشراك بعض قياديه الذين خسروا انتخابات فبراير عام 1958، في الوزارة مثل السيدين علي عبد الرحمن رئيس الحزب، وميرغني حمزة نائب الرئيس. لقي ذلك المقترح معارضةً ليس فقط من حزب الأمة، ولكن من بعض قيادات حزب الشعب الديمقراطي نفسه.
وقد نجح حزب الشعب الديمقراطي (أو في حقيقة الأمر السيد علي الميرغني راعي الحزب) في فرض مقترحه، وتمّ تعيين السيد علي عبد الرحمن وزيراً للداخلية، والسيد ميرغني حمزة نائبأ لرئيس الوزراء ووزيراً للزراعة والري. وقد رأى الكثيرون في هذين التعينين طعنةً لمبادئ الديمقراطية ونتائج الانتخابات والمشاركة في السلطة.
18
أزاء هذه الخلافات والمشاكل لم تعد قضية الجنوب من بين أسبقيات الحكومة والأحزاب السياسية رغم حالة الغليان والاحتقان في أوساط الساسة والمتعلمين الجنوبيين.
وقد تواصل منح الجنوبيين وزاراتٍ من الدرجة الثانية، فقد شملت الحكومة الائتلافية السادة بنجامين لوكي لوزارة الأشغال، وغوردون أيوم لوزارة الثروة الحيوانية، والفريد بورجوك لوزارة الثروة المعدنية.
19
تصاعدت الخلافات بين حزبي الائتلاف – الأمة والشعب الديمقراطي – وأحسّ السيد عبد الله خليل أن أيامه كرئيسٍ للوزراء قد قاربت نهايتها، وأنه سيفقد وظيفته القيادية نتيجة ائتلافٍ جديدٍ قادمٍ بين حزب الشعب الديمقراطي والحزب الوطني الاتحادي، أو حتى بين حزبه وأحد هذين الحزبين.
إزاء هذا الوضع وجّه السيد عبد الله خليل الفريق إبراهيم عبود بالقيام بانقلابٍ عسكري واستلام السلطة وتشكيل حكومةٍ مشتركة بين العسكريين والمدنيين السياسيين.
بعد تردّدٍ دام أسابيع، وضغوطٍ هائلةٍ ومتواصلةٍ من السيد عبد الله خليل، قام الفريق عبود في 17 نوفمبر عام 1958 – بعد أشهرٍ قليلة من الانتخابات النيابية الثانية في السودان – بانقلابه مُنهياً الحلقة الأولى من سلسلة حلقات الحكم المدني في السودان، ومبتدئاً حلقة قفز العسكر على مقاعد السلطة في السودان.
بتلك البساطة وجّه رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل طعنةً نجلاء للديمقراطية الوليدة لن تفيق منها البلاد أبداً، وفتح شهيّةَ العسكر للسلطة، والبابَ واسعاً للانقلابات العسكرية في السودان التي توالت وتواصلت منذ ذلك التاريخ.
20
وقد اتهمت القيادات الجنوبية السيد عبد الله خليل بأنه وجّه الفريق عبود باستلام السلطة ليقوم الجيش بحلِّ قضيةِ الجنوب عن طريق البندقية بعد فشل الحكم المدني في ذلك، وليس بالحل السلمي الفيدرالي أو بالتفاوض.
وقد كان حلُّ البندقية هو ما حاوله، وبعنفٍ وقسوٍة، الفريق عبود وصحبه في جنوب السودان على مدار ستة أعوامٍ، وهو ما أدّى إلى سقوطه في ثورة أكتوبر 1964، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.
 
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (5 – 12)
1
تتبّعنا في المقالات الأربعة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومطلب الأحزاب الجنوبية للنظام الفيدرالي.
بدأنا النقاش لمطلب الفيدرالية بمؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، وواصلنا بعد ذلك بمناقشة المطلب في الجمعية التشريعية عام 1948، ثم في لجنة الدستور عام 1951.انتقلنا بعد ذلك لانتخابات عام 1953 وبروز الحزب الليبرالي في جنوب السودان ببرنامجه الفيدرالي، والذي أكّده في مؤتمه العام في أكتوبر من ذلك العام.
أشرنا إلى تجاهل، ثم رفض، الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية. وأوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، التي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، وألقى باللائمة في الأحداث على حكومة السيد إسماعيل الأزهري.
انتقلنا بعد ذلك إلى قرار البرلمان في 19 ديسمبر 1955، والخاص باستقلال السودان والذي تضمّن الوعد بأن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية القادمة.
أوضحنا أن قرار لجنة الدستور، كما نقله السيد محمد أحمد محجوب، أن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جادّاً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.
2
شرحنا ردة الفعل في اوساط القوى السياسية الجنوبية والتي تمثّلت في خيبة أملٍ كبيرة، وفي رفع سقف المطالب في أواساط الكثيرين منهم، وفي الوصول لقناعةٍ في أوساط آخرين أن الشمال قد أغلق باب التفاوض، وأن كل ما تبقى لهم هو الانضمام للحركات المسلحة الجنوبية التي كان أعداد محاربيها في تزايدٍ مستمر.
وقد كان الإغلاق لباب التفاوض قد تم ليس فقط لمطلب الفيدرالية، بل تعداه بدعوة السيد عبد الله خليل للفريق إبراهيم عبود لاستلام السلطة، كما ذكرنا في المقال السابق، وكما سنتابع في هذا المقال. وسيناقش المقال ببعض التفصيل كيف تعامل الفريق عبود وصحبه مع مطلب النظام الفيدرالي، ومع قضية الجنوب ككل، وكيف أدّى حلُّ البندقية الذي تبنّوه إلى سقوطهم بعد ستة أعوامٍ من استلام السلطة.
3
استولى الفريق إبراهيم عبود ورفاقه العسكر على السلطة في 17 نوفمبر عام 1958، بناءً على دعوة السيد رئيس الوزراء عبد الله خليل، كما أشرنا في المقال السابق. أذاع الفريق عبود بيانه الأول وأعلن فيه تعليق العمل بدستور السودان المؤقّت لعام 1956، وحلَّ البرلمان والحكومة والأحزاب السياسية، ومصادرة ممتلكاتها، وفرض الأحكام العرفية في سائر أنحاء البلاد.
أوضح الفريق عبود أن أسباب قيام “ثورة 17 نوفمبر” هي الفساد وسوء الإدارة واستشراء شراء الذمم بين نواب البرلمان وما نتج عنه من عدم الاستقرار السياسي، والفشل في حلِّ مشكلةِ الجنوب.
4
أعلن الفريق عبود تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة من ثلاثة عشر ضابطاً من كبار العسكريين في الجيش السوداني، ومنحه السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية العليا في البلاد. وقد تمّ إدخال عدّة تعديلات على عضوية المجلس خلال السنوات الأولى بعد الانقلاب بسبب الخلافات داخل قيادات الجيش، وبسبب محاولات الانقلاب المتكرّرة، بدءاً بمحاولة الأميرالاي عبد الرحيم محمد خير شنان، والأميرالاي محي الدين أحمد عبد الله في مارس عام 1959.
غير أن عضوية المجلس الأعلى للقوات المسلحة ظلّت حصراً على ضباط الجيش الشماليين، ولم يتشرّف بعضويته أيُّ ضابط جيشٍ جنوبي خلال كل فترة حكم الفريق عبود، رغم وجود عددٍ من الضباط الجنوبيين في الجيش.
5
ولم يختلف الأمر كثيرأ في مجلس الوزراء الذي تمّ تشكيله بعد يومٍ من نجاح الانقلاب. فقد شمل المجلس وزيراً جنوبياً واحداً وهو السيد سانتينو دينق الذي شغل وزارة الثروة الحيوانية. وكان السيد سانتينو دينق وزيراً لنفس الوزارة في حكومة السيد عبد الله خليل التي أطاح بها الانقلاب العسكري. ويبدو أن وزارة الثروة الحيوانية قد أصبحت بذاك الوقت حقّاً مكتسباً للجنوبيين لا ينافسهم فيها شماليٌ.
شمل مجلس الوزراء أربعة مدنيين شماليين هم السادة أحمد خير لوزارة الخارجية، وعبد الماجد أحمد لوزارة المالية، وزيادة أرباب للتعليم والعدل، والدكتور محمد أحمد علي لوزارة الصحة، وهيمن العسكر على بقية الوزارات.
وقد كان السيد زيادة أرباب وزيراً لنفس الوزارات في حكومة السيد عبد الله خليل، وأصبح هو والسيد سانتينو دينق الوزيرين الوحيدين في حكومة الفريق عبود اللذين واصلا من الوزارة السابقة.
6
كما ذكرنا من قبل، فقد كان استيلاء الفريق عبود على السلطة بناءً على توجيهات رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل نفسه، كما أكّد ذلك تقرير القاضي صلاح شبيكة عن انقلاب 17 نوفمبر عام 1958.
بعد يومين من الانقلاب أصدر السيد عبد الرحمن المهدي إمام طائفة الأنصار وراعي حزب الأمة بياناً أعلن فيه عن تأييده للانقلاب. أوضح البيان أن السياسيين من قادة الأحزاب قد فشلوا في إدارة البلاد، وأن الحكومات الأربعة التي حكمت البلاد قبل الثورة (الانقلاب) لم يواكبها النجاح. كما أشار البيان إلى أن قيادات الجيش التي أخذت الأمور في أيديها سوف لن تسمح بالتردّد والفساد والفوضى في البلاد.
وقد تبع ذلك البيان بيانٌ مماثل من السيد علي الميرغني إمام طائفة الختمية وراعي حزب الشعب الديمقراطي، يعلن فيه أيضاً تأييده للانقلاب ويسأل الله أن تؤدي تلك الخطوة إلى الازدهار والتقدم للبلاد.
فسّر المراقبون البيانين بأنهما تأييد السيدين التام للحلِّ العسكري لقضية الجنوب الذي تبنّاه البيان الأول للفريق عبود.
7
وقد اتّهم بعض القادة الجنوبيين السيد عبد الله خليل بتدبير الانقلاب حتى يتسنّى للجيش حسم الحرب الأهلية في جنوب السودان بالبندقية، وبدون تدخلٍ من المدنيين.
وكما سنناقش في مقالٍ قادم، فقد شملت رسالة حزب سانو في 8 نوفمبر عام 1964 من منفاه في ليوبولدفيل في جمهورية الكونغو، إلى السيد رئيس وزراء حكومة ثورة أكتوبر الأولى، السيد سر الختم الخليفة، والتي اقترحت عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة قضية جنوب السودان، الفقرة التالية:
“ومن المفهوم أن بعض الأحزاب تواطأت مع الجيش لاتمام الانقلاب حتى تتمكن من تصفية قضية الجنوب. لكن التجربة المرة كشفت الغشاوة عن أعين المخدوعين.”
8
وسواءٌ كان هذا فعلاً أحد أسباب دعوة السيد عبد الله خليل للفريق إبراهيم عبود لاستلام السلطة ام لا، فقد كان ذاك هو تماماً ما قام به الفريق عبود وصحبه. فقد كان برنامجهم في الجنوب مبنيّاً على ركيزتين، هما: الحل العسكري لمشكلة التمرّد، وأسلمة وتعريب الجنوب كحلٍ متوازٍ ومكمّلٍ للحلّ العسكري بغرض دمج جنوب السودان ثقافياً مع شماله.
9
تسلّم الفريق عبود مهام وزارة الدفاع، بالإضافة إلى رئاسة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء. وأعلنت الحكومة الجديدة بعد أسابيع قلائل من الانقلاب أن جنوب السودان في حالة تمرّد على القانون والنظام، وأن الردَّ الوحيد والمناسب لهذا التمرد هو الردُّ العسكري الحاسم.
تمّ تعيين حاكمٍ عسكريٍ لكلٍ من المديريات التسعة في السودان. لكن حكام المديريات الجنوبية الثلاثة مُنِحوا كافة الصلاحيات العسكرية التي يحتاجونها لدحر التمرد.
بدأت مباشرةً بعد الانقلاب حملاتٌ عسكريةٌ مكثّفة في كل مناطق الجنوب التي يشتبه وجود متمردين فيها، وصاحبتها حملات اعتقالاتٍ واسعة شملت سياسيين وأكاديميين وطلاب مدارس وسلاطين. صاحبت تلك الحملات محاكماتٌ ايجازية أصدرت أحكاماً بالسجن لسنواتٍ طويلة لعددٍ كبيرٍ من المعتقلين بتهم التمرد على الدولة.
10
وتواصلت التصريحات النارية من قادة المجلس العسكري الجديد الحاكم في الخرطوم، متوعّدةً قيادات التمرد في الجنوب بالحريق والموت والدمار. فقد نُسِب إلى اللواء حسن بشير نصر، الرجل الأكثر قوّةً في نظام الفريق عبود، القول:
“إذا كان لا بُدَّ مما ليس منه بُدٌّ فستُضرم الحرائق في النبات والشجر والإنسان في الجنوب، ولن يبقى في تلك الأرجاء ديار، ولن تقوم بعدها لعقارب الأنانيا السامة قائمة.”
وقد كانت الحركات المسلحة في الجنوب قد أطلقت على نفسها اسم الأنانيا – أي العقارب السامة أو الأفعى السامة. وأصبحت تُعرفُ بذلك الإسم.
11
وقد سارت حكومة الفريق إبراهيم عبود في نفس نهج الأحزاب السياسية الشمالية في رفضها للنظام الفيدرالي لجنوب السودان. بل إن الحكومة الجديدة حذّرت ساسة وسلاطين وأبناء الجنوب من المطالبة بالنظام الفيدرالي، وقرّرت أن يكون ذلك النوع من المطالب السياسية جريمةً يعاقب عليها القانون. وتم بالفعل سنّ تلك القوانين الطائشة.
12
كما أن اللواء محمد طلعت فريد، عضو المجلس الأعلىى للقوات المسلحة، ووزير الاعلام والعمل، والناطق الرسمي بإسم حكومة الفريق إبراهيم عبود، أعلن صراحةً للصحف السودانية في 3 ديسمبر عام 1958:
“لن نعترف بالفيدريشن، ولا نعترف بأن أيّةَ منطقة هي ملكٌ لأبناء تلك المنطقة دون سواهم. إننا نؤمن بأن السودان كله، شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، بكامل حدوده الجغرافية، وحدةٌ واحدةٌ لا تتجزّأ.”
وواصل اللواء محمد طلعت فريد “إن حكومة الثورة لن تتهاون مطلقاً مع كل من يحاول تمزيق وحدة البلاد وستضرب بشدّة على كل من تسوّل له نفسه أن يسعى لذلك.”
13
وقد انفتح باب العقاب للمطالبة بالنظام الفيدرالي لجنوب السودان الذي وعد به اللواء طلعت فريد الجنوبيين واسعاً وعلى مصراعيه عندما أعلن الحاكم العسكري للمديرية الإستوائية في 8 فبراير عام 1959 عن تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة احد المواطنين، وهو سائق شاحنة جنوبي، بتهمة المطالبة بالنظام الفيدرالي لجنوب السودان. وفي وقتٍ لاحق أعلن الحاكم العسكري أن المحكمة أدانت المتهم وحكمت عليه بالسجن خمس سنوات. وتواصل ذلك النوع من المحاكم العبثية.
وكان السياسي الجنوبي السيد أزبوني منديري وقتها في السجن أيضاً بعد إدانته بالمطالبة بالنظام الفيدرالي، وبقي بالسجن حتى قيام ثورة أكتوبر عام 1964.
14
ورغم أن حكومة الفريق عبود لم تتبنّى نظام الإسلام السياسي كفلسفةٍ لحكم البلاد، أو تصدر قوانين إسلامية، إلا أنها تحرّكت بسرعة في اتجاه أسلمة وتعريب جنوب السودان باعتبار أن المشكلة هي قضيةُ تكاملٍ ثقافيٍ بين شطري البلاد سوف يحلّها اعتناق الجنوبيين للديانة الإسلامية وتحدثهم اللغة العربية.
وقد قرّر النظام الجديد في الخرطوم فرض الاثنين – الإسلام واللغة العربية – بالقوة في جنوب البلاد كحلٍ طويل المدى لمشكلة الجنوب. من هنا أخذ الحل العسكري في الجنوب بُعداً إسلامياً عربياً حتى مع غياب أي ادعاء أو مناداةٍ بدولةٍ إسلاميةٍ في السودان. وكما ذكرنا أعلاه، فقد رأت حكومة الفريق عبود في فرض الهوية الشمالية في الجنوب وسيلةً للاندماج والتكامل بين شطري البلاد.
15
ولتطبيق هذا التوجّه الأهوج فقد أصدرت الحكومة قراراً بأن تحلَّ اللغةُ العربية مكان اللغة الإنجليزية واللغات المحلية في الجنوب، وأن تكون اللغة العربية هي لغة التدريس في المدارس ولغة التعامل في المكاتب. نتج عن هذا القرار إبعاد الموظفين والمدرسين الجنوبيين الذين لم يكونوا يتحدثون اللغة العربية، وإحلالهم بموظفين شماليين.
لا بُدَّ من الإشارة هنا إلى أنه تمّ إدخال اللغة العربية في الجنوب في عام 1949، بعد عامين من مؤتمر جوبا، وقد كانت تُدرّس جنباً إلى جنب مع اللغة الإنجليزية. ولكن أصبحت اللغة العربية في سنوات الفريق عبود هي اللغة الوحيدة المسموح تدريسها والعمل بها في مدارس ومكاتب الجنوب.
وقد كانت هناك تحفّظاتٌ من بعض القادة الجنوبيين لإدخال اللغة العربية في مدارس الجنوب عام 1949. فقد تخوّف هؤلاء القادة في أن يكون إدخال اللغة العربية هو حصان طروادة لفرض الإسلام في مدارس الجنوب، وهذا ما حدث فعلاً مع بداية حكم الفريق عبود.
16
لتطبيق برنامجها الإسلامي في الجنوب،فقد قامت الحكومة بطرد كل المنظمات الكنسية والتبشيرية والبالغ عددها أكثر من 300 منظمة من الجنوب، وإغلاق الكنائس والمدارس التابعة لها. وصدر في عام 1962 قانون الجمعيات التبشيرية والذي يتطلّب من كل جمعية الحصول على إذنٍ قبل ممارسة أي نوعٍ من النشاط في جنوب السودان. تحدثت الحكومة أيضاً عن “سودنة التبشير” في الجنوب، ولكن يبدو أن ذلك الحديث كان لامتصاص الغضب حول طرد المنظمات الكنسية الأجنبية من جنوب السودان.
17
وقد كانت نتيجة إغلاق المدارس التابعة للمنظمات الكنسية هي انضمام عددٍ كبيرٍ من طلاب هذه المدارس إلى الحركات المسلحة، بعد أن فشلت السلطات في استيعابهم في المدارس الحكومية. ويُعزى ذلك الفشل إلى قلّة المدارس في الجنوب، ومحدودية الأماكن لاستيعاب الطلاب فيها، وعدم رغبة الحكومة في التوسع في التعليم في الجنوب. غير أن حكومة الفريق عبود لم تتنبّه إلى ذلك الخطأ الكارثي إلّا بعد فوات الأوان.
18
وقد تقرّر أيضاً أن تكون عطلة نهاية الأسبوع هي يوم الجمعة بدلاً من يوم الأحد الذي كان العطلة منذ دخول الحكم الثنائي جنوب السودان.
كما بدأت الحكومة في مشروعٍ متكامل لإرغام الجنوبيين على تغيير أسمائهم المسيحية والمحلية بأسماء عربية إسلامية، وفي فتح المساجد (مع إغلاق الكنائس) وتدريس المواد الإسلامية. وقد تمّ تطبيق هذه الإجراءات العبثية الطائشة الهوجاء بقوة السلاح التي منحتها الحكومة بدون قيودٍ لحكام الجنوب العسكريين الجدد.
وهكذا تزامن التصعيد العسكري لهزيمة التمرد مع تصعيد برنامج التكامل الثقافي بفرض اللغة العربية والديانة الإسلامية في كل أنحاء جنوب السودان.
19
نتج عن تلك الإجراءات العسكرية القاسية وإجراءات دمج الجنوب ثقافياً مع الشمال هروب عشرات الآلاف من السودانيين الجنوبيين (الذين لم يتم اعتقالهم) إلى دول الجوار – كينيا ويوغندا وتنزانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير وقتها)، واكتظت معسكرات اللاجئين في هذه الدول بهؤلاء اللاجئين.
وقد أدّت هذه السياسات الطائشة الهوجاء إلى انخراط عشرات الآلاف من الشباب الجنوبيين في حركة المقاومة في الجنوب التي أطلقت على نفسها الأنيانيا، والتي واصلت الحكومة تسميتها بحركة التمرد والخوارج. وقد أشرنا إلى هذه المسألة في الجزء 17 أعلاه.
20
في تلك الأثناء قام القادة السياسيون الجنوبيون – السادة ويليام دينق وسترنينو لوهوري وجوزيف أدوهو – من منفاهم في شرق أفريقيا بإنشاء حزب الاتحاد الوطني الأفريقي السوداني، أو ما عُرف بحزب سانو – وهي الكلمة التي تكوّنها الأحرف الأولى لإسم الحزب باللغة الإنجليزية:
Sudan African National Union (SANU).
تبنّى هذا الحزب مطلب النظام الفيدرالي الذي كان ينادي به الحزب الليبرالي الجنوبي في بداية الخمسينيات، رغم نمو وتصاعد النعرة الانفصالية في أوساط مقاتلي الأنيانيا والشباب في جنوب السودان، ووسط اللاجئين في الدول المجاورة للجنوب.
21
وقد مارست حكومةالفريق عبود ضغوطاً كبيرةً لإقناع الحكومةاليوغندية بتسليمها قيادات حزب سانو (باعتبار أن المطالبة بالفيدرالية جريمة بمقتضى القانون السوداني)، لكن الحكومة اليوغندية لم تذعن لتلك الضغوط، بل اندهشت في حقيقة الأمر لذلك الطلب المتغطرس الغريب.
كما أن العلاقات العرقية والثقافية وتداخل القبائل بين جنوب السودان ودول كينيا ويوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ساهمت كثيراً في نمو التعاطف مع قضية مواطني جنوب السودان، وقبولهم والسماح لهم بالإقامة والعمل والدراسة في تلك الدول.
22
وقد وضح تعاطف تلك الدول مع قضية مواطني جنوب السودان في حديث أحد نواب البرلمان اليوغندي في إحدى جلسات البرلمان عندما تحدث عن الحرب المدمرة في جنوب السودان، وتساءل: كيف نستطيع أن نتحدث عن جرائم حكومة جنوب أفريقيا وحكومة البرتقال (في انقولا وموزمبيق) في الوقت الذي يجري فيه ذبح المواطنين في بلدٍ مجاور لنا؟
23
غير أن كلّ تلك السياسات الهوجاء والإجراءات العسكرية القاسية من حكومة الفريق عبود لم تنجح في كبح جناح الحركات المسلحة في جنوب السودان، أو حتى وقف نموه. بل أدّت في حقيقة الأمر، إلى عكس ذلك تماماً بهروب عشرات الآلاف من شباب الجنوب وانضمامهم إلى الحركات المسلحة.
وظلّت القوات المسلحة تواجه الخسائر البشرية والمادية المتزايدة في أحراش وغابات جنوب السودان التي لم يكن لدى أفرادها أدنى تصوّر لطبيعتها القاسية ولوسائل التعايش معها. وتفشّت أمراض المناطق الإستوائية، خصوصاً مرض الملاريا والبلهارسيا، وسط الضباط والجنود، مما ساهم كثيراً في تردّي الحالة الصحية والروح المعنوية لهؤلاء الضباط والجنود.
24
بعد خمسة أعوامٍ من السياسات العسكرية الهوجاء الفاشلة، والخسائر البشرية والمادية المتواصلة للجيش السوداني في الجنوب، أحسّ الفريق إبراهيم عبود ورفقاؤه في المجلس الأعلى للقوات المسلحة بضرورة مراجعة تلك السياسات والبحث عن حلول أخرى.
كوّن الفريق عبود في 20 أغسطس عام 1964 لجنةً من 27 شخص، 15 من الشماليين و12 من الجنوبيين للنظر في مشكلة الجنوب ودراسة أبعادها لإعادة الثقة بين شقي البلاد والمحافظة على وحدة القطر، والتقدّم بتوصياتٍ في هذا الشأن للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
شملت اللجنة من الشماليين السادة سر الختم الخليفة، وأحمد محمد يس، وبشير محمد سعيد. وشملت من الجنوبيين السيد سرسيو ايرو العضو بمجلس السيادة الأول في السودان، والسلطان لوليك لادو الذي شارك في مؤتمر جوبا عام 1947، وفي لجنة القاضي قطران التي قامت بالتحرّي في أحداث توريت عام 1955.
25
غير أن الأمر بتشكيل اللجنة ومرجعيتها وضع المسئولية على الأوضاع في جنوب السودان “على عاتق تمرّد عام 1955 الذي أودى بحياة المئات من الشماليين الأبرياء،” “وعلى الاستعمار البريطاني الذي أغلق الجنوب أمام الشماليين ومنعهم من التداخل والتواصل مع إخوانهم في الجنوب.”
كما أوضح أمر تشكيل اللجنة أن الخلافات العرقية واللغوية والدينية والثقافية بين شطري البلاد لا يجب أن تكون سبباً للتمرد لأن هذه الخلافات تسود بين قبائل الجنوب الكثيرة نفسها.
يبدو أن من قاموا بكتابة مرجعية هذه اللجنة قد قرأوا تقرير القاضي قطران وتحميله حكومة السيد إسماعيل الأزهري مسئولية أحداث توريت عام 1955، فقرروا أن يغلقوا الطريق أمام اللجنة من السير في طريقه.
26
جاء تكوين اللجنة متأخراً كثيراً، وكانت صلاحياتها محدودةً، وفرضت عليها مرجعيتها الكثير من القيود. بل في حقيقة الأمر فإن تلك المرجعية وجّهت اللجنة بما يجب أن يشمله التقرير.
لكن قبل أن تنتهي اللجنة من أعمالها قام الشماليون الذين أرهقتهم الحرب وفقدوا فيها الكثير من أبنائهم وإخوانهم وأقاربهم ومعارفهم بالثورة على النظام. تصاعدت الثورة التي اندلعت من جامعة الخرطوم وامتدت لكل أنحاء السودان في 21 أكتوبر عام 1964، أي بعد شهرين فقط من تكوين اللجنة.
كانت مشكلة جنوب السودان الوقود الذي غذّى الثورة، وكانت المطالبة بحلٍ سلميٍ لتلك المشكلة هي أهم وأعلى الشعارات والمطالب التي رفعها المتظاهرون.
بل إن ندوة جامعة الخرطوم التي أطلقت شرارة ثورة أكتوبر كانت عن قضية الجنوب. وقد طالب المتظاهرون أيضاً بعودة الحريات التي صادرها نظام الفريق عبود، واستقلال القضاء والتعليم الجامعي.
27
بعد أيامٍ من المحاولات الفاشلة لإخماد المظاهرات بالعنف والاعتقالات قام الفريق إبراهيم عبود بحلّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء، وتسليم السلطة لجبهة الهيئات التي قادت ثورة أكتوبر والتي كانت تُمثّل الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات.
28
وإذا كان الحل العسكري لقضية الجنوب هو الذي قاد السيد عبد الله خليل لتوجيه الفريق عبود باستلام السلطة كما حدث في 17 نوفمبر عام 1958، فإن فشل ذلك الحل كان الوقود الذي أشعل وغذّى ثورة أكتوبر. وكان رفض مطلب الفيدرالية كامناً في قلب الحدثين.
29
ولقد تواصل ذلك الفشل في حلِّ قضية الجنوب بالرفض القاطع والإجماعي من الشمال لمطلب الفيدرالية المتواضع الذي واصلت القيادات الجنوبية إثارته. حدث ذلك خلال الفرصة التاريخية النادرة التي نتجت عن ثورة أكتوبر، وتمثّلت في مؤتمر المائدة المستديرة. وقد أهدر الشماليون تلك الفرصة في غطرسةٍ وعناد، كما سنناقش في المقال القادم (والسادس) في هذه السلسلة من المقالات.
 
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (6 – 12)
1
تتبّعنا في المقالات الخمسة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومطلب الأحزاب الجنوبية للنظام الفيدرالي.
بدأنا النقاش لمطلب الفيدرالية بمؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، وواصلنا بعد ذلك بمناقشة المطلب في الجمعية التشريعية عام 1948، ثم في لجنة الدستور عام 1951. انتقلنا بعد ذلك لانتخابات عام 1953 وبروز الحزب الليبرالي في جنوب السودان ببرنامجه الفيدرالي، والذي أكّده في مؤتمه العام في أكتوبر من ذلك العام.، وأشرنا إلى تجاهل ثم رفض الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية.
أوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، والتي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، وألقى باللائمة في الأحداث على حكومة السيد إسماعيل الأزهري.
2
انتقلنا بعد ذلك إلى قرار البرلمان في 19 ديسمبر 1955، والخاص باستقلال السودان والذي تضمّن الوعد بأن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية القادمة.
أوضحنا أن قرار لجنة الدستور، كما نقله السيد محمد أحمد محجوب، أن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان. بذلك القرار المتغطرس الخاطئ تم نسفُ أمل وطموح الجنوبيين لنيل النظام الفيدرالي، ورفعُ سقف مطالبهم.
ناقشنا بعد ذلك انقلاب 17 نوفمبر الذي نتج عن توجيه السيد عبد الله خليل رئيس الوزراء للفريق عبود لاستلام السلطة. وقد تناولنا ببعض التفصيل السياسات الرعناء التي اتبعها الفريق عبود وصحبه لحل قضية الجنوب – التصعيد العسكري القاسي الحاد، وسياسات أسلمة وتعريب الجنوب بالقوة، بغرض دمج الجنوب ثقافياً في الشمال. أوضحنا أن مصير تلك السياسات الهوجاء كان الفشل التام والذي قاد بدوره إلى اندلاع ثورة أكتوبر وسقوط نظام الفريق عبود.
3
اتفّق قادةُ الأحزاب والنقابات والاتحادات التي قادت ثورة أكتوبر، والتي سمّت نفسها “جبهة الهيئات”، على وثيقةٍ سموها “الميثاق الوطني” يوم 27 أكتوبر عام 1964. تضمّن الميثاق خارطة طريق لعودة الديمقراطية، شملت الغاء الأحكام العرفية وعودة جميع الحريات التي صادرها نظام الفريق عبود.
تمّ الاتفاق أيضاً على العودة لدستور السودان المؤقت لعام 1956، والذي كان قد انبنى على إعادة صياغة بعض مواد قانون الحكم الذاتي لعام 1953 على عجلٍ في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر عام 1955، وتمّت تسمية الدستور الجديد “دستور السودان المؤقت لعام 1964.”
تشكّلت يوم 30 أكتوبر عام 1964، أي بعد عشرة أيامٍ من اندلاع الثورة، حكومةٌ عريضةٌ من ممثلي منظمات جبهة الهيئات برئاسة السيد سر الختم الخليفة. لم يكن للسيد سر الختم الخليفة دورٌ في قيادة ثورة أكتوبر. وقد تمّ اختياره بصفته المهنيّة فقط، والتي ظلّ يتولاها حتى لحظة اختياره رئيساً للوزراء. وكما ذكرنا في المقال السابق، فقد قام الفريق عبود بتعيين السيد سر الختم الخليفة عضواً في اللجنة التي شكّلتها الحكومة في أغسطس عام 1964 لدراسة قضية الجنوب، ربما لأنه عمل لفترةٍ من الزمن في جنوب السودان.
4
لم تشمل قائمةُ الموقّعين على الميثاق الوطني (والتي تضمّنت 28 من القيادات الحزبية والنقابية) قيادياً واحداً من جنوب السودان. ولكن لا يبدو أن أحداً من القيادات الشمالية قد فطن إلى ذلك الخلل، لأنه تناسق مع التجاهلات الكثيرة السابقة لأبناء الجنوب منذ مفاوضات القاهرة في عام 1952 والتي قادت إلى توقيع اتفاقية تقرير المصير الخاصة بالسودان في 12 فبراير عام 1953
كما أن الميثاق الوطني نفسه لم يتضمّن أيّة فقرةٍ عن مشكلة الجنوب، رغم الاعتقاد الكبير والعام (الخاطئ) بشمولية القضايا التي تناولها الميثاق. فلأن مشكلة الجنوب كانت السبب الرئيسي لثورة أكتوبر، فمن الضروري أن يكون الميثاق الوطني، كما تصوّر الكثيرون، قد تناول تلك المشكلة، حتى لو لم يتعرّض لها في حقيقة الأمر.
5
غير أن الحكومة الجديدة، برئاسة السيد سر الختم الخليفة، شملت ثلاثة وزراء جنوبيين، منهم السيد كلمنت أمبورو الذي تسلّم مهام وزارة الداخلية. كانت تلك أول مرّة في تاريخ السودان يتولى فيها سياسيٌ جنوبيٌ مهام وزارة سيادية منذ تشكيل أول وزارة وطنية في السودان عام 1954.
فقد ابتدع السيد إسماعيل الأزهري عام 1954 في أول مجلس وزراء مناصب وزراء دولة بلا أعباء للجنوبيين، كما أوضحنا من قبل. وبعد عامٍ قام بمنِح الجنوبيين وزاراتٍ من الدرجة الثانية مثل المخازن والمهمات، والنقل الميكانيكي، ثم تمّت ترقيتهم إلى وزارة الثروة الحيوانية.
وكما ذكرنا من قبل، فقد شارك السيد كلمنت أمبورو في مؤتمر جوبا عام 1947، ولعب دوراً إيجابياً كبيراً في نجاح المؤتمر.
بالاضافة إلى السيد كلمنت أمبورو، شملت الوزارة السيد أزبوني منديري وزيراً للمواصلات، والسيد هيلري لوقالي وزيراً للأشغال. وكان السيد أزبوني منديري قد قضى عدّة سنواتٍ في السجن بعد إدانته بتهمة المطالبة بالنظام الفيدرالي بواسطة حكومة الفريق عبود، وتم الإفراج عنه بعد نجاح ثورة أكتوبر.
6
تمّت إعادة مجلس السيادة بموجب دستور السودان الجديد المؤقت لعام 1964 كرأسٍ للدولة، ومثّل السيد لويجي أدوك الجنوب فيه. وكان الفريق إبراهيم عبود قد شغل منصب رأس الدولة لفترةٍ قصيرة بعد سقوط نظامه في أكتوبر عام 1964، بناءً على طلب جبهة الهيئات، حتى يتم الاتفاق على دستور عام 1964، والتوافق على أعضاء مجلس السيادة الجديد.
عليه فقد تمّ إبعاد الفريق عبود من منصب رأس الدولة في 14 نوفمبر عام 1964 حال الاتفاق على الشخصيات التي سيشملها مجلس السيادة، رغم عرض المسألة كاستقالةٍ من الفريق عبود نفسه.
تشكّل مجلس السيادة في 14 نوفمبر عام 1964، بعد دقائق من إعلان “استقالة” الفريق عبود كرأسٍ للدولة. شمل المجلس السادة الدكتور التيجاني الماحي، الدكتور مبارك الفاضل شداد، عبدالحليم محمد، إبراهيم يوسف سليمان، ولويجي أدوك. وقد ظلّت تلك المجموعة في عضوية المجلس حتى قيام الانتخابات وإعادة تشكيل المجلس في يونيو عام 1965، كما سنناقش في مقالٍ لاحق.
7
كما ذكرنا أعلاه لم تشمل جبهة الهيئات أي عضوٍ من جنوب السودان، رغم أن السبب الرئيسي لاندلاع ثورة أكتوبر كان قضية الجنوب، وأن الحل السلمي لها كان المطلب الرئيسي للثوار.
كان يمكن، بل في حقيقة الأمر كان يجب على جبهة الهيئات، تمثيل الجنوبيين في عضويتها. وكان من الضروري أن يكون واحداً على الأقل من هؤلاء القادة الأربعة (السادة كلمنت أمبورو، أزبوني منديري، هيلري لوقالي، أو لويجي أدوك) أحد الموقعين على الميثاق الوطني. كان ذلك الوضع سيعكس أهمية تمثيل جنوب السودان، ويؤكّد حقيقة أن السبب الرئيسي لاندلاع ثورة أكتوبر كان حرب الجنوب، ويضع حلَّ المشكلة على رأس قائمة الأسبقيات.
8
رغم ذلك الإغفال الكبير في الميثاق الوطني، فقد أعلنت الحكومة الجديدة أن من أوائل مهامها الوصول إلى حلٍّ لمشكلة الجنوب، كما طالبت جماهير الشعب السوداني التي أشعلت الثورة. وقد أرسل ذلك الإعلان، وتعيين السادة كلمنت أمبورو، وأزبوني منديري، وهيلري لوقالي كوزراء، رسالةً إيجابيةً إلى القادة السياسيين الجنوبيين، وقرّر عددٌ منهم التجاوب معها.
9
أرسل رئيس حزب سانو، السيد ويليام دينق الذي كان يقيم في المنفى في مدينة ليوبولدفيل (كينشاسا لاحقاً) في جمهورية الكونغو الديمقراطية، رسالةً إلى السيد سر الختم الخليفة رئيس الوزراء في الثامن من شهر نوفمبر عام 1964 يهنئه والشعب السوداني فيها بنجاح ثورة أكتوبر وتبنّي الحل السلمي لمشكلة الجنوب.
اقترحت الرسالة عقد مؤتمر مائدة مستديرة يضم كافة الأحزاب السياسية السودانية وممثلين للنقابات والاتحادات لمناقشة الخطوط العامة للعلاقات الدستورية بين الشمال والجنوب.
طالبت الرسالة كشرطٍ لعقد المؤتمر العفو غير المشروط عن جميع اللاجئين، والاعتراف بحزب سانو كحزبٍ سياسي يحقُّ له أن يشترك في الانتخابات التي تقرّر أن تُقام في شهر مارس عام 1965 على أساس برنامجه المتمثّل في الحكم الفيدرالي.
طالبت الرسالة أيضاً برفع حالة الطوارئ في الجنوب، ودعوة ممثلين لمنظمة الوحدة الأفريقية والدول المجاورة ومنظمة الأمم المتحدة لحضور المؤتمر بصفة مراقبين ومستشارين.
10
تطرّقت الرسالة للعلاقة التاريخية بين الشمال والجنوب والوعود التي لم يفِ بها الشمال ومرارات الحرب الأهلية، ونادت الرسالة بالتسليم بأن السودان دولةٌ أفريقيةٌ عربيةٌ لها شخصيتان وثقافتان متمايزتان، لكن يمكن أن يتعايشا في سلامٍ تحت مظلة النظام الفيدرالي. دعونا نتوقّف لحظةً عند هذه الفقرة الوطنية الرائعة من رسالة حزب سانو التي دعتْ إلى:
“التسليم بأن السودان دولةٌ أفريقيةٌ عربيةٌ، لها شخصيتان متمايزتان وثقافتان ومزاجان، احداهما زنجية والأخرى عربية، وذلك أمرٌ لا يرتبط بأي شكلٍ بموضوع الدين واللغة. فلن يستطيع الإسلام أو المسيحية أن يوحّد السودان، ولن تستطيع ذلك اللغة العربية، وهي أمورٌ حدثت مبالغة في أهميتها في السنوات الأخيرة.
فالوحدة في نطاق التعددية هي الحلُّ لمشكلة الجنوب. وهو الحلُّ الذي يمكن أن يتجسّد في دستورٍ فيدرالي. وإن كفاح الجنوب الذي يغلب عليه الطابع السياسي يشمل الجنوبيين على اختلاف معتقداتهم: مسيحيين ووثنيين وغيرهم.
ولا يجب أن نخشى الوحدة الفيدرالية التي ساعدت على إبقاء الوحدة بين الشعوب المختلفة في مناطق كثيرة في العالم. وأكبر دولتين في العالم اليوم هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تقومان على أساسٍ فيدرالي. ولدينا في أفريقيا مثال نيجيريا.
أما اللجوء إلى السيطرة على الجنوب بالقوة واستخدام الأساليب الاستعمارية البالية في التسويف والاحتواء فهي أضمن سبيل لتحطيم وحدة الوطن.”
11
وكما قد يلاحظ القارئ، فهذه الفقرات من رسالة السيد ويليام دينق في 8 نوفمبر عام 1964 هي في مضمونها نفس الفقرات من الرسالة التي وجّهها الأب سترنينو لوهوري رئيس كتلة النواب الجنوبيين للبرلمان السوداني في 19 يونيو عام 1958 (قبل ستِّ سنوات)، والتي ضمّناها في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات. وكلا الرسالتين تفيض وطنيةً وحلماً بحلٍ سلميٍ فيدراليٍ لقضية الجنوب، تحت مظلة وحدة البلاد.
12
وقد أرسل حزب سانو صورةً من تلك الرسالة إلى جميع الأحزاب السودانية، وإلى نائب مدير جامعة الخرطوم وإلى اتحاد طلابها أيضا (كاعترافٍ بدور الجامعة في ثورة أكتوبر ومناداتها بالحل السلمي لقضية الجنوب).
كما تم إرسال صورة من الرسالة إلى كافة الدول الأفريقية والسكرتير العام لمنطمة الوحدة الأفريقية، وإلى سكرتير عام الأمم المتحدة في نيويورك، ومندوب الأمم المتحدة لشئون اللاجئين في جنيف، ولجنة الحقوقيين الدولية في جنيف، ورئيس القسم الخاص بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في نيويورك.
13
أرغمت تلك النغمةُ التصالحية والإيجابية من حزب سانو الحكومةَ السودانية الجديدة على التجاوب مع مضمون الرسالة. فقد قام السيد رئيس الوزراء بالردِّ عليها بعد مشاوراتٍ موسعةٍ ومطولةٍ مع قيادات الأحزاب. تضمّن ردّ السيد رئيس الوزراء الترحيب وقبول مقترح مؤتمر المائدة المستديرة، والموافقة على إصدار العفو غير المشروط لكل من حمل السلاح في جنوب السودان.
ولكن رسالة رئيس الوزراء تعثّرت وارتبكت في مقترح النظام الفيدرالي، واقترحت ترك مناقشة النظام الفيدرالي خلال المؤتمر نفسه. لا بد من ملاحظة أن نفس هذا التعثّر واجه رسالة الدكتور جون قرنق إلى الدكتور الجزولي دفع الله بعد نجاح انتفاضة أبريل عام 1985، والتي طالب فيها الدكتور قرنق بإلغاء قوانين سبتمبر. فقد كان رد الدكتور الجزولي دفع الله أن تلك المسألة يجب تركها للمؤتمر الدستوري نفسه، كما ناقشنا في السلسلة الأولى من هذه المقالات.
14
برزت بعد مكاتباتٍ أخرى بين الطرفين خلافاتٌ في مسألتين، الأولى تتعلّق بمكان عقد المؤتمر والذي رأت الأحزاب الجنوبية عقده خارج السودان بينما رأت حكومة السودان عقده داخل السودان.
وقد نظرت الحكومة في مقترح عقد المؤتمر في مدينة جوبا كحلٍ وسط وكرسالةٍ إيجابيةٍ لأبناء الجنوب. غير أن الحكومة صرفت النظر عن هذا المقترح بسرعة، بسبب تخوفاتها السياسية عما قد ترسله تلك الرسالة، وبسبب الوضع الأمني في الجنوب وقتها.
كان الخلاف الثاني يتعلّق بالمراقبين الأجانب الذين أصرّت عليهم الأحزاب الجنوبية، ولم تتحمّس الحكومة السودانية للمقترح خوف أن يفتح وجود مراقبين أجانب باب التدخّل الأجنبي في مشاكل السودان الداخلية.
وكحلٍ وسط اتفق الطرفان على عقد المؤتمر في الخرطوم ودعوة سبع حكوماتٍ أفريقيا، شملت كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجريا وغانا والجزائر لإرسال مراقبين للمؤتمر.
15
بينما كانت الاستعدادات تجري على قدمٍ وساق لعقد مؤتمر المائدة المستديرة أبى تاريخ السودان التعيس المضطرب إلّا أن يحدث ما يُعكّر الجو السياسي بين الشمال والجنوب.
فقد ذهب آلاف الجنوبيين إلى مطار الخرطوم لاستقبال وزير الداخلية السيد كلمنت أمبورو الذي كان عائداً من زيارةٍ لجنوب السودان في صباح يوم الأحد 6 ديسمبر عام 1964.
تأخّرت الطائرة لعدة ساعات، ويبدو أن المستقبلين الجنوبيين لم يتلقّوا إيضاحاً لأسباب تأخّر الطائرة، وظنوا أن هناك مشكلةً، أو أن مكروهاً ما قد حلّ بقائدهم. حدث هرجٌ ومرجٌ داخل المطار وانتقل بسرعة البرق خارج المطار، وامتد بعد ساعاتٍ لعدّة مناطق في العاصمة الخرطوم. هاجم المتظاهرون الممتلكات العامة التي أصاب بعضها خسائر كبيرة.
أمرت الحكومة بالتعامل مع الاضطرابات بحزمٍ وحسم، واعتقلت أعداداً كبيرة من الجنوبيين وحجزتهم لأيام في أحد ملاعب كرة القدم في الخرطوم تحت ظروفٍ سيئةِ.
عاد السيد كلمنت أمبورو للخرطوم سالماً وتمّ إطلاق سراح المعتقلين. لكن هذه الحادثة والتي سُمّيت “الأحد الأسود” تركت آثارها السالبة على العلاقات الشمالية الجنوبية، وأصبحت مصدر تخوفٍ، وحتى نذير شؤمٍ، لما هو آتٍ لدى بعض المراقبين لمؤتمر المائدة المستديرة.
16
كما أن حكومة السيد سر الختم الخليفة التي تشكلّت في نهاية شهر أكتوبر عام 1964 تعرّضت لضغوطٍ سياسيةٍ كبيرة من تكتّلٍ جديد أنشأه الحزبان الرئيسيان (الأمة والوطني الاتحادي) مع جبهة الميثاق الإسلامي، واضطرت للاستقالة في 18 فبراير عام 1965، بعد أقل من أربعة أشهرٍ من استلامها السلطة.
ومضى قرابة الأسبوع قبل أن تتشكّل حكومةٌ جديدة، كان صوت ووجود التكتّل الجديد فيها عالياً وواضحاً، وانكمش كثيراً وجود ودور جبهة الهيئات. لم يكن ذلك التطور مؤشّراً إيجابياً للوضع السياسي، وللتطورات التي تلته، ولمؤتمر المائدة المستديرة المرتقب.
17
بعد خمسة أشهرٍ من ثورة أكتوبر، وأربعة أشهر من مبادرة حزب سانو، وثلاثة أشهر من حادثة الأحد الأسود، وأقل من شهرٍ من تشكيل حكومة السيد سر الختم الخليفة الثانية، انعقد مؤتمر المائدة المستديرة. بدأ المؤتمر يوم 16مارس عام 1965 واستمر لمدة أربعة عشر يوماً حتى يوم 29 من الشهر نفسه.
تمّ الاتفاق على أن يُمثّل كل حزبٍ من الشمال (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، والشيوعي، وجبهة الميثاق الإسلامي)، وجبهة الهيئات، بثلاثة أعضاء، بينما يُمثّل حزب سانو بتسعة أعضاء، وجبهة الجنوب بتسعة أعضاء (ثمانية عشر عضو لكلٍ من الشمال والجنوب).
غير أن الأحزاب الشمالية أصرّت على تمثيل مجموعةٍ ثالثةٍ من الجنوبيين الذين بقوا في السودان ليمثلوا الآراء الأخرى للجنوبيين، وهم من تمّ تسميتهم “جنوبيي الداخل”، ممن كانت لهم علاقة وطيدة بالحزبين الكبيرين، بتسعة أعضاء أيضاً تختارهم الحكومة. كانت خطة وتوقّعات الأحزاب الشمالية أن يرجّح جنوبيو الداخل كفّة المشاركين في مؤتمر المائدة المستديرة لصالحهم.
18
قاد وفد كلِ حزبٍ من أحزاب الشمال الرئيس أو الأمين العام للحزب (حزب الأمة السيد الصادق المهدي، والوطني الاتحادي السيد إسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي السيد علي عبدالرحمن، والحزب الشيوعي السيد عبد الخالق محجوب، وجبهة الميثاق الإسلامي الدكتور حسن الترابي، وجبهة الهيئات سيد عبد الله السيد). وشارك في المؤتمر أيضاً مراقبون من كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجريا وغانا والجزائر، تفاوتت رتبهم من وزراء إلى سفراء.
تمّ اختيار البروفيسور النذير دفع الله (الذي كان وقتها مديراً لجامعة الخرطوم) رئيساً للمؤتمر، وعاونته سكرتارية شملت السادة محمد عمر بشير، وعبد الرحمن عبد الله، ويوسف محمد علي.
يُلاحظ أن رئاسة وسكرتارية المؤتمر كانت كلها من الشماليين، ولم يكن بينهم جنوبيٌ واحد. لا بد أن يكون هذا التجاهل قد خلّف آثاره السلبية في نفوس الجنوبيين، وأوضح عدم التكافوء والثقة بهم. ماذا كان سيضير الأحزاب الشمالية لو أضافت أحد أبناء الجنوب لسكرتارية المؤتمر؟ من المؤكّد أن ذلك كان سيرسل رسالةً إيجابية ليس فقط لأبناء الجنوب، بل حتى للمراقبين، ويشير إلى جدية الحكومة الجديدة في حلِّ قضية الجنوب.
لا بد من إضافة أن الوفود الجنوبية كانت قد اقترحت أن يرأس المؤتمر شخصان، أحدهما شمالي والآخر جنوبي. غير أن الأحزاب الشمالية رفضت ذلك المقترح، بل وسخرت منه بأنه لم يحدث إطلاقاً أن رأس مؤتمراً شخصان. وهذا بالطبع ليس صحيحاً، فهناك سوابق كثيرة لمؤتمراتٍ رأسها ويرأسها، شخصان (فكرة الرئيس المناوب، أو حتى نائب الرئيس).
19
كما يُلاحظ أن وفود الأحزاب الشمالية الخمس لم تشتمل على جنوبيٍ واحد رغم ادعاء هذه الأحزاب أنها قومية التكوين. وقد ذكر قادة هذه الأحزاب أثناء محادثات القاهرة، والتي أدّت إلى توقيع اتفاقية الحكم الذاتي عام 1953، أنهم يمثّلون كل السودان، رغم عدم وجود جنوبيٍ واحد في وفد التفاوض في القاهرة.
وكما ذكرنا أعلاه، حاولت هذه الأحزاب تمثيل الجنوبيين الذين اعتقدت في تعاطفهم مع الأحزاب الشمالية من خلال تكوين وفدٍ جنوبي آخر ليمثل وجهات النظر الأخرى (كما اعتقدت الأحزاب الشمالية في سذاجةٍ كبيرة)، أو ما عُرِف “بجنوبيي الداخل”، كما ذكرنا أعلاه، لكن تلك المحاولة ارتدت على الأحزاب الشمالية كما سنناقش لاحقاً.
20
ساد التوتّر منذ البداية على المؤتمرين، وامتدّ هذا التوتر إلى ممثلي الحزبين الجنوبيين والمجموعة الثالثة. وبرز الخلاف بين مجموعتي سانو – تلك التي قرّرت العودة للسودان وتسجيل الحزب والعمل من الداخل بقيادة السيد ويليام دينق، والمجموعة التي قرّرت البقاء في المنفى والعمل من الخارج بقيادة السيد أقري جادين. وقد ادّعى كل من الجناحين أنه الممثّل الشرعي لحزب سانو في البداية، ولكن تمّ الاتفاق قبل البدء الرسمي للمؤتمر بدمج الوفدين.
وقد حدث جدلٌ في وجود ممثلي جنوبيي الداخل في المؤتمر الذين أصرّت عليهم الأحزاب الشمالية بحكم علاقتها بهم وتوقعاتها منهم، بينما رفض حزب سانو وجبهة الجنوب تمثيلهم في المؤتمر. ولكنّ هذه المسألة حسمت نفسها عندما أعلن هؤلاء الممثلون انضمامهم لوفد حزب سانو، مما سبّب حرجاً كبيراً لممثلي الأحزاب الشمالية (وانهيار سياسة فرّق تسدْ بتلك السرعة). وقد ألقى ذلك القرار المفاجئ والمدهش بظلاله على المؤتمر والمؤتمرين والمراقبين.
21
سوف ننتقل في المقال القادم، وهو السابع في هذه السلسلة من المقالات، إلى جلسات مؤتمر المائدة المستديرة. وسنوضّح كيف انتهى المؤتمر بعد أسبوعين بالفشل بعد رفض الأحزاب الشمالية مجتمعةً، وبدون استثناء، لمطلب الفيدرالية الذي تقدم به حزب سانو ورئيسه السيد ويليام دينق في رسالته للسيد سر الختم الخليفة، وفي كلمته في المؤتمر، والتي كانت إعادةً لرسالته تلك.
 
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (7 – 12)
1
تتبّعنا في المقالات الستّة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومطلب الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية للنظام الفيدرالي.
بدأنا النقاش لمطلب الفيدرالية بمؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، وواصلنا بعد ذلك بمناقشة المطلب في الجمعية التشريعية عام 1948، ثم في لجنة الدستور عام 1951.انتقلنا بعد ذلك إلى انتخابات عام 1953 وبروز الحزب الليبرالي ببرنامجه الفيدرالي، والذي أكّده في مؤتمه العام في أكتوبر من ذلك العام. وأشرنا إلى تجاهل، ثم رفض الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية. وأوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، التي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، وألقى باللائمة في الأحداث على حكومة السيد إسماعيل الأزهري.
2
انتقلنا بعد ذلك إلى قرار البرلمان في 19 ديسمبر 1955، والخاص باستقلال السودان والذي تضّمن الوعد بأن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية القادمة.
أوضحنا أن قرار لجنة الدستور، كما نقله السيد محمد أحمد محجوب، أفاد بأن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.
ناقشنا بعد ذلك انقلاب 17 نوفمبر الذي نتج عن توجيه السيد عبد الله خليل رئيس الوزراء وقتها للفريق إبراهيم عبود باستلام السلطة. وقد تناولنا ببعض التفصيل السياسات الرعناء التي اتبعها الفريق عبود وصحبه لحل قضية الجنوب – التصعيد العسكري القاسي الحاد، وأسلمة وتعريب الجنوب بالقوة بغرض دمج الجنوب في الشمال ثقافياً. أوضحنا أن مصير تلك السياسات الهوجاء كان الفشل التام والذي قاد بدوره إلى اندلاع ثورة أكتوبر وسقوط نظام الفريق عبود.
تابعنا بعد ذلك رسالة السيد ويليام دينق رئيس حزب سانو للسيد سر الختم الخليفة والتي اقترح فيها حزب سانو عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة قضية الجنوب، وتعرضنا للتطورات التي قادت إلى الاتفاق على عقد المؤتمر
سنواصل في هذا المقال نقاش ما دار في المؤتمر وما تمخّض عنه من تواصلٍ لرفض السياسيين الشماليين القاطع لمطلب الفيدرالية، وارتفاع سقف مطالب السياسيين والحركات المسلحة الجنوبية بسبب ذلك الرفض المتغطرس.
3
كما ذكرنا في المقال السابق، فبعد خمسة أشهرٍ من ثورة أكتوبر، وأربعة أشهرٍ من مبادرة حزب سانو، انعقد مؤتمر المائدة المستديرة. بدأ المؤتمر يوم 16مارس عام 1965 واستمر لمدة أربعة عشر يوماً حتى يوم 29 من الشهر نفسه.
تمّ تمثل كل حزبٍ من الشمال (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، والشيوعي، وجبهة الميثاق الإسلامي)، وجبهة الهيئات بثلاثة أعضاء، بينما تم تمثيل حزب سانو بتسعة أعضاء، وجبهة الجنوب بتسعة أعضاء. وقد انضم جنوبيو الداخل الذين اقترحتهم الأحزاب الشمالية، واعتقدت أنهم سيقفون معها، إلى ممثلي حزب سانو، مما تسبب في حرجٍ كبيرٍ للأحزاب الشمالية. فقد انهارت سياسة “فرّقْ تسدْ” حتى قبل أن يبدأ المؤتمر.
قاد وفد كل حزبٍ من أحزاب الشمال الرئيس أو الأمين العام للحزب (حزب الأمة السيد الصادق المهدي، والوطني الاتحادي السيد إسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي السيد علي عبدالرحمن، والحزب الشيوعي السيد عبد الخالق محجوب، وجبهة الميثاق الإسلامي الدكتور حسن الترابي، وجبهة الهيئات سيد عبد الله السيد). وشارك في المؤتمر أيضاً مراقبون من كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجيريا وغانا والجزائر، تفاوتت رتبهم من وزراء إلى سفراء.
4
ألقى السيد سر الختم الخليفة رئيس وزراء الحكومة كلمة افتتاح المؤتمر وتحدث عن الخلافات بين شطري البلاد والتخلّف الاقتصادي في الجنوب، ولكنه عزا كل تلك المشاكل للاستعمار الإنجليزي وسياسة المناطق المقفولة،
وتحدّث أيضاً عما أسماه الحملة الجائرة حول تجارة الرقيق، وأشار إلى أن ذلك النشاط المخجل قد عتّم تاريخ العنصر البشري في كل العالم، وليس في السودان فقط.
نادى السيد سر الختم الخليفة بروحٍ جديدة لحل مشكلة الجنوب وإنهاء الحرب والبدء في بناء السودان. غير أنه أشار إلى أن الخارجين على القانون لم يبادلوا الحكومة حسن النية التي وفّرتها بالعفو العام، الذي أعلن المناداة بوقف العنف، مما جعل الجكومة تقوم بواجبها نحو حفظ الأمن لحماية المصالح القومية.
كانت فاتحةُ المؤتمر تلك كلمةً غير موفّقةٍ على الإطلاق. بل إنها كانت الشرارة الأولى للنار التي التهمت المؤتمر بعد أسابيع قليلة، كما سنرى بعد قليل.
5
أعاد السيد ويليام دينق في كلمته الحجج التي ساقها في رسالته للسيد سر الختم الخليفة للمطالبة بالنظام الفيدرالي الذي يمكن بالإرادة السياسية تعايش طرفي البلاد تحت مظلته. وأشار إلى أن النظام الفيدرالي كفيلٌ باستيعاب التباينات العرقية والدينية واللغوية والثقافية بين الشعبين.
وكرر أطروحته أن الوحدة في نطاق التعددية هي الحلُّ لمشكلة الجنوب. وهو الحلُّ الذي يمكن أن يتجسّد في دستورٍ فيدرالي. وأوضح أن كفاح الجنوب الذي يغلب عليه الطابع السياسي، يشمل الجنوبيين على اختلاف معتقداتهم: مسيحيين ووثنيين وغيرهم.
وأعاد السيد ويليام دينق ما ذكره في رسالته من أنه يجب أن لا نخشى الفيدرالية التي ساعدت على إبقاء الوحدة بين الشعوب المختلفة في مناطق كثيرة في العالم، وأن أكبر دولتين في العالم اليوم هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تقومان على أساس فيدرالي. وأشار إلى دولة نيجيريا كمثالٍ للنظام الفيدرالي الناجح في أفريقيا.
وختم رسالته بالتحذير أن اللجوء إلى السيطرة على الجنوب بالقوة واستخدام الأساليب الاستعمارية البالية في التسويف والاحتواء هي أضمن سبيل لتحطيم وحدة الوطن.
كانت تلك الكلمة تكراراً لكلمة الأب سترنينو لوهوري في البرلمان السوداني في يونيو 1958، والتي أشرنا إليها في فاتحة مقالات هذه السلسلة، وحمل نفس النبوأة التي تحقّقت بعد أربعين عام.
6
غير أن ممثلي الأحزاب الخمسة الشمالية، جميعها (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، والجبهة الإسلامية، والشيوعي)، وبلا استثناء، وكذلك جبهة الهيئات، اتبعوا طريقاً مختلفاً.
فقد أكدوا جميعهم في كلماتهم رفضهم التام لكل ما يمكن أن يقسّم السودان، بما في ذلك حق تقرير المصير، أو النظام الفيدرالي، وأعلنوا إصرارهم التام على وحدة السودان.
وقد أوضحوا أسباب رفضهم للنظام الفيدرالي الذي تبنّاه السيد ويليام دينق بأنه يمثل في نظرهم الخطوة الأولى نحو الانفصال. ونقتبس أدناه جزءاً من الورقة المشتركة التي قدّمتها الأحزاب الخمسة لمؤتمر المائدة المستديرة بعنوان ” مشروع الأحزاب الشمالية لحلِّ مسألة الجنوب”، والتي تم توزيعها على المؤتمرين قبل الافتتاح الرسمي للمؤتمر:
“يشعر السودانيون خاصةً في الشمال أن الوضع الفيدرالي ما هو إلّا خطوةٌ نحو الانفصال لأنه درجةٌ بعيدة المدى نحو تلاشي الحكومة المركزية، ولأنه نظامٌ ثبت تشجيعه للنعراتِ الإقليمية والعصبيّات المحليّة لا سيما وأنه في هذه الحالة يشكّل نزعةً إلى الابتعاد عن الوحدة، بعكس المعتاد في النظم الفيدرالية التي تقرّب بين مقاطعاتٍ أو دولٍ كانت مستقلّةً أو شبه مستقلّة، أو لم يكن بينها إلّا الرباط الاستعماري.”
7
بل لقد ذهب بعض ممثلي الأحزاب خطوةً أبعد من ذلك عندما هاجم السيد إسماعيل الأزهري مطلب الفيدرالية، مصراً على أن الجنوب كان وسيظل جزءاً من السودان، وموضحاً أن الغرض من نظام الفيدرالية هو جمع دولٍ مستقلة تحت غطاءٍ واحد، وليس تقسيم دولةٍ واحدةٍ إلى دولتين.
إضافةً إلى ذلك أعلن السيد الأزهري اعتزازه بتراثه الإسلامي والعربي وأدّعى أن اللغة العربية هي أكثر اللغات المستعملة في أفريقيا.
من الواضح أن السيد اسماعيل الأزهري وممثلي الأحزاب الأخرى قد خلطوا بين الفيدرالية والكونفيدرالية، أو حاولوا التشاطر على أعضاء الأحزاب الجنوبية.
8
دفع مشروعُ الأحزاب الشمالية لحل مشكلة الجنوب الرافض للفيدرالية، وتلك الكلمات المتغطرسة عن العروبة والإسلام، بعضَ أعضاء الأحزاب الجنوبية إلى الخروج علناً بردّة فعلهم على هذا الرفض الذي كانوا يتوقّعونه، بل وحتى على مطلب الفيدرالية الذي أدلى به السيد ويليام دينق.
فقد كانت كلمة السيد أقري جادين ممثل حزب سانو في الخارج حادةً في نقدها للشمال، ركّز فيها على الخلافات بين شطري القطر، وأعلن فيها أنه لا يوجد شيءٌ مشتركٌ بين الاثنين – لا عادات ولا تقاليد ولا هوية ولا لغة ولا دين ولا مصالح – وأن شطري القطر قد فشلا في التعايش معاً. وأشار السيد أقري جادين إلى أنه:
“بالنظر لواقع التجزئة فهناك حقيقةً “سودانان”، ومطالبة شمال السودان بالوحدة تستند على مصادفةٍ تاريخيةٍ اتخذها ذريعةً لفرض هيمنته السياسية على جنوب السودان.”
وذكّر السيد أقري جادين الشماليين بنقض وعدهم فيما يختص بالنظام الفيدرالي الذي تمّ الاتفاق عليه في شهر ديسمبر عام 1955، ولكنه أضاف أن الأوضاع قد تغيّرت منذ عام 1955، وأنه قد آن الأوان لانفصال جنوب السودان عن شماله، لأن “ادعاء الشمال للوحدة مبنيٌّ على الصدفة التاريخية، ومفروضٌ على الجنوب بالهيمنة.”
9
واصل السيد غوردون مورتات السير في طريق السيد أقري جادين معدّداً مجالات التباين والخلاف بين الشمال والجنوب، ولكنه طالب بحق تقرير المصير لجنوب السودان، وليس الانفصال. وقد بنى السيد غوردون مورتات مطالبته بحق تقرير المصير لجنوب السودان على قرار الشمال تقرير مصيره عام 1955. فتلك سابقةٌ تاريخيةٌ سودانية، وحقوق الشعبين في شقي القطر يجب أن تكون متكافئةً ومتساوية.
10
مثّل السيد ويليام دينق صوت الاتزان في المؤتمر، ولكن مقترحاته اصطدمت بتصلّب الشماليين ورفضهم النظام الفيدرالي، واصطدمت أيضاً بالخلافات مع بقية القادة الجنوبيين التي ازدادت صلابةً بعد إعادة تأكيد الأحزاب الشمالية لموقفها الرافض للفيدرالية.
وقد أوضح السيد ويليام دينق فيما بعد أن مقترحه بالنظام الفيدرالي الذي مثّل الحل الوسط بين الانفصال الذي طالب به أقري جادين، والوحدة الكاملة التي أصرّ عليها الشماليون كان سيلقى القبول بين أعدادٍ كبيرةٍ من الجنوبيين لو وافق عليه الشماليون في المؤتمر.
وقد أكد التاريخ سلامة تحليل السيد ويليام دينق عندما وقّعت حركة تحرير جنوب السودان على اتفاقية أديس أبابا مع نظام نميري في 3 مارس عام 1972 (بعد سبع سنواتٍ من مؤتمر المائدة المستديرة) والتي انبنت على الحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان (والذي هو الحد الأدنى من الفيدرالية)، كما سنناقش في مقالٍ قادم.
ولابد أن ادعاءات الشماليين وتكرارهم المُمِل خلال المؤتمر أن الجنوب قد قرّر مصيره عامي 1947 و 1955 قد أثارت حفيظة الجنوبيين وأغضبتهم، إن لم نقل أنها كانت مستفزةً لهم.
وقد فهم بعض الممثلين الجنوبيين كلمة السيد إسماعيل الأزهري عن أهمية اللغة العربية وانتشارها في أفريقيا على أنها تأكيدٌ لمشروع دمج الجنوب ثقافياً في الشمال، والذي تبنّته الأحزاب والحكومات الشمالية، وحاولت حكومة الفريق عبود تطبيقه بقوة السلاح.
وهكذا أفقد رفضُ الشماليين القاطع لمقترح النظام الفيدرالي مؤتمرَ المائدة المستديرة قوةَ الدفع للحل السلمي لقضية الجنوب التي خلقتها ثورة أكتوبر ورسالة حزب سانو المتفائلة للسيد سر الختم الخليفة.
11
تواصل عقد المؤتمر لمدة أسبوعين، من 16 مارس وحتى 29 مارس عام 1965. صدرت قرارات المؤتمر في 30 مارس عام 1965 وتضمّنت وعوداً بفتح المدارس وإنشاء جامعة في الجنوب، والعمل على إعادة الحياة الطبيعية هناك، وتدريب الجنوبيين لملء مجموعة وظائف في الجنوب، مع التأكيد على مبدأ المساواة في الأجور.
غير أن المؤتمر فشل فشلاً تاماً في معالجة لبّ قضية الجنوب. فقد تضمّنت القرارات نصّاً يفيد إن المؤتمر قد نظر في بعض أشكال الحكم التي يمكن أن تطبّق في السودان ولكنه لم يتمكّن من الوصول إلى قرارٍ إجماعي كما تتطلّب قواعد إجراءات المؤتمر. لذا فقد قرّر تكوين لجنةٍ من اثني عشر عضواً (وهي ما عُرِفت بلجنة الاثني عشر) لتتولّى بحث الوضع الدستوري والإداري الذي يضمن مصالح الجنوب الخاصة، كما يضمن مصالح البلاد عامةً.
وقد أُُُعْطِيت اللجنةُ بجانب ذلك الصلاحيات التالية:
(أ) أن تكون لجنةَ رقابةٍ تشرف على تنفيذ الخطوات والسياسة المتفق عليهما.
(ب) أن تخططَ وسائلَ إعادةِ الأحوال في الجنوب إلى الأوضاع العادية.
وأن تدرس اللجنةُ الخطوات اللازمة لرفع حالة الطوارئ في الجنوب واستتباب الأمن وحكم القانون، على أن تُعرض النتائج التي تتوصّل إليها لجنة الاثني عشر على المؤتمر الذي ستدعو له الحكومة للانعقاد خلال ثلاثة أشهر.
12
تكوّنت لجنة الاثني عشر من ستة جنوبيين وستة شماليين، وشملت السادة بونا ملوال، واثوان داك، وغوردون أبيي من جبهة الجنوب، والسادة أندرو ويو، ونيكانورا أقوي، وهيلري أوشالا من سانو.
وشملت اللجنة عضواً واحداً من كلٍ من الأحزاب الشمالية وجبهة الهيئات هم السادة محمد أحمد المرضي من الحزب الوطني الاتحادي، محمد داوود الخليفة من حزب الأمة، الفاتح عبود من حزب الشعب الديمقراطي، حسن الترابي من جبهة الميثاق الإسلامي، محمد إبراهيم نقد من الحزب الشيوعي السوداني، وسيد عبد الله السيد من جبهة الهيئات.
13
لكن بات واضحاً أن القوة الدافعة للمؤتمر قد بدأت في التلاشي. فقد غادر السيدان أقري جادين وغوردون مورتات السودان وعادا إلى منفاهما في يوغندا والكونغو.
وكانت الأحزاب الشمالية قد بدأت في توجيه وتركيز كل جهودها لانتخابات الجمعية التأسيسية التي ستخلف حكومة السيد سر الختم الخليفة الانتقالية، وتضع الدستور الدائم للسودان.
كان التسجيل للانتخابات قد بدأ في 11 فبراير عام 1965 واستمر حتى 12 مارس، بينما بدأ التصويت في 21 أبريل. عليه فقد كانت قيادات الأحزاب على عجلةٍ من أمرها خلال مؤتمر المائدة المستديرة للتفرّغ للانتخابات.
عليه فقد بات واضحاً أن عقد المؤتمر وإجراء الانتخابات في نفس الوقت كان خطأً كبيراً وفادحاً. فقد اختارت الأحزاب أن تضع جلّ جهدها وطاقتها وزمنها في الانتخابات، وأخذ المؤتمر بعد ذلك اهتماماً ثانوياً منها.
14
كما لا بدّ من التساؤل إن كان بوسع أيٍ من الأحزاب السياسية الشمالية الخروج من قرار الإجماع على وحدة السودان ومركزية الدولة تحت الغطاء الإسلامي العربي المركزي، علماً بأن الانتخابات كانت على الأبواب. فقد كان كل حزبٍ يخشى من الحزب الآخر إن غيّر مواقفه في هذه القضية الأساسية.
وكان واضحاً أن جبهة الميثاق الإسلامي كانت تراقب تصريحات وكلمات كل حزبٍ، وكانت مستعدةً لاستغلال تلك التصريحات إن خرجت عن مشروع الخط الإسلامي العربي للسودان، فالابتزاز السياسي قد وصل قمته في ذلك الوقت في السودان.
15
عليه فقد انتهى المؤتمر في 29 مارس عام 1965، وهرع قادة الأحزاب إلى البحث عن الأصوات الانتخابية والمواقع الوزارية، وبدأت قضية الجنوب تختفي من قائمة أسبقيات الأحزاب الشمالية. وتواصلت في تلك الأثناء الحرب الأهلية في جنوب البلاد، وتواصل القتل والدمار والتشريد.
16
واجهت لجنة الاثني عشر مجموعةً من المشاكل. فقد أخطر جنوبيو المنفى اللجنةَ أن جنوبيي الداخل، ومن بينهم السيد ويليام دينق، لا يمثلونهم ولا يمثلون الجنوب.
وبعد أسابيع قلائل من بداية عمل لجنة الاثني عشر قاطع ممثلا حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي أعمال اللجنة.
علّل حزب الشعب الديمقراطي انسحابه من لجنة الاثني عشر بعدم اطمئنانه على المعلومات التي كانت تدلي بها الحكومة عن الوضع في الجنوب، بينما أخبر الحزب الشيوعي اللجنة أنه انسحب احتجاجاً على فشل الأحزاب الجنوبية إدانة الهجمات المتكررة من الأنيانيا على المدن في الجنوب. وقد أيّده حزب الشعب الديمقراطي في هذا السبب أيضا.
17
وقد ذكر الحزب الشيوعي السوداني في خطابه إلى السيد رئيس الوزراء الآتي: “لقد أقرَّ الحزب الشيوعي السوداني مقاطعة اجتماعات لجنة الاثني عشر وتجميد قرارات مؤتمر المائدة المستديرة ما لم يستتب الأمن بالجنوب.”
وكان الحزب قد ذكر في كتابه “الحزب الشيوعي السوداني وقضية الجنوب” أنه لعب دوراً بارزاً في مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر، وأنه انسحب من لجنة الاثني عشر عندما فشلت الحكومة في تطبيق توصياتها.”
18
وقد أشار تقرير القاضي قطران عن حوادث توريت في أغسطس عام 1955 (والذي ناقشناه ببعض التفاصيل في المقال الثالث من هذه السلسلة من المقالات) إلى نشاط الحزب الشيوعي السوداني في جنوب السودان في تلك الفترة، وعن موقفه وبرنامجه السياسي لحكم الجنوب.
فقد ذكر تقرير القاضي قطران
“يبدو أن الدعاية الشيوعية شقت طريقها إلى الجنوب بواسطة الموظفين الشماليين والأجانب الذين يعملون في المراكز المختلفة. وازداد النشاط الشيوعي منذ ديسمبر 1954. وقد تأثر بهذه الدعاية على الأخص مركزا الزاندي والمورو وذلك لوجود مجموعات كبيرة من العمال تشتغل في صناعة القطن. وتوجد بالجنوب قليل من النقابات بما في ذلك نقابة في أنزارا.”
كما ذكر التقرير أيضاً:
“وكانت بعض نشرات الجبهة المعادية للاستعمار تهاجم الشماليين في بعض الأحيان. مثال ذلك:
“يجب أن تكون ملكال وواو وجوبا مقاطعات لكل منها برلمانها الخاص. كما يجب أن يكون البرلمان المركزي (للجنوب) في جوبا. ويجب أن نبعث بمندوبين من برلمان جوبا المركزي ليمثلونا في برلمان الخرطوم المركزي. فبهذه الطريقة سيكون لنا مديرونا ومفتشونا. أما إذا كان سيحكمنا الشماليون كما بدأ ذلك بالفعل فإننا لا نرى اختلافاً عن الزمن الذي كان يحكمنا الإنجليز. بل إن هذا أسوأ لأنه سيعني بالتأكيد اننا سنصبح عبيداً فقط.”
(انظر تقرير القاضي قطران “تقرير لجنة التحقيق الإداري في حوادث الجنوب 1955″، الطبعة الثانية 2005، صفحتي 82 و 83).
يعتذر الكاتب مرةً ثانية عن إيراد الكلمة العنصرية البغيضة القبيحة في هذا المقال. لكن كما ذكرنا من قبل، فإن المسئولية والأمانة العلمية للاقتباس تقتضي إيراد النصِّ المُقتبس كما هو).
عليه فيبدو وقوف الحزب الشيوعي مع بقية الأحزاب الشمالية في رفضها القاطع للفيدرالية خلال وبعد مؤتمر المائدة المستديرة غير متناسقٍ مع ذكره تقرير القاضي قطران من مطالبة الحزب بأن تكون لكلٍ من مديريات الجنوب برلمانها الخاص، وأن يكون هناك برلمان مركزي في جوبا.
19
أما حزب الشعب الديمقراطي فقد اتصفت مواقفه بعد ثورة أكتوبر بالارتباك بسبب مساندته لنظام الفريق عبود من خلال “مذكرة كرام المواطنين” التي كان الحزب قد قاد حملة جمع التوقيعات لها. وقد برز الارتباك في مقاطعته لانتخابات مارس عام 1965 وما تبعها من عنفٍ، ثم مقاطعته أعمال لجنة الاثني عشر. وقد عزا الحزب انسحابه إلى عدم اطمئنانه إلى أيّةِ معلوماتٍ عن الوضع في جنوب السودان تدلي بها الحكومة في هذا الصدد.
في عام 1968، بعد حوالي ثلاثةٍ أعوام من انسحابه من لجنة الاثني عشر، اندمج حزب الشعب الديمقراطي مع الحزب الوطني الاتحادي (الذي كان قد انشقّ عنه في يونيو عام 1956) ليكوّنا معاً الحزب الاتحادي الديمقراطي، كما سنناقش في مقالاتٍ قادمة.
20
كان غريباً أن يقدّم هذان الحزبان (الحزب الشيوعي وحزب الشعب الديمقراطي) ذلك السبب (فشل الأحزاب الجنوبية إدانة الهجمات المتكررة من الأنيانيا على المدن في الجنوب)، ويصران عليه كذريعةٍ للانسحاب من لجنة الاثني عشر، علماً بأن فكرة مؤتمر المائدة المستديرة كلها قد قامت على إنهاء الحرب الأهلية في جنوب السودان.
وحتى قبل انسحاب الحزبين من لجنة الاثني عشر، لم يكن هناك حرصٌ من أعضاء اللجنة الشماليين في حضور اجتماعات اللجنة، وتغيّبوا عن الكثير من تلك الاجتماعات، مما أوضح عدم الجدّية بين أعضاء اللجنة من جميع الأحزاب الشمالية، بما فيها هذين الحزبين.
فقد أوضح السيد يوسف محمد علي الذي عمل رئيساً للجنة الاثني عشر في كتابه: “السودان والوحدة الوطنية الغائبة” (مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان 2012) أن حزب الشعب الديمقراطي حضر أربع اجتماعاتٍ من ثمان اجتماعات قبل أن يقرّر الانسحاب من اللجنة، بينما حضر الحزب الشيوعي سبع اجتماعاتٍ من مجمل 12 اجتماع قبل أن يقرّر هو الآخر الانسحاب أيضاً من اللجنة. بلغت اجتماعات لجنة الاثني عشر في مجملها 48 اجتماع، تغيّب حزب الأمة عن عشرٍ منها، بينما تغيّبت جبهة الميثاق الإسلامي عن 14، وجبهة الهيئات عن ثماني والحزب الوطني الاتحادي عن ثلاث اجتماعات. من الجانب الآخر فقد حضر مندوبو جبهة الجنوب وحزب سانو كل الاجتماعات ولم يتغيبوا حتى عن جلسة واحدة. (راجع الكتاب صفحة 214).
لا بُدّ أن الرسالة التي أرسلها سجل حضور اجتماعات لجنة الاثني عشر هي غياب الجدّية من جانب الأحزاب الشمالية في التعامل مع قضية الجنوب ومع قادة الأحزاب الجنوبية، وعدم الاحترام للقادة الجنوبيين، ولقرارات مؤتمر المائدة المستديرة التي شاركت كل الأحزاب الشمالية في إصدارها.
21
عليه فقد تواصلت اجتماعات لجنة الاثني عشر بحضور كامل للأعضاء الجنوبيين، وحضورٍ ضعيف وغير منتظّم وغير جاد من ممثلي الأحزاب الشمالية.
أعدّت اللجنة تقريرها الذي أوضح خلافاتٍ حادة في كل الأمور الجوهرية في قضية الجنوب. ولم يتم حسم أيٍ من الخلافات في مؤتمر الأحزاب الذي تم رفع تقرير لجنة الاثني عشر إليه. وانتهى أمر تقرير لجنة الاثني عشر، ومؤتمر المائدة المستديرة ككل، إلى الفشل التام.
وهكذا أضاعت الأحزابُ الشمالية مجتمعةً فرصةً تاريخيةً ثمينةً للسلام، ولبقاء السودان مُوحّداً، كما سنواصل النقاش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.
 
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (8 – 12)
1
تابعنا في المقالات السبعة السابقة من هذه السلسلة من المقالات بروزَ مطلب النظام الفيدرالي لجنوب السودان من الأحزاب الجنوبية وقادتها. وأوضحنا كيف بدأ وتواصل الرفض القاطع لهذا المطلب من جميع الأحزاب الشمالية خلال فترتي الحكم المدني الأولى والثانية. حدث نفس الشيء خلال فترة الحكم العسكري الأولى، والتي أدار دفّة الحكم فيها في الخرطوم، وصعّد الحرب خلالها في الجنوب، الفريق إبراهيم عبود ورصحبه في المجلس العسكري الحاكم.
تابعنا في المقال السابق فكرة وانعقاد مؤتمر المائدة المستديرة في شهر مارس عام 1965، وأوضحنا كيف تم عرض مقترح النظام الفيدرالي وكيف تم رفضه رفضاً تاماً بواسطة كل الأحزاب السياسية وجبهة الهيئات، وناقشنا تحوّلَ المؤتمر إلى لجنة الاثني عشر التي لم تتعامل معها الحكومة أو أيُّ حزبٍ شمالي بأي قدرٍ من الجديّة.
سوف نواصل في هذا المقال نقاش الخلافات داخل لجنة الاثني عشر وفي مؤتمر الأحزاب، وانتهاء حلم مؤتمر المائدة المستديرة في حلِّ سلميٍّ لقضية الجنوب.
2
كما ذكرنا في المقال السابق، جرت الانتخابات في الشمال في موعدها وانتهى التصويت وبدأت النتائج في الظهور في 30 أبريل عام 1965. ولم تُعقد الانتخابات في الجنوب حتى مارس عام 1967، أي بعد عامين من إجراء الانتخابات في الشمال.
وقد دار جدلٌ قانونيٌ عن دستورية الجمعية التأسيسية المُنتخبة بدون ممثلين للجنوب، وإن كان بإمكانها قانونياً وضع دستورٍ دائمٍ للسودان. وتواصل بلا نتيجة ذلك الجدل.
حصل حزب الأمة على 92 مقعداً وحصل الحزب الوطني الاتحادي على 73 مقعداً من مجموع المقاعد المخصصة للشمال والبالغة 233 مقعداً، بينما نال الحزب الشيوعي السوداني 11 مقعداً، والجبهة الإسلامية سبعة مقاعد. وقد قاطع حزب الشعب الديمقراطي العملية الانتخابية، بل وقاومها.
3
سعد حزبا الأمة والوطني الاتحادي بنتيجة الانتخابات كثيراً، فقد أعطتهما مجتمعين 165 مقعداً، من مجموع 233 مقعداً. وأصبح واضحاً أن قادة الحزبين الكبيرين كان لديهم برنامجٌ متكاملٌ لتوظيف هذه الأغلبية لتقوية قبضتهما على مقاليد السلطة، وتنفيذ برامجهما الإسلامية العربية المركزية في السودان، والتعامل مع مقررات مؤتمر المائدة المستديرة، ومع لجنة الاثي عشر المنبثقة من المؤتمر وتوصياتها، كما يشاءون.
4
كان أول تلك البرامج هو قرار تأطير اقتسام السلطة ومقاعدها الرئيسية بين الحزبين. كانت هناك وظيفة تنفيذية عليا واحدة في النظام البرلماني السوداني (رئاسة الوزارة)، تنازع عليها السيد إسماعيل الأزهري من الحزب الوطني الاتحادي والسيد عبد الله خليل من حزب الأمة خلال فترة الحكم المدني الأولى بين الأعوام 1954 حتى عام 1958. وقد تقاسماها، كما أوضحنا في مقالٍ سابق، مناصفةً خلال فترة الحكم المدني الأول.
فقد شغل السيد الأزهري المنصب من يناير عام 1954 حتى يوليو 1956، بينما شغله السيد عبد الله خليل من يوليو 1956 حتى نوفمبر 1958، عندما وقع الانقلاب الذي خطّط له هو شخصياً مع الفريق عبود بسبب توقّعه لفقدان ذلك المنصب.
عليه فقد كانت أولى التحدّيات التي واجهت الحزبين هي كيفية تقاسم تلك الوظيفة
5
تفتّق ذهن الحزبين عن تعديل الدستور لخلق وظيفة رئيسٍ دائمٍ لمجلس السيادة، بدلاً من الرئاسة الدورية الشهرية بين أعضائه الخمسة، كما قضى بذلك دستور عام 1964، وقيله دستور عام 1956.
لم يُضِعْ الحزبان الحاكمان وقتاً في تعديل الدستور لإلغاء الرئاسة الدورية الشهرية واستبدالها برئاسةٍ دائمة. فقد كان ذلك من أوائل مهام الجمعية التأسيسية الجديدة التي أدّتها بحماسٍ وسرعةٍ فائقتين في الخامس من شهر يوليو عام 1965 حين صوّت 136 من نواب الحزبين مع مقترح التعديل.
اتفق الحزبان على إسناد رئاسة مجلس السيادة الدائمة للحزب الوطني الاتحادي، وتولاها السيد إسماعيل الأزهري، بينما تمّ إسناد رئاسة الوزارة لحزب الأمة، وتولاها السيد محمد أحمد محجوب. وكان ذلك هو الغرض الأساسي من تعديل الدستور.
6
وهكذا وببساطةٍ متناهية، تجاهل حزبا الأمة والوطني الاتحادي، من خلال تعديل الدستور هذا حقوق أبناء جنوب السودان في الرئاسة الشهرية لمجلس السيادة التي جرّدهم منها هذا التعديل الدستوري.
وقد قابل الجنوبيون هذا الإجراء بغضبٍ كبير، واستقال السيد لويجي أدوك من عضوية مجلس السيادة احتجاجاً على هذا التعديل الذي حرمه وحرم القادة الجنوبيين من رئاسة مجلس السيادة على الأقل شهرين كل عام.
7
الشيء الغريب لهذا التعديل أنه تمّ في الوقت الذي كان فيه مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر يبحثان عن حلولٍ لقضية الجنوب، ومنحِ الجنوبيين مزيداً من السلطات السياسية. أرسل التعديل رسالةَ إقصاءٍ واضحة للجنوبيين، وقرأوا فيه غياب الجدية والندية والاحترام في التعامل معهم، وفي التعامل مع قضية الجنوب.
وقد استغل جنوبيو المنفى الذين قاطعوا مؤتمر المائدة المستديرة، والذين غادروا السودان مباشرةّ بعد نهاية جلسات المؤتمر، هذا التعديل لتأكيد رسالتهم أنه لا يوجد مكانٌ للجنوبيين في دولة السودان الشمالية العربية الإسلامية المركزية، وأن الانفصال أو تقرير المصير هو ما يجب أن يسعى إليه الجنوبيون.
8
لماذا لم يقم حزبا الأمة والوطني الاتحادي في خلق وظيفة نائب لرئيس مجلس السيادة، ومنح تلك الوظيفة للعضو الذي يمثّل الجنوب في المجلس؟ كان من المحتمل أن يمتصَّ ذلك التعديل، لو تمّ، بعض الغضب الذي عمّ أبناء الجنوب وأحزابهم.
لم يكن ذلك الوضع يتطلّب تعديلاً للدستور، وكان يمكن أن يقرّه الحزبان، بل وحتى أعضاء مجلس السيادة أنفسهم. وحتى لو كان خلق وظيفة نائب رئيس مجلس السيادة يحتاج لتعديل الدستور، فقد كان الحزبان يملكان تلك الأغلبية المطلوبة، والتي أجازا بها تعديل الدستور بتلك السرعة.
وقد كان مقترح أن يكون نائب رئيس الجمهورية من أبناء الجنوب على طاولة المفاوضات خلال مؤتمر المائدة المستديرة. وتم أيضاً تداول تقارير في ذلك الوقت عن خلق وظيفة نائب رئيس لمجلس السيادة وإسناد تلك الوظيفة إلى العضو الجنوبي في المجلس. غير أن ذلك لم يحدث. وتناسى الحزبان تلك المقترحات والتقارير.
السبب الرئيسي في تجاهل الحزبين للجنوبيين في ذلك التعديل كان في رأيي يعود لغياب الجدّية والإرادة السياسية للحزبين الكبيرين لحلِّ قضية الجنوب، ولعدم المقدرة على التعامل بقدرٍ من الاحترام والنديّة مع سياسيي الجنوب.
9
بعد أن أصبح منصب رئاسة مجلس السيادة الدائمة من نصيب الحزب الوطني الاتحادي، ورئاسة الوزارة من نصيب حزب الأمة، تقاسم الحزبان منصبي رئيس البرلمان ونائب رئيس الوزراء.
آل المنصب الأول إلى حزب الأمة، وأخذ الحزب الوطني الاتحادي منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية. ولم يترك هذا التوزيع أيَّ مناصب دستورية قيادية للأحزاب الأخرى، خاصةً الأحزاب الجنوبية، التي تم تواصل تجاهلها تجاهلاً تاماً رغم وعود مؤتمر المائدة المستديرة المكرّرة.
10
شملت الحكومة الائتلافية بين حزبي الأمة والوطني الاتحادي برئاسة السيد محمد أحمد محجوب والتي تشكّلت في يونيو عام 1965، وزيرين جنوبيين هما السيد بوث ديو لوزارة الثروة الحيوانية، والسيد أندرو ويو لوزارة الزراعة والغابات.
أعاد السيد محمد أحمد محجوب وظيفة وزير دولة بلا أعباء، التي ابتدعها السيد إسماعيل الأزهري، للجنوبيين عام 1954، وعيّن فيها رئيسُ الوزراء السيدَ الفريد وول، والذي كان وزير الدولة الوحيد في تلك الحكومة. وقد تعالت سخرية جنوبيي المنفى لهذا التعيين، وأشاروا إلى تعيينات السيد إسماعيل الأزهري المماثلة لثلاثةٍ من السياسيين الجنوبيين الذين كانوا وقتها أعضاء في حزبه.
وهكذا انتهت بسرعة البرق أحلام الجنوبيين في المشاركة في السلطة التنفيذية عبر وزارات سيادية، كما حدث عند تعيين السيد كلمنت أمبورو وزيراً للداخلية في
حكومة أكتوبر الأولى، وعادت إليهم وزارة الثروة الحيوانية التي ارتبطت بهم وأصبحت حقاً ثابتاً لا ينافسهم فيه ساسة الشمال.
كما لا بد من إضافة فقدانهم لرئاسة مجلس السيادة لمدة شهرين على الأقل كل عام بعد تعديل الدستور ليصبح السيد إسماعيل الأزهري رئيساً دائماً للمجلس.
11
أدلى السيد محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء ببيانٍ مفصّل أمام الجمعية التأسيسية يوم السبت 26 يونيو عام 1965، أوضح فيه سياسة حكومته.
وقد اشتمل البيان على الخطوط العريضة لسياسة حكومته في جنوب السودان، والتي كان من بينها:
“وستسير حكومتي في سياسة الحل السلمي لمشكلة الجنوب مهتديةً بوحي قرارات مؤتمر المائدة المستديرة، لكنها ستنبذ سياسة الاسترضاء واللين في معاملة الخارجين على القانون ومن يدفعونهم في هذا السبيل، وستأمر بنزع السلاح نزعاً تاماً والقضاء الكامل على العصابات المسلحة التي تعبث بالأمن، وستأمر القوات المسلحة السودانية بتعقّب المجرمين وإعادة سيادة القانون والنظام وتأديب المتمردين.”
وأوضح البيان دور القوات المسلحة ومسئولية الحكومة تجاهها: “وستعمل حكومتي على تقوية القوات المسلحة السودانية بزيادة عددها وتطوير عتادها وتحسين أحوال أفرادها … وستعيد النظر في تشكيلها وتكوينها حتى تستطيع أداء واجباتها في الداخل والخارج.”
بات واضحاً من ذلك الخطاب والتصريحات التي تلته أن برنامج حكومة السيد محمد أحمد محجوب لحل قضية الجنوب هو البندقية، والبندقية وحدها.
12
وقد نجح السيد محمد أحمد محجوب في استصدار قرارٍ من الجمعية التأسيسية بعد الإدلاء ببيانه في 26 يونيو عام 1965، وافقت الجمعية التأسيسية بمقتضاه بالإجماع على مقترحه بوصف الوضع في جنوب السودان بأنه خروجٌ على القانون والنظام ويجب التعامل معه بالحسم العسكري. وقد صوّت إلى جانب القرار كل أعضاء حزبي الأمة والوطني الاتحادي، وكذلك أعضاء الحزب الشيوعي السوداني وأعضاء جبهة الميثاق الإسلامي في الجمعية التأسيسية.
وافقت الجمعية أيضاً على زيادةٍ معتبرةٍ في ميزانية وزارة الدفاع لدحر التمرّد وهزيمة الإرهابيين، كما أسماهم القرار. وقد سمّت الحكومة الحركات المسلحة في الجنوب العصابات المسلحة أيضاً.
وهكذا أعطت الجمعية التأسيسية الضوءَ الأخضر للسيد محمد أحمد محجوب، الذي احتفظ لنفسه بحقيبة وزارة الدفاع أيضاً، ليفعل في جنوب السودان كل ما يراه مناسباً لاستعادة القانون والنظام، ودحر ما سمّاه العصابات الإرهابية. ووافقت الجمعية بالإجماع على برنامج الحكومة الجديدة المتمثّل في “المجد للبندقية!.”
13
عليه فقد تواصل تصعيد الحرب في جنوب السودان بعد انتخاب السيد محمد أحمد محجوب رئيسا للوزارة في يونيو عام 1965، وزادت حدّة الحرب طوال فترة الحكم المدني الثانية. وقد أدّت قرارات السيد محمد أحمد محجوب باللجوء للخيار العسكري في جنوب السودان إلى تحويل مديريات الجنوب الثلاثة إلى ساحة دمارٍ وموت.
وقد حدثت في عهد السيد محمد أحمد محجوب المجزرتان المشهورتان في جوبا وواو في شهر يوليو عام 1965، وراح ضحيتهما قرابة الخمسمائة شخص من أبناء وبنات الجنوب، أغلبهم من النساء والأطفال.
وتم اغتيال القائد الجنوبي المعتدل ويليام دينق في جنوب السودان، والأب سترنينو لوهوري في يوغندا. وقد أشارت أصابع الاتهام إلى الخرطوم في حادثتي الاغتيالين.
وحدثت مجزرة السلاطين المؤلمة خلال حكومة السيد الصادق المهدي التي خلفت حكومة السيد محمد أحمد محجوب. وسنناقش هذه الأحداث الدامية المؤسفة في مقالاتٍ لاحقة.
14
سقطت حكومة السيد محمد أحمد محجوب في 26 يوليو عام 1966، إثر صدور صوت عدم الثقة بها في الجمعية التأسيسية،بعد أن وقف مع الاقتراح عددٌ من نواب الحزبين الذين كانوا أنفسهم قد أتوا بالسيد محمد أحمد محجوب رئيساً للوزارة قبل عام.
وقد خلفه السيد الصادق المهدي في رئاسة الوزارة.
وقد صوّت نفس النواب بعد عشرة أشهر على إسقاط حكومة السيد الصادق المهدي وعودة السيد محمد أحمد محجوب لرئاسة الوزارة.
15
كانت لجنة الاثني عشر قد أكملت تقريرها في 26 يونيو عام 1966 قبل أقل من شهرٍ من سقوط حكومة السيد محمد أحمد محجوب. غير أنه بسبب الوضع السياسي غير المستقر لم ترفع اللجنة تقريرها حتى 26 سبتمبر عام 1966، أي بعد شهرين من وصول السيد الصادق المهدي لرئاسة الوزارة، وثلاثة أشهر من إكمال تقريرها.
16
شمل تقرير لجنة الاثني عشر سرداً مفصّلاً لنقاط الاتفاق والخلاف بين ممثلي الأحزاب الشمالية والجنوبية في اللجنة.
كانت إحدى نقاط الخلاف الرئيسية التي واجهت اللجنة هي مسألة إدانة أعمال العنف في جنوب السودان. وقد اختلف الطرفان الشمالي والجنوبي حول نقطة جوهرية حولها وهي: على من تقع مسئولية أعمال العنف؟
فالأعضاء الشماليون جميعاً طالبوا بإدانة أعمال العنف التي تقوم بها “منظمة الأنيانيا الإرهابية.”
من الجانب الآخر كان رأي الأعضاء الجنوبيين أن أعمال العنف تقوم بها الأنيانيا، كما تقوم بها القوات الحكومية، وطالبوا بإدانة الاثنين معاً، وهذا ما رفضه الأعضاء الشماليون. وقد افتُتِحَ التقرير بهذا الخلاف الجوهري.
17
ولا بد من التمعّن في هذه النقطة والتوقّف عندها، لأنها تعكس جوهر النزاع الشمالي الجنوبي. فبالنسبة للسياسيين الشماليين على اختلاف مواقعهم في البعد السياسي في ذلك الوقت – إسلامي وعلماني، أو يساري ويميني، أو عسكري ومدني – فإن ما كان يحدث في الجنوب هو عملياتٌ إرهابيةٌ تقوم بها مجوعات متمرّدة يجب ردعها بكل الوسائل وإعادة القانون والنظام.
بالنسبة لهؤلاء الساسة الشماليين فإن الجيش الحكومي يمكن أن يرتكب مجزرتي جوبا وواو وغيرهما من المجازر، ويعدم 15 من السلاطين الجنوبيين أمام أسرهم، وهو بهذا يؤّدي دوره وواجبه الوطني لإعادة القانون والنظام وهزيمة التمرد.
لم يعر أيٌ من هؤلاء الساسة الشماليين أيَّ اعتبارٍ لحقوق هؤلاء المواطنين الأبرياء ولا لمطالبهم ومظالمهم. وكانت إدانة هذه الجرائم هي ما طالب به الأعضاء الجنوبيون.
18
كانت نقطة الخلاف الثانية تتعلّق بمسألة إعادة الأحوال إلى طبيعتها في الجنوب، والتي تعني في المقام الأول إعادة الأمن وحكم القانون وتنفيذ قرارات مؤتمر المائدة المستديرة الخاصة بالتنمية في جنوب السودان.
ولكن زوايا النظر المختلفة لمسألة إعادة النظام وحكم القانون لم يمكن التوفيق بينها، وبرز رأيان متضادان: هل إعادة النظام وحكم القانون خطوةٌ تسبق بالضرورة تنفيذ القرارات كلياً أو جزئياً، كما طالب الأعضاء الشماليون؟
أم أن الأصح هو أن تنفيذ القرارات هو السبيل الوحيد لإعادة النظام وحكم القانون، وهو ما تبنّاه الأعضاء الجنوبيون. ولم يتمكّن الطرفان من الاتفاق أو الوصول إلى حلٍّ وسط حول هذه المسألة.
19
أوصى تقرير اللجنة بتحويل عددٍ من الصلاحيات، بما فيها الحكم المحلي، إلى كلٍ من مديريات الجنوب الثلاثة، وإنشاء مجلسٍ تشريعيٍ محليٍ لإجازة القوانين المحلية ومراقبة السلطة التنفيذية والتي سيرأسها شخصٌ تختاره الحكومة المركزية والمجلس التشريعي.
أوصى التقرير كذلك بالسماح للجنوب بتطوير لغاته وثقافته.
غير أن مجالات الخلاف بين الأعضاء الجنوبيين والشماليين داخل اللجنة كانت كبيرة وواسعة في هذه المسائل، ويمكن تلخيصها في ثلاث مسائل جوهرية:.
20
كانت نقطة الخلاف الأولى حول طريقة اختيار الشخص الذي سيرأس السلطة التنفيذية في الجنوب أو في أيٍ من مديرياته. فقد أصرّ الأعضاء الشماليون على أن تقوم الحكومة المركزية في الخرطوم بتعيين هذا الشخص بعد التشاور مع المجلس التشريعي المحلي.
من الجانب الآخر فقد رأى الأعضاء الجنوبيون أن يتم انتخاب هذا الشخص انتخاباً مباشراً بواسطة سكان الإقليم. وقد رفض الأعضاء الشماليون حتى مقترح الأعضاء الجنوبيين الوسط بأن يقدّم المجلس التشريعي في الجنوب مرشحين تختار الحكومة المركزية أحدهما.
21
كانت نقطة الخلاف الثانية تتعلّق بالتقسيم الجغرافي لجنوب السودان. فقد رأى الأعضاء الجنوبيون أن تكوّن مديريات الجنوب الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية) إقليماً واحداً، لأن أيِّ تقسيمٍ للسودان يجب أن يبدأ بالشمال والجنوب كوحدتين وذلك للاختلافات في العرق الثقافة والدين واللغة.
وقد جادل الجنوبيون أن الجنوب يعتبر نفسه وحدةً قائمةً بذاتها، وليس ثلاث مديريات. رفض الشماليون هذا الطلب بإصرار وعنادٍ شديدين وجادلوا بأن بقاء الجنوب إقليماً واحداً سيساعد على إبقاء حالة المواجهة بين الشمال والجنوب، ولذا لا بد من بقاء تقسيم الجنوب إلى ثلاث مديريات أو أقاليم كما كان الوضع في ذلك الوقت.
22
تمثّلت نقطة الخلاف الثالثة في طلب الأعضاء الجنوبيين أن يكون لإقليم الجنوب حق إنشاء حرس محلي لمساعدة قوات الأمن في حفظ النظام. رفض الأعضاء الشماليون هذا المقترح بشدّة، وأصرّوا على أن تلك مسئولية الجيش النظامي فقط ولا يمكن تفويضها لأيّة جهةٍ أخرى، وأن سيادة السودان لا تسمح بها. لا بد من التذكير أن حالة الطوارئ في جنوب السودان كان قد تم إعلانها بعد حوادث توريت عام 1955، وظلت معلنةً حتى تاريخ توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005.
23
وقد برزت نقطة خلاف رابعة لكنها ليست بحجم أيٍّ من نقاط الخلاف الثلاثة الأخرى. فقد اقترح ممثل جبهة الجنوب منح الجنوب الحق في إقامة علاقات ثقافية مع البلدان الأخرى المجاورة بسبب التقارب الثقافي ووجود عددٍ من التلاميذ وطلاب المعاهد والجامعات في هذه البلدان. غير أن الأعضاء الشماليين في اللجنة رفضوا حتى مناقشة هذا المقترح.
24
كانت الخلافات الثلاثة الأولى خلافاتٍ جوهرية. غير أن النظرة المتأنيّة لها ترجّح كفة الجانب الجنوبي في المنطق والموضوعية في هذه النقاط الثلاثة.
فالجيش السوداني قد ارتبط في ذهن المواطن الجنوبي بالتسلّط والبطش والقتل منذ عام 1955، ولا يجب أن يتوقّع الشماليون أن ينسى الجنوبيون ذلك، وينسوا أيضاً مجزرتي جوبا و واو اللتين قتل فيهما الجيش الحكومي حوالي خمسمائة جنوبيٍ معظمهم نساء وأطفال، وكذلك مجزرة السلاطين التي أعدم فيه الجيش السوداني 19 من السلاطين أمام أسرهم وأطفالهم. لذا يبدو طلب الطرف الجنوبي بإبقاء وحدة مليشيا محلية لحفظ القانون والنظام في مدن الجنوب منطقياً،خصوصاً وأن مسألة استيعاب قوات الأنيانيا في الجيش السوداني لم تكن واردةً.
25
كما أن مسألة إدارة الجنوب كإقليمٍ واحد أو كثلاثة أقاليم كان يجب أن تكون مسألةً داخلية تخصّ ساسة الجنوب أكثر من الشمال، فهم على درايةٍ بمناطقهم وأهلهم واحتياجاتهم أكثر من أية جهةٍ أو حزبٍ شمالي.
26
غير أن الساسة الشماليين فقدوا كل مقومات المنطق والموضوعية عندما أصروا على أن يكون رئيس السلطة التنفيذية مُعيّناً بواسطة الخرطوم، وليس منتخباً بواسطة السكان الذين سيحكمهم، أو بواسطة جهازهم التشريعي كما طالب الجنوبيون في اللجنة.
الغريب في الأمر أن الحكومة والأحزاب التي تفاخر بأنها قد جاءت للسلطة بالانتخاب الحر المباشر تضنّ بذلك الحق على أبناء الجنوب داخل إقليمهم!.
27
لكن كل ذلك النقاش لم يعد مجدياً بعد أن قامت الجمعية التأسيسية وحكومة السيد محمد أحمد محجوب بتصعيد العمل العسكري في الجنوب لاستعادة القانون والنظام، وأطلقت يد الجيش بلا قيودٍ أو ضوابطٍ لإستعادة ذلك القانون والنظام.
وكان السيد محمد أحمد محجوب قد انتقد مراراً وتكراراً لجنة الاثني عشر وأعلن أنها قد فشلت في مهمتها، وأن الزمن والأحداث قد تجاوزتها.
28
أضاف السيد الصادق المهدي حال انتخابه رئيساً للوزارة خلفاً للسيد محمد أحمد محجوب تعقيداً آخر لأعمال لجنة الاثني عشر في مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية الذي عُقِد لمناقشة تقرير لجنة الاثني عشر.
افتتح السيد الصادق المهدي المؤتمر بوصفه رئيساً للوزراء في 17 أكتوبر عام 1966، وأعلن أن عقد مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية لمناقشة تقرير لجنة الاثني عشر لا يُغني عن تحويل التقرير للجنة الدستور.
وطالما أن لجنة الدستور كانت ستطبخ دستوراً إسلامياً عربياً مركزياً للسودان، فقد كان واضحاً أن الغرض من هذه المناورة الجديدة هو أن لا تكون مقررات لجنة الاثني عشر ملزمةً للجنة الدستور أو لأية جهة – بل هي مجرد توصيات. كما لا بد من التذكير بقرار لجنة الدستور التي رفضت قرار البرلمان في 19 ديسمبر عام 1955 بإعطاء الاعتبار الكافي لمطلب الجنوب للفيدرالية.
29
دار جدلٌ آخر حول هل سيناقش مؤتمر الأحزاب كل توصيات لجنة الاثني عشر أم سيتقتصر النقاش على نقاط الخلاف فقط.
أصر الدكتور حسن الترابي ممثل جبهة الميثاق الإسلامي على نقاش كل توصيات لجنة الاثني عشر، واعتبر أن المؤتمر من حقه قبول أيٍ من هذه التوصيات أو رفضها.
كان الغرض من هذه المناورة الجديدة أن مقررات لجنة الاثني عشر مجرد توصيات لا تلزم أحد.
كان غريباً اللجوء إلى هذه المناورة علماً بأن جبهة الميثاق الإسلامي كانت ممثلةً برئيسها في لجنة الاثني عشر. لكن يبدو أن السيد الصادق المهدي والدكتور حسن الترابي قد تقاسما مهمة وأد أعمال لجنة الاثني عشر. وقد تم لهما ذلك بنجاح!
30
كان المشاركون قد اختاروا السيد محمد صالح الشنقيطي رئيساً لمؤتمر الأحزاب لمناقشة توصيات لجنة الاثني عشر. مما يجدر ذكره أن السيد الشنقيطي كان قد قاد وفد شمال السودان لمؤتمر جوبا في يونيو عام 1947، وكان متوقّعا أن يلعب السيد الشنقيطي دوراً في إنجاح مؤتمر الأحزاب بسبب ذلك الارتباط بقضية الجنوب، ولكن هذا لم يحدث. فقد تبنّى السيد الشنقيطي مواقف الأحزاب الشمالية كما هي.
وقد كان لإبعاد المجموعة التي عملت في سكرتارية مؤتمر المائدة المستدير ة ولجنة الاثني عشر من هذا المؤتمر دورٌ كبير في نهاية هذا المؤتمر بدون أيّة نتائج إيجابية.
31
اختتم المؤتمر جلساته في العاشر من أبريل عام 1967، وأكمل تقريره في 2 مايو عام 1967. غير أن حكومة السيد الصادق المهدي سقطت في ذلك الشهر، بعد عشرة أشهر في الحكم، وعاد السيد محمدأحمد محجوب رئيساً للوزارة في 15 مايو عام 1967، أي بعد أقل من عامٍ من فقدانه لمنصبه. وبقي السيد محمد أحمد محجوب رئيساً للوزراء لمدة عامين، حتى الانقلاب العسكري في 25 مايو عام 1969.
كان عدم الاستقرار السياسي هذا سبباً آخر لحالة الارتباك والتخبّط التي سادت التعامل مع تقرير لجنة الاثني عشر. إضافةً إلى ذلك فقد كانت الخرطوم غارقةً في مشاكلها السياسية والدستورية.
فقد قضت المحكمة العليا أن قرار حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان قرارٌ غير دستوري، لكن حكومتي السيد الصادق المهدي والسيد محمد أحمد محجوب رفضتا ذلك القرار، في إهانةٍ بالغةٍ للقضاء واستقلاله، وللنظام الديمقراطي الذي أتى بهما إلى السلطة. وكرّر الاثنان أن قرار المحكمة حكمٌ تقريري. وهذا خطأ كبير، – شتّان ما بين حكم المحكمة العليا والحكم التقريري!
وتصاعدت الحرب في الجنوب وتواصل الدمار والموت بين الجانبين، وكان لتصعيد الحرب والصرف الكبير عليها، تحت شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، تأثيراتٌ بالغة على الاقتصاد السوداني الهشِّ أساساً.
32
عبّدَ كل ذلك الهرجُ السياسي والأمني والقانوني الطريقَ لعودة العسكر إلى السلطة في 25 مايو عام 1969، بعد خمسة أعوامٍ فقط من فقدانها، وبنفس السهولة التي أتى بها من سبقهم عام 1958.
كانت قضية الجنوب على رأس قائمة اهتمام الانقلابيين الجدد. فالخسائر المادية والبشرية وسط الجيش السوداني قد تزايدت بسبب سياسات حكومات العهد المدني الثانية الهوجاء، وبسبب تصعيد الحركات المسلحة لأعمالها، خصوصاً بعد مجازر جوبا وواو والسلاطين.
بدأ الانقلاب الثاني، على عكس الانقلاب الأول، بفتح صفحةٍ جديدةٍ في قضية الجنوب، وفي تاريخ السودان ككل، انبنتْ على الحلِّ السلمي ونبذِ البندقية. ولكن حدث ذلك خلال فترةٍ قصيرةٍ فقط، كما سنناقش في المقالين القادمين من هذه السلسلة من المقالات.
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)
1
تابعنا في المقالات الثمانية السابقة من هذه السلسلة من المقالات بروز مطلب النظام الفيدرالي لجنوب السودان من الأحزاب الجنوبية وقادتها. وأوضحنا كيف بدأ وتواصل الرفض القاطع لهذا المطلب من جميع الأحزاب الشمالية. تمَّ وتواصل هذا الرفض خلال فترتي الحكم المدني الأولى والثانية، وكذلك خلال فترة الحكم العسكري الأولى، والتي أدار فيها البلاد، وصعّد الحرب خلالها في الجنوب، الفريق إبراهيم عبود وصحبه في المجلس العسكري الحاكم.
2
تابعنا في المقال السابق فكرة وانعقاد مؤتمر المائدة المستديرة في شهر مارس عام 1965، وأوضحنا كيف تم عرض مقترح النظام الفيدرالي وكيف تم رفضه رفضاً تاماً بواسطة كل الأحزاب السياسية وجبهة الهيئات.
وناقشنا في المقال السابق أيضاً تحوّل المؤتمر إلى لجنة الاثني عشر التي لم يتعامل معها أيُّ حزبٍ شمالي بأي قدرٍ من الجدية. كما أوضحنا الخلافات الكبيرة داخل اللجنة حول القضايا الأساسية التي تم نقاشها، وانتقال تلك الخلافات إلى مؤتمر الأحزاب الذي انعقد لمناقشة تقرير اللجنة.
3
في تلك الأثناء توالت الخلافات السياسية، والنكسات العسكرية في الجنوب، والتي أدت إلى مزيدٍ من التهور للوضع الاقتصادي والتذمّر الاجتماعي لفترة الحكم المدني الثانية.
استغل الجيش السوداني هذا الوضع العسكري والسياسي والاقتصادي المضطرب واستولى على السلطة في انقلابٍ عسكري في 25 مايو عام 1969. حدث ذلك بعد أقل من خمسة أعوام من ثورة أكتوبر، وبعد حوالي عشرة أعوام من الانقلاب العسكري الأول.
4
وإذا كان الانقلاب الأول من بنات أفكار السيد عبد الله خليل، فقد كان الانقلاب الثاني من تخطيط وتنفيذ اليسار السوداني، ممثّلاً في الحزب الشيوعي والقوميين العرب والبعثيين. ويبدو أن الانقلاب كان ثأر اليسار على حلِّ الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان ورفض حكومتي السيدين الصادق المهدي ومحمد أحمد محجوب قرار المحكمة العليا بعدم دستورية الحل، وتضييق الخناق على الحريات بدعوى محاربة الشيوعية.
5
أذاع العقيد جعفر محمد نميري البيان الأول الذي أعلن فيه استيلاء القوات المسلحة على السلطة في البلاد، وتعليق العمل بدستور السودان المؤقت لعام 1964 (المعدّل لعام 1965)، وحلّ الحكومة والجمعية التأسيسية والأحزاب السياسية، وتطبيق الأحكام العرفية.
تشكّل مجلس قيادة الثورة برئاسة العقيد جعفر محمد نميري وعضوية ثمانية عسكريين ومدنيٍّ واحد هو السيد بابكر عوض الله الذي تمّ تعيينه نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، ورئيس الوزراء.
كان السيد بابكر عوض الله قد استقال من رئاسة القضاء احتجاجاً على عدم احترام القضاء والدستور وأحكامه بواسطة حكومتي السيدين محمد أحمد محجوب والصادق المهدي خلال فترة الحكم المدني الثانية عندما رفضت الحكومة قرار المحكمة العليا بعدم دستورية حلِّ الحزب الشيوعي.
عليه فها هو الرجل الذي استقال من منصبه القضائي احتجاجاً على عدم احترام الدستور والقانون يساهم مع العسكر في تمزيق الدستور بنفسه، ويصل إلى السلطة على ظهر دبابةٍ، وهو يحمل بندقية.
6
أصدر مجلس قيادة الثورة بيانه الأول، الذي سمّاه الأمر الجمهوري رقم 1، والذي حدّد فيه المعالم الدستورية الجديدة للسودان. ظلّت البلاد تُحكم بالأوامر الجمهورية حتى عام 1973، عندما أصدر نظام جعفر نميري ما أسماه الدستور الدائم للسودان، كما سنناقش لاحقاً.
مثل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي استولى على السلطة في 17 نوفمبر عام 1958، لم يشمل مجلس قيادة الثورة الجديد في 25 مايو عام 1969 أيّاً من أبناء الجنوب، وظل كذلك إلى تاريخ حلّه.
وقد تشكّل مجلس الوزراء، والذي كان غالبيته من المدنيين، برئاسة السيد بابكر عوض الله الذي شغل أيضا حقيبة وزارة الخارجية. وشمل مجلس الوزراء اثنين من أبناء الجنوب – السيدين أبيل ألير لوزارة الإسكان، وجوزيف قرنق لوزارة التموين.
7
عمل السيد أبيل ألير قاضياً، واستقال من الهيئة القضائية عام 1965 ليتمكّن من الانضمام لوفد جبهة الجنوب في مؤتمر المائدة المستديرة في مارس عام 1965، بعد أن رفض رئيس القضاء السيد بابكر عوض الله السماح له بالمشاركة في المؤتمر (في إجازة بلا مرتب) أثناء عمله قاضياً.
ولا بُدّ من الإشارة هنا إلى أن السيد بابكر عوض الله نفسه كان قد عمل قاضياً، ثم تمّ اختياره رئيساً لمجلس النواب بين الأعوام 1954 و1957، وقد عاد بعد ذلك للعمل في القضائية عام 1957.
وهذا الرفض شبيهٌ برفض السيد إسماعيل الأزهري للموظفين الجنوبيين لحضور مؤتمر حزب الأحرار عام 1954، كما ناقشنا من قبل. وقد برّر السيد الأزهري رفضه بأن موظفي الدولة غير مسموحٍ لهم بالعمل بالسياسة، في حين أن السيد الأزهري نفسه مارس العمل بالسياسة غندما كان مدرساً بالمدارس الحكومية.
8
تمّ تعيين السيد أبيل ألير في الحكومة رغم عدم وجود علاقةٍ له باليسار السوداني. أما السيد جوزيف قرنق فقد كان أيضاً قانونياً، ولكنه عمل بالمحاماة. وقد كان عضواً بالحزب الشيوعي السوداني، وفاز في دوائر الخريجين في انتخابات عام 1965 في قائمة الحزب الشيوعي، وطُرِد من الجمعية التأسيسية عندما اتخذت الجمعية قرار حلِّ الحزب الشيوعي وإسقاط عضوية نوابه الثمانية. وقد كانت القضية الدستورية التي رفعها نواب الحزب الشيوعي الثمانية ضد قرار طردهم وإسقاط عضويتهم من البرلمان (وكسبوها) باسم السيد جوزيف قرنق و”آخرين.”
وقد كان السيد جوزيف قرنق السوداني الجنوبي الوحيد الذي فاز في انتخابات برلمانية في شمال السودان في أيٍ من عهود الحكم المدني الثلاثة. كان ذلك على نقيض الوضع الذي كان التجار الشماليون يفوزون في الانتخابات في جنوب السودان بالتزكية، أو بأصواتٍ لاتتعدّى في مجملها البضع مئات، أوحتى العشرات، بسبب المقاطعة الجنوبية، والحالة الأمنية هناك. وقد فاز أحد المرشحين الشماليين في انتخابات عام 1968، بعشرين صوتٍ فقط من جملة الأشخاص المسجّلين، والبالغ عددهم ثلاثين ناخباً فقط، في دائرة توريت شمال (لاتوكا – الدائرة 8). وكان ذلك الفوز مدعاةً لتندّر وغضب الساسيين الجنوبيين. ومن سخرية القدر فإن هذه هي نفس الدائرة التي فاز فيها الأب سترنينو لوهوري في انتخابات عام 1953 بأكثر من ألف وسبعمائة صوت.
9
كان واضحاً أن مشكلة الجنوب قد احتلت قائمة اهتمامات الحكومة الجديدة. فقد أشار العقيد جعفر نميري في بيانه الأول في 25 مايو عام 1969 إلى هذه المشكلة، وإلى الحرب المتواصلة والمتصاعدة في الجنوب، وضرورة إيقافها وإحلال السلام والأمن من خلال التفاوض.
10
في يوم 9 يونيو عام 1969، أي بعد أسبوعين من الانقلاب، أصدرت الحكومة بياناً عن سياستها في الجنوب أُطلِق عليه بيان “9 يونيو.”
أوضح البيان أن ثورة مايو هي امتدادٌ لثورة أكتوبر في تقدميّة مبادئها، وفي عزمها على حل مشكلة الجنوب سلمياً. وضع البيان (مثل غيره من البيانات السابقة في هذا المجال) مسئولية مشكلة الجنوب على الاستعمار البريطاني الذي عزل الجنوب عن الشمال، وعلى الأحزاب السياسية الشمالية الرجعية التي لم تتعامل مع المشكلة بجدّية، وعلى السياسيين الجنوبيين الذين تحالفوا معها.
اعترف البيان بالخلافات التاريخية والثقافية بين طرفي البلاد، وبحقّ الجنوبيين في تنمية عاداتهم وتقاليدهم داخل إطار السودان الموحّد. أشار البيان بعد ذلك إلى اجتماعٍ مشترك بين مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء تمّ فيه مناقشة مشكلة الجنوب بتأنّي وعمق، وخلص الاجتماع المشترك إلى ضرورة الاعتراف بحق الجنوب في الحكم الذاتي في إطار السودان الموحّد.
11
تضمّن البيان برنامج عملٍ لتطبيق الحكم الذاتي اشتمل على عفوٍ كاملٍ عن كل المشتركين في النزاع منذ عام 1955 (عام حوادث توريت)، ووضع خطة تنميةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وثقافيةٍ للجنوب. شمل البيان تعيين وزير لشئون الجنوب، ومجلس تخطيط لتنمية الجنوب، وتحديد ميزانية خاصة لهذا الغرض، وتدريب أبناء الجنوب للمشاركة في الحكم الذاتي.
نادى البيان في ختامه الجنوبيين بإلقاء السلاح والعودة إلى السودان للانضمام إلى عملية السلام.
12
كان البيان مليئاً بالشعارات اليسارية الثورية من تحميل الامبريالية العالمية والاستعمار الحديث والأحزاب الرجعية مسئولية الحرب. ولكنه كان شجاعاّ في الاعتراف بالتباينات الثقافية والعرقية والدينية والتاريخية والاقتصادية، وضرورة حل المشكلة بالحوار. لم يشتمل البيان على عبارات متمردين أو ارهابيين أو خوارج أو خونة، وهي الصفات التي أطلقتها الحكومات السابقة على المحاربين الجنوبيين.
وكان مثار الدهشة أن تتحدث حكومةٌ عسكريةٌ عن حلٍ سلميٍ لمشكلة الجنوب، مقارنةً بحكومات العهد المدني الثاني التي قادها السيد محمد أحمد محجوب والسيد الصادق المهدي، والتي اعتمدت الحل العسكري الباطش لمشكلة الجنوب.
تمّ اتباع البيان بخطواتٍ عملية تضمّنت إنشاء وزارة لشئون الجنوب، وتعيين السيد جوزيف قرنق وزيراً لها. ولا بُدّ من التذكير أن الحزب الليبرالي (حزب الأحرار) كان قد طالب بإنشاء هذه االوزارة ولكنّ حكومات العهد المدني الأول رفضت هذا الطلب.
13
بدأت بعد ذلك اتصالاتٌ سرية بين الحكومة والقيادات السياسية للجنوبيين المرتبطة بالأنيانيا، والتي أعادت تنظيم نفسها في حركة تحرير جنوب السودان. أدّت تلك الاتصالات (وصدور بيان 9 يونيو) إلى بدء لقاءاتٍ سرية بين الحكومة الجديدة وحركة تحرير جنوب السودان في لندن، ثم في أديس أبابا.
تحوّلت تلك الاجتماعات إلى مفاوضات بين الاثنين في بداية فبراير عام 1972. وقد تمّ اختيار أديس أبابا مقراً للمفاوضات بمبادرة من الحكومة السودانية، قبلتها حركة تحرير جنوب السودان.
14
قاد وفد السودان لهذه المفاوضات السيد أبيل ألير، وشمل الوفد السادة الدكتور منصور خالد وزير الخارجية، والدكتور جعفر محمد علي بخيت وزير الحكم المحلي، والفريق الباقر أحمد وزير الداخلية، والسادة عبد الرحمن عبد الله وزير الخدمة العامة والإصلاح الإداري، وكمال أبشر، وميرغني سليمان.
وقاد وفد حركة تحرير جنوب السودان السيد ازبوني منديري، وشمل السادة الدكتور لورنس وول، مادينق دي قرنق، فريدريك بريان مابوت، أوليفر البينو، انجيلو فوقا مورغان، الأب بول بوت، وجوب أدير دي جوك.
لا بد من التذكير أن القائد ويليام دينق كان قد تم اغتياله في جنوب السودان في عام 1968. وكان الأب سترنينو لوهوري قد تم اغتياله في يوغندا عام 1967. وقد أشارت أصابع الاتهام في الحالتين إلى حكومة الخرطوم.
15
قامت الحكومة الإثيوبية ومجلس الكنائس العالمي ومجلس الكنائس الأفريقي بدور الوسيط في هذه المفاوضات، ولعبوا دوراً إيجابياً أدّى إلى توقيع اتفاقية أديس أبابا في 27 فبراير عام 1972. وقد تمت إجازة قانون الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي (المكوّن الأساسي للاتفاقية) في 3 مارس عام 1972، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في ذلك اليوم بعد التصديق عليها لاحقاً بواسطة السيد جعفر نميري رئيس جمهورية السودان (بذاك الوقت)، والسيد جوزيف لاقو رئيس حركة تحرير جنوب السودان.
وهكذا بعد قرابة ثلاثة أعوامٍ من صدور بيان 9 يونيو عام 1969 تمّ التوصل لاتفاقٍ بين شمال السودان وجنوبه، وعاد السلام لأول مرة إلى جنوب السودان بعد 17 عامٍ من الحرب والموت والدمار.
16
لكن الخارطة السياسية والدستورية في السودان كانت قد تغيّرت بصورةٍ جذرية خلال الأعوام الثلاثة تلك. ففي مارس عام 1970، أي بعد أقل من عامٍ من انقلاب 25 مايو 1969، قاد السيد الهادي المهدي إمام طائفة الأنصار عصياناً على الحكومة واحتمى في الجزيرة أبا معقل طائفة الأنصار. أرسلت الحكومة قواتها ودارت معارك غير متكافئة استعمل فيها العقيد نميري سلاح الطيران، وقُتِل فيها آلاف الأنصار، ثم قُتِل بعد أيام السيد الإمام الهادي نفسه، مع بعض أنصاره، في الحدود مع إثيوبيا.
وفي يوليو عام 1971، بعد عامٍ وربع العام من حوادث الجزيرة أبا، جرت محاولة انقلاب قام بها الحزب الشيوعي السوداني، وذلك نتيجة الخلافات بين الحزب وقادة انقلاب 25 مايو حول ثورية النظام وبرامجه. وقد فشلت المحاولة وتمّ القبض على قادتها الذين شملوا ثلاثةً من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وتم اعدامهم مع عددٍ من قيادات الحزب الشيوعي المدنية، بعد محاكماتٍ صوريةٍ شكليّةٍ عاجلةٍ.
17
قرّرت الحكومة الاستفادة من مناخ الخوف وكبت الحريات الذي خلّفته أحداث الجزيرة أبا والمحاولة الانقلابية، وأجرت ما اسمته استفتاءً شعبياً في أغسطس عام 1971 تمّ بموجبه اختيار جعفر نميري رئيساً للجمهورية. وتبع ذلك إنشاء الاتحاد الاشتراكي السوداني (تحالف قوى الشعب العاملة!) ليصبح الحزب الوحيد المعترف والمسموح به في السودان.
وتمّ حلّ مجلس قيادة الثورة وتعيين من تبقى من أعضائه أحياء وزراء أو في قيادة الاتحاد الاشتراكي السوداني.
ثم تم إصدار الأمر الجمهوري الخامس مفصلاً الوضع الدستوري الجديد الذي انبنى لأول مرة في تاريخ السودان على النظام الرئاسي بصلاحياتٍ واسعةٍ لرئيس الجمهورية، كانت تزداد وتتوسّع بمرور الشهور، ومع كل تعديلٍ للدستور يقوده وينظّمه “دكاترة” نميري المخلصين.
18
بعد أسابيع قلائل من الاستفتاء الذي أتى به رئيساً للجمهورية قام الرئيس جعفر نميري بتعيين عددٍ من السياسيين الجنوبيين في عدة مواقع تنفيذية قيادية في الشمال والجنوب. فقد تمّ تعيين السيد أبيل ألير نائباً لرئيس الجمهورية، وتعيين السيد هيلري لوقالي سكرتير جبهة الجنوب والعضو البرلماني والوزير السابق محافظاً للمديرية الإستوائية، والسيد لويجي أدوك عضو مجلس السيادة والبرلماني السابق محافظاً لمديرية أعالي النيل، والسيد توبي مادوت البرلماني والقيادي السابق في حزب سانو محافظاً لمديرية بحر الغزال.
وقد نصّ القرار الجمهوري بأن يكون كلٌ من المحافظين الثلاثة في مرتبة وزير مركزي، ومنحهم الصلاحيات الكاملة لإدارة مديرياتهم.
أرسلت تلك التعيينات، والتأكيد على الصلاحيات الواسعة التي مُنِحت للمحافظين الثلاثة، رسالةً إيجابية إلى أبناء جنوب السودان، وخاصةً لقيادات حركة تحرير جنوب السودان التي كانت ما تزال تتجادل مع بعضها البعض في مسألة التفاوض مع نظام الرئيس نميري. وساهمت تلك التعيينات كثيراً في تعبيد طريق الثقة الذي قاد للمشاركة في مفاوضات أديس أبابا وإلى نجاحها.
19
عليه فقد كانت الخارطة السياسية والدستورية في السودان عند توقيع اتفاقية أديس أبابا، ودخولها حيز النفاذ في 3 مارس عام 1972، تختلف تماماً عن تلك التي كانت سائدةً عند بدء الاتصالات بين الحكومة وحركة تحرير جنوب السودان في النصف الثاني من عام 1969.
اختفت الشعارات اليسارية الثورية من برامج الحكومة وسياساتها، ومنح الرئيسُ جعفر نميري مناصبَ بصلاحيات واسعة لبعض القيادات الجنوبية التي لم يكن لها أي ارتباطٌ باليسار، مما جعل دول الجوار والدول الكبرى ومجلس الكنائس العالمي أكثر تقبّلاً لعرض التفاوض وللمساهمة في إنجاح المفاوضات.
وقد قبلت بعض هذه الأطراف أيضاً أن تكون شاهداً على اتفاقية أديس أبابا. فقد كانت تلك التعيينات مؤشراً قوياً لقبول النظام الجديد (من حيث المبدأ) مطلب الفيدرالية الذي ظل أيناء الجنوب ينادون به منذ عام 1947.
20
تكوّنت اتفاقية أديس أبابا من ثلاثة أجزاء. كان الجزء الأول هو قانون الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي الذي تمّت إجازته بواسطة الحكومة السودانية في 3 مارس عام 1972 بعد أن تمّ الاتفاق على مضمونه خلال المفاوضات التي انتهت في 27 فبراير. بالإضافة إلى مواده الأربعة وثلاثين، فقد اشتمل القانون أيضاً على ملحقين، اختصّ الأول بالحقوق الأساسية والحريات، والثاني على بنود الإيرادات.
أما الجزء الثاني من الاتفاقية فقد اشتمل على اتفاقٍ بشأن وقف إطلاق النار، بينما تكوّن الجزء الثالث من أربع بروتوكولات (أو فصول) خاصة بالتنظيمات المؤقتة، الأول بشأن التدابير الإدارية المؤقتة، والثاني خاص بقوات الشعب المسلحة في الإقليم الجنوبي، والثالث عن العفو العام والترتيبات القضائية، والرابع والأخير عن إعادة التوطين.
21
عرّف قانون الحكم الذاتي الإقليم الجنوبي بأنه يتكوّن من مديريات جنوب السودان الثلاثة، أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية، بحدودها القائمة في اليوم الأول من يناير عام 1956، وأية مناطق أخرى كانت جغرافياً وثقافياً جزءاً من الكيان الجنوبي على نحو ما قد يتقرّر عن طريق الاستفتاء.
ورغم عدم ذكر منطقة أبيي المتنازع عليها بين الشمال والجنوب بالإسم في الاتفاقية، إلا أنه كان مفهوماً للأطراف أن الإشارة في ذلك النص هي لمنطقة أبيي. وقد أكّدت ذلك الفهم بعض القرارات التي تمّ اتخاذها لاحقاً.
22
أشار القانون إلى أن إقليم جنوب السودان يتمتّع بحق الحكم الذاتي داخل نطاق السودان الموحّد، وتكون له أجهزة تشريعية وتنفيذية تمارس الاختصاصات والسلطات المضمّنة في القانون.
أعلن القانون اللغة العربية اللغة الرسمية للسودان، واللغة الإنجليزية لغةً رئيسيةً لإقليم جنوب السودان وذلك مع عدم المساس باستعمال أيّةِ لغةٍ أو لغاتٍ أخرى قد تخدم ضرورة عملية، أو تساعد على أداء المهام التنفيذية والإدارية في الإقليم، وأكّد على حقِّ الأقليات في استعمال لغاتها وتطوير ثقافاتها وعاداتها.
23
أنشأ القانون مجلس الشعب الإقليمي والذي يتمّ انتخابه عن طريق الاقتراع السري المباشر، ومنحه السلطات الكاملة للتشريع في المسائل المحلية لحفظ النظام العام والأمن الداخلي في الإقليم الجنوبي ولإدارته بطريقة رشيدة وتنميته في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وعدّد القانون هذه المسائل بصورة تفصيلية.
كذلك عرّف القانون المسائل الوطنية التي لا يحقّ لمجلس الشعب الإقليمي أو المجلس التنفيذي العالي ممارسة أيّة سلطة فيها بأنها تشمل شئون الدفاع والأمن، والعلاقات الخارجية، والعملة والنقد، والاتصالات والجمارك والتجارة الخارجية (ما عدا تجارة الحدود)، والجنسية والهجرة، والتخطيط الاقتصادي والتخطيط التربوي، والمراجعة العامة.
24
أنشأ القانون أيضاً المجلس التنفيذي العالي وأسند إليه السلطات التنفيذية التي يباشرها نيابةً عن رئيس الجمهورية. أوضح القانون أن اختيار رئيس المجلس التنفيذي العالي وعزله يتم بواسطة رئيس الجمهورية بناءً على توصية مجلس الشعب الإقليمي.
أشار القانون كذلك إلى حق مجلس الشعب الإقليمي أن يطلب بأغلبية ثلاثة أرباع أعضائه، ولأسباب محدّدة تتعلق بالمصلحة العامة، من رئيس الجمهورية إعفاء رئيس المجلس التنفيذي العالي، ويتعين على الرئيس الموافقة على مثل هذا الطلب.
25
أشار القانون إلى أن أبناء الإقليم الجنوبي يكوّنون جزءاً من الجيش السوداني يتناسب مع عدد سكانه، وأوضح أن استعمال قوات الشعب المسلحة داخل إقليم جنوب السودان في مسائل تخرج عن إطار الدفاع الوطني تخضع لإشراف رئيس الجمهورية بناءً على نصيحة رئيس المجلس التنفيذي.
كما أعطى القانون رئيس الجمهورية الحق في الاعتراض على أي مشروع قانون يرى أنه يتعارض مع الدستور، على أنه يجوز لمجلس الشعب الإقليمي بعد اطلاعه على وجهة نظر رئيس الجمهورية أن يعيد عرض مشروع القانون مرةً أخرى.
26
أوضحت المادة الأخيرة من القانون أنه لا يجوز تعديل الاتفاقية إلاّ بأغلبية ثلاثة أرباع مجلس الشعب القومي وموافقة ثلثي مواطني إقليم جنوب السودان في استفتاءٍ عام يُجرى في المديريات الجنوبية الثلاثة.
27
تضمّن القانون ملحقاً عن الحقوق والحريات الأساسية أوضح فيه أن السودانيين يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون بغض النظر عن العرق أو الموطن أو اللغة أوالدين، وأن لكل المواطنين الحقّ في حرية الدين والفكر، ولهم الحق في ممارسة شعائرهم الدينية في العلن، وإنشاء المؤسسات الدينية وفقاً للقانون.
كما تضمّن القانون تفاصيل عن مبادئ العدالة والشرعية القانونية وحظر العقوبة الجماعية، وكل أنواع العمل الإجباري والسخرة إلّا بقانون، وكفل حق الأجر المتساوي للعمل المتساوي.
28
أما الملحق الثاني للاتفاقية فعدّد بنود الإيرادات والمنح المقدمة من الحكومة المركزية للإقليم الجنوبي. شملت بنود الإيرادات الأرباح المتراكمة لدى الحكومة المركزية والناتجة عن تصدير منتجات الإقليم الجنوبي، وضريبة الأرباح التجارية للإقليم الجنوبي والرسوم المفروضة على المشروبات الكحولية المستهلكة في الإقليم، والضرائب المفروضة على منتجات غابات الإقليم، وكذلك ضريبة التنمية الخاصة التي تُدفع من قبل المقيمين في الإقليم الجنوبي.
29
تكوّن الجزء الثاني من الاتفاقية على اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في الإقليم الجنوبي، وشمل تكوين لجنةٍ مشتركةٍ يؤول إليها تنفيذ كافة الموضوعات المتعلّقة بوقف إطلاق النار، بما في ذلك تعويض اللاجئين.
وتضم اللجنة المشتركة أعضاء من كافة الدول المتاخمة للإقليم الجنوبي، بالإضافة إلى ممثلين من اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومجلس الكنائس العالمي ومجلس الكنائس الأفريقي ومكتب مندوب الأمم المتحدة السامي للاجئين.
30
وتكوّن الجزء الثالث من اتفاقية أديس أبابا من مجموعة بروتوكولات (أو فصول) اختصّت بالتنظيمات الانتقالية المؤقّتة، إلى حين إجراء الانتخابات. تناول الفصل الأول الإجراءات الإدارية المؤقّتة والتي أعطت رئيس الجمهورية صلاحيات تعيين رئيس وأعضاء المجلس التنفيذي بعد التشاور مع حركة تحرير جنوب السودان والاتحاد الاشتراكي السوداني في الإقليم الجنوبي، وذلك حتى قيام مجلس الشعب الإقليمي.
وتناول الفصل الثاني تكوين القوات المسلحة في الإقليم الجنوبي (القيادة الجنوبية) من 12,000 ضابط وجندي يكون نصفهم من أبناء الإقليم، وأنشأ اللجنة العسكرية المشتركة من ضباط شماليين وجنوبيين لاختيار الضباط والجنود الجنوبيين الذين سيتم استيعابهم في القوات المسلحة. وكان واضحاً أن الإشارة هنا إلى ضباط وجنود حركة تحرير جنوب السودان الذين سوف يتم دمجهم في القوات المسلحة.
تناول الفصل الثالث العفو عن كل المشاركين في العمل المسلّح في جنوب السودان منذ 18 أغسطس عام 1955، وهو تاريخ تمرد حامية مدينة توريت. وشمل العفو الأفعال الجنائية وكذلك القضايا المدنية ذات الصلة بالأفعال التي ارتبطت بالتمرد.
اشتمل الفصل أيضاً على إطلاق سراح كافة الأشخاص الذين كانوا يقضّون فترة عقوبة الحبس أو رهن الاحتجاز لارتكابهم جرائم مرتبطة بالتمرد، وقضى القرار بإطلاق سراحهم خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ التصديق على اتفاق أديس أبابا.
31
شمل الفصل الرابع إجراءات الإغاثة وإعادة توطين اللاجئين العائدين وإعادة تعمير المناطق المتأثّرة بالحرب. وكوّن لجنةً من ثلاثة أعضاء يمثّل أحدهم الحكومة المركزية، والآخر يمثّل مكتب مندوب الأمم المتحدة السامي للاجئين، والثالث يمثّل الإقليم الجنوبي، على أن تضمَّ ممثلاً عن الحكومة المضيفة للاجئين، بالإضافة إلى ممثل الحكومة المركزية، وهو سفير السودان أو مندوبه.
32
تمّ التوقيع على اتفاقية أديس أبابا في 27 فبراير عام 1972 بواسطة رئيسي الوفدين – السيد أبيل ألير ممثلاً لحكومة السودان، والسيد أزبوني منديري ممثلاً لحركة تحرير جنوب السودان، وكذلك بقية أعضاء الوفدين.
ولا بد من ملاحظة أن رئيسي الوفدين اللذين وقّعا على اتفاقية أديس أبابا كانا من أبناء الإقليم الجنوبي، وهو ما يكون قد خلّف الانطباع أن تلك الاتفاقية هي تعبيرٌ في نهاية الأمر عن الوحدة الوطنية بين شقّي البلاد. كما أن ذلك الوضع قد أرسل رسالةً مفادها أن مصالح ومواقف الجنوبيين قد قام بتمثيلها والتوقيع على الاتفاق الخاص بها نيابةً عن حكومة السودان أحد قادة الجنوبيين أنفسهم. وقد أدهش ذلك الوضع الكثير من المراقبين، وفسروه بحسن نية الخرطوم وحكومتها العسكرية الجديدة.
وكان السيد أبيل ألير قد تمّ تعيينه وقتها نائباً لرئيس الجمهورية. بينما كان السيد أزبوني منديري قد عمل وزيراً للنقل والمواصلات في حكومة أكتوبر الأولى، لكنه غادر السودان بعد فشل مؤتمر المائدة المستديرة وانضم إلى حركة تحرير جنوب السودان وأصبح من قادتها.
وقد شهد على التوقيع ممثلون لامبراطور إثيوبيا، ومجلس الكنائس العالمي، ومجلس الكنائس الأفريقي، ومجلس الكنائس السوداني. وتمّ التصديق على الاتفاقية بواسطة السيد جعفر نميري رئيس جمهورية السودان، والسيد جوزيف لاقو رئيس حركة تحرير جنوب السودان في 12 مارس عام 1972 ودخلت حيز النفاذ بأثر رجعي ابتداءً من 3 مارس عام 1972، وهو تاريخ إجازة قانون الحكم الذاتي الإقليمي كما ذكرنا أعلاه.
33
ثار جدلٌ خلال المفاوضات حول تسمية الوضع الجديد في السودان. أصر الوفد الجنوبي في بداية المفاوضات على كلمة الفيدرالية، بينما تمسّك وفد الخرطوم بمصطلح “الحكم الذاتي الإقليمي.” كان من الواضح أن هناك “استحياء” من جانب الوفد الحكومي على استعمال كلمة فيدرالية، بسبب التخوف من ردة فعل الأحزاب الشمالية التي رفضت رفضاً قاطعاً هذه الكلمة منذ عام 1951.
تدخّل الوسطاء واقنعوا الوفد الجنوبي أن العبرة بمضمون الاتفاقية وليس ياسمها. كما أوضح الوسطاء والوفد الحكومي أن مضمون مشروع اتفاقية أديس أبابا قد منح جنوب السودان صلاحيات واسعة لحكم نفسه، وأن هذه الصلاحيات هي نفس ما طالبت به الحركات والأحزاب الجنوبية، منذ السنوات التي سبقت الاستقلال، تحت مسمى الفيدرالية. وقد أبدى الجانب الجنوبي القدر الكافي من المرونة بقبوله مسمى “الحكم الذاتي” بدلاً من “الفيدرالية.” وحسم هذا التدخل الجدل حول اسم الاتفاقية.
صحيحٌ أن الفيدرالية هي شكلٌ متقدمٌ من الحكم الذاتي. ولكن بنفس القدر والمنطلق، فإن الحكم الذاتي هو الحد الأدنى للفيدرالية. عليه فإن القول أن اتفاقية أديس أبابا لم تمنح الجنوب مطلبه بالفيدرالية (والذي ظلت بعض الأحزاب الشمالية تكرره) غير دقيق وغير سليم، بل وغير أمين.
34
وكما ناقشنا في سلسلة المقالات السابقة، فقد تعامل الإسلاميون بنفس “الاستحياء” في إعلان فرانكفورت في يناير عام 1992، والذي منح شعب جنوب السودان حق تقرير المصير، دون استخدام ذلك المصطلح في الإعلان بناءً على طلب وإصرار وفد حكومة الإنقاذ لمفاوضات فرانكفورت.
35
سوف نواصل في المقال القادم مناقشة اتفاقية أديس أبابا وبداية تنفيذها، ونقارن بنودها بمقررات لجنة الاثني عشر ومؤتمر المائدة المستديرة. سنتعرّض بعد ذلك إلى التطورات التي أدّت إلى تعثّر التنفيذ، ثم إلى وأد الاتفاقية، وإلى اشتعالِ الحرب مرةً ثانية في جنوب السودان.
غير أن الحرب اندلعتْ هذه المرة تحت قياداتٍ وبرامج وشعاراتٍ في جنوب السودان اختلفت تمام الاختلاف عن الحرب السابقة، كما سنناقش في المقال القادم (العاشر) من هذه السلسلة من المقالات.
 
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (10 – 12)
1
تابعنا في المقالات التسعة السابقة من هذه السلسلة من المقالات بروز مطلب النظام الفيدرالي لجنوب السودان من الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية. وأوضحنا كيف بدأ وتواصل الرفض القاطع لهذا المطلب من جميع الأحزاب الشمالية خلال فترتي الحكم المدني الأولى والثانية، وكذلك خلال فترة الحكم العسكري الأولى.
2
تابعنا بعد ذلك فكرة وانعقاد مؤتمر المائدة المستديرة في شهر مارس عام 1965، في بداية فترة الحكم المدني الثانية. أوضحنا كيف تم عرض مقترح النظام الفيدرالي وكيف تم رفضه رفضاً تاماً بواسطة كل الأحزاب السياسية الشمالية وجبهة الهيئات التي قادت ثورة أكتوبر. كما تابعنا كيف تحول المؤتمر إلى لجنة الاثني عشر وتعرّضنا بالتفصيل لتقرير اللجنة، وأوضحنا الخلافات الكبيرة حوله.
وناقشنا في المقال السابق انقلاب 25 مايو 1969، وعزم قادته على حل قضية الجنوب، وصدور بيان 9 يونيو عام 1969، والتوصل بعد ذلك إلى اتفاقية أديس أبابا. وناقشنا بتفصيلٍ موسّعٍ بنود وملاحق الاتفاقية، والتوقيع عليها بواسطة السيد ابيل ألير ممثلاً لحكومة السودان، والسيد أزبوني منديري ممثلا لحركة تحرير جنوب السودان (وبقية أعضاء الوفدين)، ودخول الاتفاقية حيز النفاذ في 3 مارس عام 1972.
3
تمّ تعيين السيد أبيل ألير رئيساً للمجلس التنفيذي في الإقليم الجنوبي، بالإضافة إلى مهامه كنائب لرئيس الجمهورية التي تمّ تعيينه لها، كما ذكرنا سابقاً، في نهاية عام 1971،عقب الاستفتاء على رئاسة الجمهورية.
كانت وظيفة نائب رئيس الجمهورية أعلى وظيفة سياسية في تاريخ السودان في الحكومة المركزية في الخرطوم يتولاها أحد السياسيين السودانيين الجنوبيين. كان المنصب الأقرب لها هو رئاسة مجلس السيادة الدورية الشهرية بين أعضائه والتي جرّد الحزبان الكبيران الجنوبيين منها عندما عدّلا الدستور في يونيو عام 1965 لتكون الرئاسة دائمة، وتؤول إلى السيد إسماعيل الأزهري.
4
تمّ تعيين السيد جوزيف لاقو لواءً بالجيش السوداني وعضواً بالمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي السوداني. وتكوّن المجلس التنفيذي من بعض الساسة الجنوبيين الذين عادوا من المنفى. وعيّنت الحكومة أعداداً كبيرة من الجنوبيين العائدين من المنفى، وكذلك الذين بقوا في السودان، في الخدمة المدنية في الجنوب.
كذلك شملت الحكومة المركزية جنوبيين في وزاراتٍ لها وزنها السياسي. فقد تمّ تعيين السيد بونا ملوال وزيراً للثقافة والإعلام، والدكتور لورنس وول وزيراً للتخطيط، والدكتور فرانسيس دينق وزير دولة بوزارة الخارجية.
5
عمّت الاحتفالات مدن وقرى جنوب السودان وقابلت الجماهير في جنوب السودان الرئيس جعفر نميري بحفاوةٍ لم يلقها في أيِّ مكانٍ في السودان منذ أن قام بانقلابه قبل ثلاثة أعوام.
امتد الابتهاج إلى الأكادييمين الجنوبيين الذين أشادوا بالرئيس جعفر نميري وشجاعته. فقد كتب الدكتور دانستن واي “لقد كسب الرئيس نميري بدون شكٍ ثقة الجنوبيين لأنه برهن أنه رجلٌ يحترم وعوده وكلمته. لقد وجد السودان لأول مرةٍ في تاريخه منذ الاستقلال رجلاً قوي العزيمة، يمتاز بثقابة الرؤية والأفكار التي اتضح أنها عملية بصورةٍ واضحة.”
وعلى نفس المنهاج كتب الدكتور فرانسيس دينق “إن الحكم الذاتي الإقليمي كان أكثر الحلول معقوليةً يمكن للرئيس أن يطبقه ويجب اعتباره خطوةً عملاقة نحو الحل النهائي لمشكلة الجنوب.”
لا بد أن قادة الدعوة للنظام الفيدرالي من أبناء الجنوب – خصوصاً الراحلان الأب سترنينو لوهوري والسيد ويليام دينق – قد ابتسموا في زهو وإعجابٍ بتلك الإنجازات السياسية الرائعة لحركة تحرير جنوب السودان.
6
دخل السودان حقبةً جديدةً في تاريخه. فقد توقّفت الحرب في الجنوب لأول مرةٍ منذ عام 1955، وانتهت سبعة عشر عاماً من القتل والقصف والدمار والتشريد لأبناء الجنوب، وبدأ مئات الآلاف من اللاجئين الجنوبيين الذين شردّتهم الحرب إلى كينيا ويوغندا وتنزانيا وجمهورية الكنغو الديمقراطية في العودة إلى السودان.
وقرّرت الدول الصديقة وصناديق التنمية والمنظمات المالية الدولية المساهمة في بناء الاحتياجات الأساسية من مدارس ومستشفيات وطرق ومحطات مياه، والتي لم يكن معظم أرجاء الجنوب يعرفها بعد، وتدريب أبناء الجنوب على العمل في هذه المؤسسات.
7
بعد عامٍ من اتفاقية أديس أبابا صدر دستور السودان الدائم لعام 1973، وحلّ مكان الأمر الجمهوري رقم 5. تناولت المادة الثامنة من الدستور اتفاقية أديس أبابا ونصّت على أنه “يقوم نظام للحكم الذاتي الإقليمي في الإقليم الجنوبي على أساس السودان الموحّد وفقاً لقانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972 والذي يعتبر قانوناً أساسياً لا يجوز تعديله إلّا وفقاً للنصوص الواردة فيه.” وهكذا تمّ تضمين اتفاقية أديس أبابا في الدستور الدائم للسودان لعام 1973، معطياً اتفاقية أديس أبابا وضعاً دستورياً راسخاً ومميزاً.
8
كانت الاتفاقية متوازنةً لحدٍ كبير، فقد حافظت على وحدة السودان، وأعطت أبناء الجنوب حق حكم أنفسهم وتطوير لغاتهم وثقافتهم وعاداتهم واعترفت بدياناتهم. وكانت الاتفاقية شجاعةً فقد اعترفت لأول مرة بالتباينات العرقية والدينية واللغوية والثقافية بين شعبي السودان، بدلاً من التصريحات والخطب الاستعلائية والاستخفافية من قادة الأحزاب الشمالية الدينية الثلاثة.
فقد وصفت إحدى تلك الخطب الجنوب بأنه يعاني من فراغٍ ثقافيٍ سيملؤه الإسلام والعروبة. بينما وصفت خطبةٌ ثانية السودان بأنه دولة إسلامية عربية، وطالبت من لا يتفق مع هذا الرأي بحزم امتعته ومغادرة السودان.
9
وقد ادّعت بعض قيادات الأحزاب الشمالية أن اتفاقية أديس أبابا لم تُعطِ الجنوب الحكم الفيدرالي الذي كان يطالب به، وظلت تكرّر أيضاً باستمرار أن الاتفاقية انبنت تماماً على توصيات لجنة الاثني عشر المنبثقة عن مؤتمر المائدة المستديرة التي رفضها الجنوبيون.
وقد كان الغرض من ذلك النقد هو الإيحاء بأن الأحزاب الجنوبية كانت متعنّتةً عندما رفضت مقرّرات مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر، وقبلت نفس التوصيات في اتفاقية أديس أبابا.
كان الغرض أيضاً الأيحاء بأن الأحزاب الشمالية قد تعاملت مع مشكلة الجنوب بمسئولية وقدّمت نفس التنازلات التي قدمها نظام الرئيس جعفر نميري، لكن القيادات الجنوبية تعاملت معها بقدرٍ من التعنّت.
10
لكن ادعاء الأحزاب الشمالية هذا ليس صحيحاً، ولم يكن أميناً.
كان يجب أن لا تعني مسألة تسمية النظام السياسي الذي أرسته الاتفاقية – نظام فيدرالي أو حكم ذاتي إقليمي – شيئاً كبيراً بالنسبة للقيادات السياسية في الشمال أو الجنوب. كان المهم هو المضمون الذي أعطى الجنوبيين الحق في حكم إقليمهم بدون تدخّلٍ من المركز، أو بتدخّلٍ متوازنٍ في بعض الحالات، وتنمية ثقافاتهم ولغاتهم وأديانهم. كما أعطتهم الحق في المشاركة في حكم السودان ككل من خلال وزارات ووظائف أخرى في الخرطوم ذات مسئوليات.
وكما ذكرنا في المقال السابق، صحيحٌ أن الفيدرالية هي شكلٌ متقدمٌ من الحكم الذاتي. ولكن من نفس المنطلق فإن الحكم الذاتي هو الحد الأدنى للفيدرالية. عليه فإن القول أن اتفاقية أديس أبابا لم تمنح الجنوب مطلبه بالفيدرالية غير دقيق وغير سليم.
11
وقد نجحت الاتفاقية في معالجة الأمور الخلافية الثلاثة في توصيات لجنة الاثني عشر بمعقوليةٍ لم يتوفر حتى الحد الأدنى منها خلال فترة عمل لجنة الاثني عشر، أو خلال الجدل الذي دار بعد ذلك في مؤتمر الأحزاب، وأيضا خلال فترة الحكم المدني الثانية.
تركت الاتفاقية الجنوب إقليماً واحداً كما طالب الجنوبيون، ولم يتم الإصرار على ثلاثة أقاليم كما فعل الشماليون في لجنة الاثني عشر، وبلا أسباب منطقية.
وحلّت الاتفاقية مسألة طريقة اختيار رئيس المجلس التنفيذي حلّاً وسطاً أعطى سلطة التعيين إلى رئيس الجمهورية بناءً على توصية مجلس الشعب الإقليمي، بدلاً من تعيينه بواسطة الحكومة المركزية كما أصرّ الشماليون في لجنة الاثني عشر. من الواضح أن دور رئيس الجمهورية هنا هو دور سياديٌ فقط، إذ لا يتوقّع أحد رفض رئيس الجمهورية لتوصية مجلس الشعب الإقليمي.
واتّبعت الاتفاقية نفس الحل الوسط في مسألة حفظ الأمن في الجنوب. فقد رفض الشماليون في لجنة الاثني عشر فكرة قيام وحدة عسكرية جنوبية للمساعدة في حفظ الأمن في الجنوب. كان البديل الذي قدمته اتفاقية أديس أبابا هو تكوين وحدة عسكرية مشتركة يتساوى في عددها الشماليون والجنوبيون، وتستوعب العناصر المسلحة من حركة تحرير جنوب السودان، وتسمّى القيادة الجنوبية. عليه فيصبح القول أن اتفاقية أديس أبابا هي توصيات لجنة الاثني عشر هو مغالطةٌ بلا معنى.
12
غير أن أهم ما قامت به اتفاقية أديس أبابا هو أنها تفاوضت مع حملة السلاح على عكس مفاوضات المائدة المستديرة التي تجاهلت تلك الحركات. بل ذهبت حكومة السيد محمد أحمد محجوب أبعد من هذا عندما أعطت إنذاراً للحركات الجنوبية المسلّحة بإلقاء سلاحها بلا مقابل، ووصفتها قادتها بالإرهابيين والعملاء. وقد حدث ما هو متوقّع، وتجاهلت الحركات ذلك الإنذار المتغطرس الأهوج، وتصاعدت الحرب حتى خلال فترة انعقاد المؤتمر.
13
وبالنظرة المتكاملة إلى هذه الحلول الوسط للمسائل الخلافية لا بد للمرء أن يتساءل لماذا لم يقدّم مندوبو الأحزاب الشمالية في مؤتمر الأحزاب الذي ناقش توصيات لجنة الاثني عشر (المنبثقة عن مؤتمر المائدة المستديرة) أيّة مقترحاتٍ كان يمكن أن توصل الطرفين إلى حلٍّ وسط في الأمور الخلافية الثلاثة؟
يبدو أنه كان هناك تخوّفٌ لا مبرر له من أن إعطاء جنوب السودان قدراً كبيراً من الصلاحيات قد يمهد الطريق لانفصاله. كما كان هناك التعنّت الثابت والمتزايد تجاه قضية جنوب السودان، والتعامل باستخفافٍ وغطرسة مع مطالب الجانب الجنوبي.
وتشير بعض المصادر إلى أن الدكتور حسن الترابي مندوب الجبهة القومية الأسلامية في لجنة الاثني عشر أوضح أنه يفضل انفصال جنوب السودان على إبقاء المديريات الجنوبية الثلاثة إقليماً واحداً. وهذا دون شك رأيٌ مدهش!
الذي حدث هو العكس تماماً لموقف الأحزاب الشمالية. فقد مهد الرفض لفكرة الإقليم الواحد للجنوب بواسطة الأحزاب الشمالية إلى انهيار المفاوضات في لجنة الاثني عشر. كما أدى تقسيم الجنوب بواسطة الرئيس نميري إلى ثلاثة أقاليم (مع أسباب أخرى كما سنناقش لاحقا)، إلى اندلاع الحرب الأهلية الثانية، وإلى نتيجة الانفصال نفسها التي فضّلها الدكتور الترابي على إبقاء المديريات الجنوبية الثلاثة إقليماً واحداً.
14
لكن رغم المزايا الإيجابية لاتفاقية أديس أبابا ووقفها لنزيف الدم في الجنوب، فقد قابلها الشعب السوداني بقدرٍ كبيرٍ من البرود وعدم المبالاة. فحكومة الرئيس جعفر نميري كانت قد استعدتْ قطاعاً كبيراً من الشعب السوداني بسبب التعامل الدموي العنيف مع أحداث الجزيرة أبا، ومع محاولة انقلاب الحزب الشيوعي، ومحاولات الانقلاب الأخرى التي تلته.
كانت قصص القصف العشوائي لمواطني الجزيرة أبا العُزّل، وتقارير إعدامات المدنيين والعسكريين المتهمين بالضلوع في محاولة انقلاب الحزب الشيوعي وانقلابي 1975 و 1976، بعد محاكماتٍ صوريةٍ عاجلة، أو حتى بدون محاكمات، وبعد تعذيبهم، أحداثاً تقشعرّ لها الأبدان ويرفضها الضمير الإنساني.
15
وتمحوّر الشعب السوداني في ثلاث فئات – جماهير حزب الأمة والحزب الشيوعي والمتعاطفين معهم الذين قرروا العداء التام للنظام – كلٌ بطريقته – وكانت تضمر النية لإسقاطه بكل الوسائل. مثّلت الفئةَ الثانية مجموعاتٌ كبيرة من الشعب السوداني أصابها الاشمئزاز مما كان يحدث في الساحة السياسة من محاولات انقلاب وما يصاحبها ويليها من قتلٍ ومحاكمات صورية واعدامات على يد حكومة الرئيس نميري والعسكريين وحزبه الوحيد في الساحة، ومن الفشل المتواصلٍ للأحزاب السياسية، فنأت بنفسها عن تلك الساحة ولم تعد تشغل نفسها بما يجري هناك.
بقيت المجموعة الصغيرة التي انخرطت في النظام واتحاده الاشتراكي وأصبحت أمن النظام وعينه الساهرة لحمايته، والتي وصف الشعب السوداني معظم أعضائها بالانتهازية وبإرهابه من خلال الاعتقالات التعسفية والاستجوابات الطويلة والفصل من الخدمة أو الدراسة للمتهمين بمعارضة النظام، وأصبح شقها الأمني المهاب عبئا ثقيلاً على الحكومة نفسها.
16
كان هناك الرأي الذي وجد قبولاً بين أعداد كبيرة من السودانيين الشماليين أن الرئيس جعفر نميري عقد اتفاقية أديس أبابا ليس حبّاً في السلام أو حلّ مشكلة الجنوب، وانما كان يبحث عن حليفٍ جديد بعد أن فقد سند جماهير اليسار التي تنتمي أو تتعاطف مع الحزب الشيوعي والتي ساعدته في انقلابه، وكسب عداء جماهير الأنصار الغاضبة لغزو جزيرتهم وقتل إمامهم وقصف نسائهم وأطفالهم.
ويجادل أصحاب هذا الرأي أن الرئيس نميري في حقيقة الأمر غسل يديه من الاتفاقية عندما تصالح عام 1977 مع المجموعات الحزبية اليمينية الدينية ممثلةً في الأحزاب الثلاثة – الأمة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي – التي كانت قد أنشأت تحالفاً من أجل إسقاط النظام تحت مسمى “الجبهة الوطنية”.
وقد تبنّى هذا الرأي أيضاً عددٌ من المتعلمين والسياسيين الجنوبين، خصوصاً بعد المصالحة الوطنية عام 1977، واشتراك أحزابها في حكومة نميري، وبداية تراجع النميري عن اتفاقية أديس أبابا. جادلت هذه المجموعة الجنوبية أيضاً أن غرض نميري من اتفاقية أديس أبابا كان بغرض الحصول على حليفٍ جديد في مواجهة تحالف أحزاب الشمال ضده، وأنه حال تصالحه مع عددٍ من أحزاب الشمال، بدأ النميري في غسل يديه من اتفاقية أديس أبابا.
17
لا بد من التوضيح والتأكيد أنه كان لهذه الأحزاب الدينية الثلاثة (الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية) رأيٌ سلبيٌ في اتفاقية أديس أبابا منذ البداية. فقد قررت هذه الأحزاب أن الاتفاقية عقبةٌ أمام برنامجها الإسلامي العربي المركزي للسودان.
وقد حاولت هذه الأحزاب منذ قيام انقلاب 25 مايو عام 1969 إبراز كل فترة حكم نميري بالفشل، قادحةً بهذا النقد في اتفاقية أديس أبابا وإمكانية ذلك النظام في إنجاز أي شيءٍ إيجابي.
وواصلت تلك الأحزاب ادعاءها أن استعادة الديمقراطية هو هدفها الأساسي، ولا صوت يعلو (بما في ذلك اتفاقية أديس أبابا) فوق صوت تلك المعركة.
18
غير أن هذه الأحزاب عادت وتناست مسألة استعادة الديمقراطية والحريات وتصالحت مع نظام الرئيس نميري عام 1977 بعد فشل محاولاتها العسكرية إقصاء نظامه بالقوة في سبتمبر عام 1975، ثم في يوليو عام 1976.
كانت المحاولة الأولى حركة انقلابية قادها العميد حسن حسين وباءت بالفشل، وتبعتها محاكماتٌ صورية وإعدامات. وكانت الثانية عملاً مسلّحاً قامت به الأحزاب الثلاثة من خارج السودان وقاده العميد محمد نور سعد، وفشل أيضاً بعد حماماتٍ من الدم والقتل والإعدامات.
كان من الواضح أن الأحزاب الثلاث قد اقتنعت بعد هاتين المحاولتين بعدم قدرتها على إقصاء نظام النميري بالقوة، فرأت أن تتصالح معه على أمل الهيمنة على النظام واحتوائه من الداخل.
19
تطبيقاً لاتفاق المصالحة الوطنية في عام 1977 شاركت أحزاب الجبهة الوطنية الثلاثة في الحكومة والاتحاد الاشتراكي ومجلس الشعب. أصبح السيد الصادق المهدي والسيد أحمد الميرغني عضوين في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، وأدّيا قسم الولاء والطاعة لنظام تحالف قوى الشعب العاملة!. وأصبح الدكتور حسن الترابي وزيراً للعدل والحارس القانوني لنظام نميري، والعين الساهرة على بقائه وتعقّب أعدائه، من بقايا قبائل اليسار، والبطش بهم.
وآلت إلى هذه الأحزاب مجموعةٌ من الوزارات والوظائف القيادية فبدأت في استعمال نفوذها الجديد لتقويض النظام من داخله، بما في ذلك اتفاقية أديس أبابا، بهدف استلامه. واختفت مسألة استعادة الديمقراطية والحريات الأساسية من برامج أحزاب الجبهة الوطنية الثلاثة.
وكنتيجةٍ لهذه المصالحة، والتحالف الجديد مع الفكر العربي الإسلامي المركزي فقد بدأت قناعات نميري عن اتفاقية أديس أبابا وعلاقاته مع الحركات والأحزاب الجنوبية في الاهتزاز.
20
فبعد أشهرٍ قليلةٍ من المصالحة الوطنية مع الأحزاب الدينية الثلاثة، وبضع سنواتٍ من اتفاقية أديس أبابا لعام 1972، قرّر الرئيس جعفر نميري ألا يكون استثناءً لمن سبقه من السياسيين الشماليين – مدنيين كانوا أم عسكريين –، وأن ينقض اتفاقه وعهوده مع جنوب السودان، ويهدر في غطرسةٍ وعنجهيةٍ وإصرار إنجازه الذي كان سيميّزه إلى الأبد عن بقية السياسيين الشماليين، عسكريين ومدنيين، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.
 
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّرات والنتائج (11 – 12)
1
تابعنا في المقالات العشرة السابقة من هذه السلسلة من المقالات بروز مطلب النظام الفيدرالي لجنوب السودان من الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية. وأوضحنا كيف بدأ وتواصل الرفض القاطع لهذا المطلب من جميع الأحزاب والحكومات الشمالية خلال فترتي الحكم المدني الأولى والثانية، وكذلك خلال فترة الحكم العسكري الأولى.
وقد ناقشنا بالتفصيل انعقاد وقرارات مؤتمر المائة المستديرة، وتوصيات لجنة الاثني عشر والفشل التام في التوصل لاتفاقٍ حولها بين الأحزاب الشمالية وممثلي الجنوب.
2
تطرّقنا بعد ذلك إلى انقلاب العقيد جعفر نميري وإعلان 9 يونيو 1969، ومن بعده التوصل إلى اتفاقية أديس أبابا في 3 مارس عام 1972. ناقشنا بقدرٍ من التفصيل بنود وملاحق الاتفاقية وبداية تطبيقها، واتفاق حكومة النميري مع الأحزاب الشمالية الدينية الثلاثة (الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية) التي تحالفت تحت مسمى الجبهة الوطنية. وناقشنا كيف نتج عن هذا الاتفاق بداية الاهتزاز والتراجع عن اتفاقية أديس أبابا، كما سنواصل سرده ونقاشه في هذا المقال.
3
كما ذكرنا في خاتمة المقال السابق، فبعد أشهرٍ قليلةٍ من المصالحة الوطنية مع الأحزاب الدينية الثلاثة، وبضع سنواتٍ من اتفاقية أديس أبابا لعام 1972، قرّر الرئيس جعفر نميري ألّا يكون استثناءً لمن سبقه من السياسيين الشماليين – مدنيين كانوا أم عسكريين –، وأن ينقض اتفاقه وعهوده لجنوب السودان، ويهدر في غطرسةٍ وعنجهيةٍ وإصرار إنجازه الذي كان سيميّزه إلى الأبد عن بقية السياسيين الشماليين.
4
بدأ الرئيس نميري نقض اتفاقية أديس أبابا بالتدخّلِ بصورةٍ سافرة في أعمال مجلس الشعب الإقليمي والمجلس التنفيذي العالي في الإقليم الجنوبي. أمر الرئيس نميري السيد أبيل ألير عام 1978 بسحب ترشيحه لرئاسة المجلس التنفيذي ليحلّ محله السيد جوزيف لاقو، وتمّ له ذلك على مضضٍ من السيد أبيل ألير وأنصاره.
واصل الرئيس نميري تدخله وأبعد السيد كلمنت أمبورو من رئاسة مجلس الشعب الإقليمي، ثم قام فجأةً في أكتوبر عام 1980 بحلّ مجلس الشعب الإقليمي والمجلس التنفيذي، واستبدل السيد جوزيف لاقو بالسيد قسم الله رصاص.
السيد قسم الله جنوبيٌ عاش معظم حياته في شمال السودان وقد ظن الكثيرون من الجنوبيين أنه شماليٌ بسبب اسمه العربي الإسلامي، مما زاد في التعقيد السياسي. كما قام الرئيس نميري أيضاً بتعيين أعضاء المجلس التنفيذي وحكام المديريات الثلاثة بالإقليم الجنوبي.
كان هذا خرقاً واضحاً لاتفاقية أديس أبابا التي قضت بأن يكون تعيين رئيس المجلس التنفيذي وعزله من اختصاصات رئيس الجمهورية، ولكن بناءً على توصية مجلس الشعب الإقليمي.
5
أوضح الرئيس نميري أن تعيينه بنفسه أعضاء المجلس التنفيذي وحكام المديريات كان الغرض منه تهيئة المناخ السياسي لتقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم.
وهكذا دوت قنبلةٌ هائلةُ في ساحة اتفاقية أديس أبابا، وفي مجمل العلاقات بين الشمال والجنوب.
6
بدأت فكرة إعادة تقسيم الإقليم الجنوبي إلى أقاليم ثلاث متطابقة جغرافياً مع مديريات أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية بعد أعوام قلائل من اتفاقية أديس أبابا. كان رأي بعض الساسة الجنوبيين من غير أبناء الدينكا أن هذا التقسيم سيقلّل من نفوذ أبناء الدينكا ويفتح الباب لأبناء القبائل الأخرى، خاصةً الصغيرة منها، للمشاركة في إدارة كلٍ من هذه الأقاليم الثلاث.
فقبيلة الدينكا هي أكبر القبائل عدداً، وأكثرها ثراءً ونفوذاً في جنوب السودان وينتمي إليها عددٌ كبيرٌ من قيادات العمل السياسي والمهني والأكاديمي في الجنوب. وقد أعطاها كبر حجمها العددي والمادي نفوذاً كبيرا في معظم أنحاء الجنوب، وهذا ما أدّى إلى الكثير من الاستياء والاحتجاجات من أبناء القبائل الأخرى خاصةً قبيلتي النوير والشلك.
7
قاد فكرة تقسيم الإقليم الجنوبي السيد جوزيف لاقو بنفسه، فهو ينتمي إلى قبيلة المادي الصغيرة العدد. من الناحية الأخرى رأى الرئيس نميري أن تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم سيعطيه فرصةً أكبر للسيطرة على الجنوب، وهو رأيٌ شاركه فيه حلفاؤه الجدد في الجبهة الوطنية بأحزابها الثلاثة. فقد كان هذا رأيهم الذي أصروا عليه في لجنة الاثني عشر.
ورغم أن القيادات السياسية الجنوبية التي رفضت تقسيم الجنوب فازت في الانتخابات التي تمّت في بداية عام 1982، فقد تجاهل الرئيس نميري نتيجة الانتخابات تلك، وواصل مخططه، وكبت صوت تلك القوى.
8
تمّت اعتقالات لمعارضي التقسيم شملت رئيس مجلس الشعب الإقليمي السيد ماثيو ابور، ونائب رئيس المجلس التنفيذي السيد دول اشويل.
أرسلت تلك التطورات، خصوصاً الاعتقالات، رسالةً واضحة إلى القادة السياسيين والشعب في جنوب السودان مفادها أن رئيس الجمهورية مصمّمٌ على التدخّل في اختصاصات المؤسسات الدستورية الجنوبية، وعلى تقسيم الجنوب، ولا تهمه اتفاقية أديس أبابا ونصوصها وضوابطها.
فقد نصّت الاتفاقية، كما ناقشنا من قبل، على أن مديريات بحر الغزال وأعالي النيل والإستوائية منطقة حكم ذاتي تعرف بالإقليم الجنوبي، ونصّت أيضاً أنه لا يجوز تعديل الاتفاقية إلا بأغلبية ثلاثة أرباع مجلس الشعب وموافقة ثلثي مواطني إقليم جنوب السودان في استفتاءٍ عام يجرى في المديريات الجنوبية الثلاثة.
9
رغم وضوح هذا النص فقد قام رئيس الجمهورية المشير جعفر نميري في 5 يونيو عام 1983 بإصدار الأمر الجمهوري رقم 1 لعام 1983 بإنشاء ثلاثة أقاليم في جنوب السودان تتطابق مع مديرياته الثلاثة، بدلاً عن الإقليم الواحد المُنشأ بموجب اتفاقية أديس أبابا لعام 1972. شمل الأمر الجمهوري أيضاً نصوصاً تقضي بتحويل بعض الصلاحيات الممنوحة للسلطات الإقليمية، مثل تلك الخاصة بالتخطيط الاقتصادي والمالي إلى الحكومة المركزية في الخرطوم.
من سخرية القدر فقد تمّ إصدار ذلك القرار في نفس الشهر الذي صدر فيه بيان 9 يونيو عام 1969 بواسطة حكومة العقيد نميري، والذي اشتمل على خارطة الطريق لحلّ مشكلة الجنوب.
10
كانت هناك تطوراتٌ أخرى هامةٌ سبقت تدخّل رئيس الجمهورية في مسائل هي من صميم اختصاصات حكومة الجنوب مُمثّلةً في مجلس الشعب الإقليمي والمجلس التنفيذي الانتقالي، وذلك قبل إصدار الأمر الجمهوري رقم 1 الخاص بتقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم.
فقد اعلنت شركة شيفرون الأمريكية عن اكتشاف كميات كبيرة من النفط عام 1978 في جنوب السودان. قرّرت الحكومة المركزية في البدء بناء مصفاة في مدينة بانتيو في الجنوب. لكن الحكومة عادت في بداية الثمانينيات وعدّلت عن موقفها، وأعلنت أن المصفاة سوف يتمّ بناؤها في مدينة كوستي في شمال السودان بدلاً عن مدينة بانتيو، وأن التخطيط قد تمّ لبناء خط أنابيب لنقل النفط إلى ميناء بورتسودان.
11
إضافةً إلى هذا فإن الحكومة لم تتحدّث عن أيّة نسبةٍ من عائد النفط يتم تخصيصها لجنوب السودان. أغضبت هذه القرارات السياسيين وشعب جنوب السودان الذين رأوا أن نفطهم سوف يتمّ تصفيته في شمال السودان، لاستعماله هناك، وسوف يتم تصديره عن طريق الشمال دون أن يكون هناك أي عائدٍ ماديٍ أو عينيٍ لهم، ودون حتى مشاركة الحكومة الإقليمية في النفط المكتشف في أراضيهم.
12
وكأن هذه التطورات لم تكن كافيةً لإثارة القلاقل في الجنوب، فقد بدأت الحكومة السودانية والحكومة المصرية في بناء قناة جونقلي لتجفيف أجزاء من مستنقعات جنوب السودان وإضافة مياهها للنيل الأبيض لاستخدامات السودان ومصر، حسب اتفاق إنشاء القناة (رغم أن السودان لم يكن في احتياجٍ لأي مياهٍ إضافية لأنه لم يكن يستخدم كل نصيبه بمقتضى اتفاقية مياه النيل لعام 1959. وقد تواصل هذا الوضع إلى اليوم).
تعود فكرة قناة جونقلي لبداية القرن العشرين عندما صدر تقرير المهندس البريطاني ويليام غارستين عن النيل الأبيض عام 1904، متضمّناً مقترح بناء القناة لزيادة مياه النيل الأبيض بغرض التوسّع الزراعي في مصر.
لكن موضوع القناة ظل حبراً على ورق في عددٍ كبيرٍ من التقارير التي تلت تقرير المهندس غارستين حتى تمّ توقيع اتفاقية مياه النيل بين مصر والسودان عام 1959. تضمّنت الاتفاقية نصوصاً لبناء قنواتٍ لتجفيف مستنقعات جنوب السودان، وإضافة مياهها إلى النيل الأبيض لاستخدامها مناصفةً بين مصر والسودان، مع تحمّل التكلفة بينهما بنفس النسبة.
13
لم تشمل اتفاقية عام 1959 أيَّ نصوصٍ عن تعويضات المجموعات القبلية في جنوب السودان عن الأضرار التي ستلحق بها وبماشيتها بسبب تجفيف المستنقعات، مع إن تعويضات أهالي وادي حلفا الذين ستغمر مياه السد العالي أراضيهم كانت العقبة الكؤود في وجه إكمال مفاوضات مياه النيل في الفترة من 1954 وحتى عام 1959. وقد اتفق الطرفان، بعد عدّة جولاتٍ من التفاوض، على أن تدفع مصر للسودان مبلغ 15 مليون جنيه مصري كتعويضاتٍ لأهالي حلفا. وقد قاربت التكلفة النهائية المباشرة للتهجير أربعين مليون جنيه.
لكن رغم توقيع الاتفاقية عام 1959 لم تستطع الحكومتان المصرية والسودانية البدء في بناء أيّةٍ من القنوات المقترحة بسبب الحرب الأهلية في جنوب السودان.
14
بدأت مصر والسودان في التخطيط لبناء قناة جونقلي مباشرةً بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، وعودة السلام والأمن في جنوب السودان. أوضحت الدراسات والاتفاقية أن القناة سوف تضيف حوالي خمس مليارات متر مكعب من المياه إلى النيل الأبيض لاستعمالات مصر والسودان مناصفةً.
وقّع البلدان على اتفاقية إنشاء القناة في عام 1976، ووقع اختيارهما على الشركة الفرنسية العالمية للبناء المعروفة اختصاراً بـ ” سي سي آي”، وتم توقيع العقد معها في عام 1978. طول القناة المقترحة حوالي 360 كيلومتر تبدأ من مدينة بور إلى قرب ملتقى النيل الأبيض ونهر السوباط على بعد عدة كيلومترات من مدينة ملكال.
15
غير أن مشروع قناة جونقلي واجهته معارضةٌ كبيرة من المواطنين في الجنوب، وخرجت مظاهرات طلابية تندّد بالمشروع تصدّى لها البوليس بعنف وقُتِل عدّة أشخاص. وتمّ اعتقال عددٍ من المتظاهرين من بينهم أعضاء في مجلس الشعب الإقليمي.
بنى المتظاهرون اعتراضهم على أن المشروع سيضرّ بالمجتمعات المحلية بحرمانها من مناطق رعيٍ تعتمد على مياه المستنقعات التي سيتم تجفيفها، وستكون القناة حاجزاً لتحركات السكان وماشيتهم بين ضفة النيل الشرقية والغربية. جادل المعارضون أن القناة ستضرّ بالبيئة في الجنوب وتقلّل من الأمطار.
كان الاحتجاج الأكبر هو على نقل مياه الجنوب إلى مصر وشمال السودان. فقد تمت مقارنته بنقل نفط الجنوب إلى الشمال، كما ذكرنا أعلاه. كما سرت إشاعة عن أن مصر تنوي توطين مئات الآلف من المزارعين المصريين في منطقة القناة مما زاد في حجم المعارضة للقناة.
16
هدأت الأحوال بعض الشيء بعد إعلان الحكومة المركزية أن حفر القناة سوف تصحبه عدّة مشاريع تتنمية للمنطقة، تشمل عدة نقاط عبور بعرض القناة لتسهّل الربط بين منطقة شرق وغرب القناة للمجموعات المحلية وماشيتها، ومشروع ري زراعي للمواطنين المتأثرين، ومستشفيات ومدارس في المنطقة، إضافةً إلى طريقٍ بريٍ يربط ملكال بمدينة بور، ويتواصل مستقبلاً إلى جوبا.
بدأ العمل في القناة عام 1979، وفي منتصف عام 1983 اكتمل حوالي 270 كيلومتر من الطول الكلّي للقناة البالغ 360 كيلومتر. وكان الجزء المتبقّي هو الأقل صعوبةً من ناحية التضاريس والتربة. غير أن مشاريع التنمية التي وعدت بها الحكومة المركزية المجموعات المحلية لم يُنفّذ أيٌ منها في ذاك الوقت.
وقد أثار نقض العهود هذا الكثير من الاستياء في أوساط الجنوبيين، خصوصاً أولئك الذين أيدوا القناة بناءً على وعود المشاريع التنموية التي انضمّت إلى الوعود المنقوضة الأخرى.
17
برزت أيضاً فجأةً مشاكل نزاعات الحدود بين شمال وجنوب السودان. كما ذكرنا سابقاً فقد عرّفت اتفاقية أديس أبابا الإقليم الجنوبي بأنه يشمل مديريات الجنوب الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية)، وأيّة مناطق أخرى تعتبر ثقافياً وجغرافياً جزءاً من الكيان الجنوبي على نحو ما قد يتقرر عن طريق الاستفتاء.
وقد كان مفهوماً للجانبين أن هذه المناطق الأخرى تشمل منطقة أبيي المتنازع عليها ليس فقط بين الشمال والجنوب، بل أيضاً بين قبيلة المسيرية الشمالية وقبيلة دينكا نقوك الجنوبية.
لم يحدث أي تحرّك في هذه المسألة حتى أكتوبر عام 1974 عندما صدر قرار جمهوري يضع إدارة منطقة أبيي تحت رئاسة الجمهورية. غير أنه لم تُتّخذ أيّة إجراءات عملية لتنفيذ هذا القرار أو بدء وضع الاستفتاء المشار إليه في اتفاقية أديس أبابا موضع التنفيذ.
18
إضافةً إلى هذا فقد زعم الساسة الجنوبيون أن منطقة حفرة النحاس الواقعة في مديرية دارفور هي أراضي جنوبية، تمّ ضمّها للشمال خلال فترة حكم الفريق إبراهيم عبود، وطالبوا بإعادتها للجنوب. وكان هناك اعتقادٌ بأن سبب ضمِّ المنطقة للشمال هو أنها غنيةٌ بالنحاس ومعادن أخرى.
ونشب نزاعٌ حول الأراضي الزراعية في منطقة الرنك وجودة، وكذلك حول مناطق البترول في منطقة بانتيو، واتهم الجنوبُ الشمالَ بالاستيلاء على هذه المناطق وضمّها للشمال.
كما أنه لم يتم الاتفاق رسمياً على الحدود بين الشمال والجنوب والتي تمتد لمسافة ألفي كيلومتر. ورفض مجلس الشعب الإقليمي خريطة السودان التي توضّح الحدود بين الشمال والجنوب والتي كان قد اعتمدها مجلس الشعب القومي.
19
وكأن تلك المشاكل لا تكفي، فقد واجهت مسألة استيعاب جنود حركة تحرير جنوب السودان في الجيش السوداني متاعب جمّة. فقد ادّعى عددٌ كبيرٌ من الضباط والجنود الجنوبيين أنهم لم يُمنحوا الرُتب التي يستحقونها، أو وُعِدوا بها، وأن معاملة رؤسائهم الشماليين فيها الكثير من الخشونة والاستعلاء وعدم الاحترام.
20
ثم قامت حكومة الرئيس نميري بخرق اتفاقية أديس أبابا في مسألة استيعاب مقاتلي حركة تحرير جنوب السودان وبدأت في نقل أعدادٍ كبيرة من الجنود الجنوبيين إلى الشمال رغم أن الاتفاقية تقضي بعملهم في الجنوب.
هذا وقد قامت كتيبة أوكوبو بالتمرّد في مارس عام 1975، وقتل سبعة ضباط وجنود شماليين وعشرة جنوبيين وجرح العشرات.
كما تمرّد عددٌ كبيرٌ من كتيبة واو في فبراير 1976 ودخلوا الغابة، وقد تبعهم عددٌ من الجنود ليكوّنوا نواة التمرد الجديد تحت مسمى أنيانيا 2.
وكانت عمليات النقل هذه هي القشّة التي قصمت ظهر بعير اتفاقية أديس أبابا، وقادت إلى تمرد الفرقة 105 في بور في عام 1983، مثلما حدث في توريت عام 1955، كما ناقشنا من قبل. أعاد هذا التطور إلى الأذهان أحداث توريت عام 1955. كان واضحاً أن متخذي القرار في الخرطوم عام 1983 لم يستوعبوا على الإطلاق درس توريت 1955.
21
بعد إصداره الأمر الجمهوري رقم 1 في 5 يونيو عام 1983 والقاضي بتقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم، أصدر الرئيس جعفر نميري عدّة قرارات شملت حلَّ مجلس الشعب الإقليمي، والمجلس التنفيذي العالي، بغرض التحضير لمؤسسات منفصلة في كل إقليم.
كما ناقشنا أعلاه فقد بدأ الرئيس نميري في خرق اتفاقية أديس أبابا منذ السنوات الأولى التي تلت توقيعها من خلال التدخّل السافر في تعيينات وفصل أعضاء الجهازين التنفيذي والتشريعي في جنوب السودان.
22
ثم دوت قنبلةٌ هائلة في الساحة السيايبة السودانية عندما أعلن الرئيس نميري في شهر سبتمبر عام 1983 صدور وبداية تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية التي عٌرفت بقوانين سبتمبر. أكد ذلك التطور الخطير بوضوح قبضة الجبهة القومية الإسلامية على نظام نميري، وقبول نميري لذلك الوضع من أجل حماية نظامه المحاصر بالمعارضة الداخلية والتطورات في جنوب السودان.
كات تلك رسالةً واضحةً للحركات والأحزاب السياسة الجنوبية بنهاية اتفاقية أديس أبابا وحلم الحكم الذاتي الإقليمي الذي انبنت عليه الاتفاقية. وقد شملت الأحكام القاسية التي صدرت بمقتضى قوانين سبتمبر، التي بدأ النظام في تطبيقها، قدراً كبيراً من أبناء الجنوب.
23
وهكذا بدأ الرئيس جعفر نميري الذي قال عنه الدكتور دانستن واي أنه الرجل الذي برهن أنه يحترم وعوده وكلمته بتوقيعه اتفاقية أديس أبابا، في دقِّ المسامير الأخيرة على نعش الاتفاقية، بعد حوالي عشر سنوات من ميلادها.
24
كان العقيد جون قرنق ضابطاً بحركة الأنيانيا، وتمّ استيعابه بموجب اتفاقية أديس أبابا في الجيش السوداني. وقد ذكر السيد جوزيف لاقو أن العقيد جون قرنق كان ضدّ فكرة دمج ضباط وجنود حركة تحرير جنوب السودان في الجيش السوداني، ورأى أن تظل هذه القوات منفصلةً. وأضاف السيد لاقو أنه لهذ السبب قام بابتعاث العقيد جون قرنق إلى الولايات المتحدة الامريكية للتحضير لدرجة الدكتوراه ليكون بعيداً عن السودان أثناء إكمال عملية الاستيعاب. وكان العقيد جون قرنق قد حصل على درجة البكالريوس في الاقتصاد من كلية قرينيل في ولاية أيوا الأمريكية عام 1969.
25
أكمل العقيد قرنق درجة الدكتوراه في الاقتصاد بجامعة “ولاية أيوا” بمدينة “ايمز” في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1981. كان بحثه بعنوان “تحديد واختيار وتنفيذ سياسات التنمية الريفية من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية في منطقة مشروع جونقلي في جنوب السودان.” وقد نال البحث درجةً أكاديميةً مميزةً.
من سخرية القدر أنه في الوقت الذي كان العقيد قرنق يعدّ رسالة الدكتوراه عن تنمية منطقة جونقلي كان العمل يجري على قدمٍ وساق في حفر قناة جونقلي بواسطة الشركة الفرنسية سي سي آي.
26
عاد الدكتور قرنق إلى السودان وتمّ تعيينه رئيساً لإدارة البحوث بالقوات المسلحة. لكنه ترك موقعه وانضم إلى الكتيبة 105 المتمرّدة في مدينة بور في جنوب السودان في شهر مايو عام 1983 عندما كان في زيارة للمنطقة في إجازته السنوية.
كان تمرد كتيبة بور الذي اشتعل في شهر مارس 1983 امتداداً لتمرد كتائب أخرى كما ناقشنا أعلاه. تداول مجلس الأمن القومي في الخرطوم في مسألة تمرد كتيبة بور وقرّر إصدار أوامر للجيش السوداني في 16 مايو عام 1983 بمهاجمة الكتيبة المتمردة. كان ذلك المجلس يضم مدنيين من أحزاب الجبهة الوطنية من بينهم الدكتور حسن الترابي من جبهة الميثاق الإسلامي.
نجح الهجوم في تشتيت أفراد الكتيبة المتمرّدة، ولكن هؤلاء الأفراد نجحوا في إعادة التجمّع قرب الحدود الإثيوبية. وابتدأت مجموعاتٌ من الكتائب الأخرى هجر مواقعها والانضمام لهذه المجموعة، والتي بدأت أعدادها في التزايد.
27
بعد شهرين من النزاعات الداخلية بين الحركات المسلّحة الجديدة أعلن العقيد جون قرنق في 23 يوليو عام 1983 ميلاد الجيش الشعبي لتحرير السودان، مع جناحه السياسي الحركة الشعبية لتحرير السودان، تحت قيادته.
كان ذلك الإعلان إيذاناً ببدء فجرٍ جديدٍ في السودان، مختلفٍ تمام الاختلاف عما سبقه، وفتحِ صفحةٍ جديدة في غاية التعقيد في العلاقات بين شمال وجنوب السودان.
28
فقد أعلن ميثاق الحركة (الذي سُمّي “مانيفستو الحركة”) أن المشكلة التي تواججها البلاد ليست مشكلة جنوب السودان بل مشكلة كل السودان، وأن هدف الحركة الشعبية هو ليس تحرير الجنوب بل تحرير كل السودان تحت مُسمى “السودان الجديد.”
أوضح الجزء الثالث من الفقرة الثالثة من الميثاق، تحت عنوان “الوحدة الطوعية”، أن السودان الجديد مشروطٌ بإنشاء قواسم اجتماعية وسياسية واقتصادية مشتركة تجمع كل السودانيين كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات، وأن علينا جميعاً أن ننأى بأنفسنا عن السودان القديم القائم على العنصرية والتعصّب الديني وقصر النظر التاريخي، وما نتج عنه من انهيارٍ اقتصادي وعدم استقرارٍ سياسي وحروب طاحنة.
29
وأعلن الجزء الرابع من هذه الفقرة أن هناك خيارين فقط: إما أن ينقسم السودان إلى عدّة دويلات، أو أن نتفق على إقامة السودان الجديد الذي يجمع الجميع تحت مظلة المساواة في حقوق وواجبات المواطنة، في نظامٍ ديمقراطي مبنيٍ على العدالة والحكم الرشيد، بغض النظر عن العرق والدين والقبيلة واللون.
30
انتقد الميثاق بشدّة الأحزاب السياسية الشمالية معلناً أن الأزمة التي ظلّ السودان مُبتلياً بها منذ الاستقلال هي أزمة قيادة تتمثّل في ضعف القاعدة الاجتماعية للنخب الحاكمة، وضيق الأفق الفكري، وتخلّف القيم السياسية، وفقر الخيال وانعزال هذه النخب من عامة الشعب وازدرائها للقيم الإنسانية.
لهذه الأسباب فقد فشلت هذه النخب في قيادة البلاد وتنميتها، لذا لجأت إلى السياسات التقسيمية واستعمال سلطة وإمكانيات الدولة لنشر وترسيخ العروبة والإسلام والتي نتج عنها أزمة الهوية التي يعاني منها السودان.
وقد برزت الأزمة هذه في فشل النخب في الاعتراف بالتعددية الثقافية والعرقية التي تجعل من السودان دولةً. عليه فإن المشكلة لم تعد في نظر الحركة الشعبية لتحرير السودان مشكلة جنوب السودان، بل هي مشكلة السودان ككل.
31
عليه فقد نبذت الحركة الشعبية لتحرير السودان سياسات وطموحات وبرامج كل الأحزاب والحركات المسلّحة الجنوبية التي سبقتها، منذ عام 1947، وتبنّت الحركة عام 1983 منهجاً وطنياً وحدويّاً يخصُّ كل السودان.
32
وهكذا انبثق فجرٌ جديدٌ في السودان، كل السودان – شماله وجنوبه – وانتهى عهد المطالبة بالفيدرالية والحكم الذاتي الإقليمي، وانطوت صفحته تلك، وإلى الأبد، كما سنناقش في المقال القادم والأخير في هذه السلسلة من المقالات.
 
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (12 – 12)
1
تابعنا في المقالات السابقة من هذه السلسلة من المقالات بروز مطلب النظام الفيدرالي لجنوب السودان من الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية منذ فترة ما قبل الاستقلال، في مؤتمر جوبا عام 1947. وأوضحنا كيف بدأ وتواصل الرفض القاطع لهذا المطلب من جميع الأحزاب والحكومات الشمالية خلال تلك الفترة، وكذلك خلال فترات الحكم العسكري والمدني اللاحقة.
وقد ناقشنا بالتفصيل انعقاد وقرارات مؤتمر المائدة المستديرة في بداية مرحلة الحكم المدني الثانية في شهر مارس عام 1965، وتأكيد رفض الأحزاب الشمالية مجتمعةً خلال المؤتمر، ثم في لجنة الاثني عشر، لمطلب النظام الفيدرالي.
2
تطرّقنا بعد ذلك إلى انقلاب العقيد جعفر نميري وإعلان 9 يونيو 1969 وبداية مرحلة الحكم العسكري الثاني، والتوصّل إلى اتفاقية أديس أبابا في 3 مارس عام 1972، والتي استجابت لأول مرّة لمطلب الجنوب للنظام الفيدرالي تحت مسمى الحكم الذاتي الإقليمي.
ناقشنا بقدرٍ من التفصيل بنود وملاحق الاتفاقية وبداية تطبيقها. وتعرّضنا بعد ذلك إلى اتفاق الرئيس نميري عام 1977 مع الأحزاب الشمالية الدينية الثلاثة (الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية) التي تحالفت تحت مسمى “الجبهة الوطنية.”
أوضحنا كيف نتج عن هذا الاتفاق بداية الاهتزاز والتراجع عن اتفاقية أديس أبابا بواسطة الرئيس نميري، ثم تمزيقها بتدخّله السافر في إدارة الإقليم الجنوبي، والتعيين والفصل من المناصب السياسية والحكومية في جنوب السودان حسب هواه وطلبات حلفائه الجدد، وفي ازدراءٍ تامٍ للاتفاقية.
وقد دقَّ الرئيس نميري المسامير الأخيرة في نعش الاتفاقية بتقسيم الإقليم الجنوبي إلى مديرياته الثلاثة ليتم حكم كل مديرية على حدة، كما كان الحال قبل الاتفاقية. وقد قام الرئيس نميري بهذا التغيير الآحادي، رغم أن اتفاقية أديس أبابا انبنت أساساً على مبدأ الإقليم الواحد، وفي استخفافٍ تام بالاتفاقية وبنود تعديلها. ثم قام بعد أشهرٍ قلائل من ذلك بإصدار قوانين سبتمبر 1983 والتي كانت كلمة الوداع للاتفاقية.
3
تابعنا كيف قاد ذلك إلى ميلاد الحركة الشعبية لتحرير السودان بشقيها السياسي والعسكري، وإلى انهيار نظام نميري تحت وطأة المشاكل السياسية والاقتصادية، والنكسات العسكرية المتواصلة في جنوب السودان.
ناقشنا بالتفصيل ميثاق الحركة الذي انبنى على أن المشكلة التي تواجهها البلاد ليست مشكلة جنوب السودان، بل مشكلة كل السودان، وأن هدف الحركة الشعبية هو ليس تحرير الجنوب، بل تحرير كل السودان، تحت مُسمى “السودان الجديد.” وأوضحنا تركيز الميثاق على أن السودان الجديد مشروطٌ بإنشاء قواسم اجتماعية وسياسية واقتصادية مشتركة تجمع كل السودانيين كمواطنين يتساوون في الحقوق والواجبات.
4
عليه فقد أغلقت الحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 1983 إغلاقاً تاماً فصل الفيدرالية الذي تمّ فتحه عام 1947. وكما ذكرنا من قبل، فقد ظلّت الفيدراليةُ مطلبَ كلِّ الحركات والأحزاب الجنوبية منذ ذلك الوقت، وحتى فترة الرئيس نميري التي تم فيها التوقيع على اتفاقية أديس أبابا للحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان.
ومن سخرية القدر فإن القائد الشمالي الوحيد الذي وافق على مطلب الفيدرالية وطبّقه وأوقف الحرب ووحّد السودان سلمياً، عاد وانقلب على اتفاقه ومزّقه في غطرسةٍ وعنادٍ ليشعل حرباً أهليةً ثانيةً، أدّت في نهاية الأمر إلى انفصال جنوب السودان.
5
نعم لقد أغلقت الحركة الشعبية باب مطلب الفيدرالية عام 1983، لكنها فتحت بميثاقها فصلاً جديداً – السودان الجديد – والذي أربك نظام الرئيس نميري وحلفاءه في الأحزاب الإسلامية الثلاثة. كما أربك الميثاق بنفس القدر معارضي النظام من الأحزاب اليسارية، وكذلك حكومات الخرطوم، في مرحلة الحكم المدني الثالثة، ثم مرحلة الحكم العسكري الثالثة المعروفة بالإنقاذ.
6
وتواصل ذلك الارتباك عندما وضح للحكومة والمعارضة أن ميثاق الحركة قد بدأ في جذب أعدادٍ من الشماليين وانضمامهم للحركة الشعبية، مما أعطى مصداقيةً كبيرة لمبدأ السودان الجديد الذي وضح أنه قد وُلِد بأسنانه، تحت قيادةٍ تملك “الكاريزما” وحيّزاً كبيراً من المقدرات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.
وزاد من حالة الارتباك والدهشة والحيرة في الشمال الانتصارات الكبيرة والسريعة التي حقّقتها الحركة الشعبية بضربها وإغلاقها مشروعي النفط والمياه في الجنوب، والانسحاب المتعجّل والتام للشركتين اللتين كانت تقوم احداهما بالتنقيب عن النفط (شيفرون الأمريكية)، والثانية ببناء قناة جونقلي (سي سي آي الفرنسية). وشملت الانتصارات ضرب مطار جوبا ووقف إمدادات قوات الجيش الجوية في جنوب السودان، والبدء في محاصرة وسقوط بعض الحاميات في الجنوب، وانتقال الحرب إلى الشمال.
أكملت الانتكاسات العسكرية والتدهور الاقتصادي المتزايد وصدور قوانين سبتمبر 1983 حلقة الضغط على نظام نميري، وأدت إلى سقوطه من خلال انتفاضةٍ شعبيةٍ في أبريل عام 1985.
7
لكن من سخرية القدر، والعبث في مسرح السياسة السوداني، فإن إغلاق باب مطلب الفيدرالية من جانب الحركة الشعبية عام 1983 نتج عنه تبنّي الأحزاب الشمالية لذلك المطلب الذي كانت ترفضه باستمرار، لتقوم هذه المرة بعرضه هي على الحركة الشعبية بجناحيها، اللذين رفضاه بشدّة.
حدث ذلك للمرة الأولى في مكاتبات الدكتور الجزولي دفع الله مع الدكتور جون قرنق عام 1985، ثم حدث للمرة الثانية في لقاء الدكتور علي الحاج مع الدكتور لام أكول في فرانكفورت عام 1992، كما سنناقش أدناه.
8
تعرّضنا في سلسلة المقالات الأولى عن إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق إلى الاتصالات التي تمت في بداية مرحلة الحكم المدني الثالثة بين نظام المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد سقوط نظام النميري.
وكما أوضحنا في تلك المقالات، فقد انتهى أمر انتفاضة أبريل عام 1985، باختطافها بواسطة الجبهة القومية الإسلامية، والذي تأكد باستلام المشير سوار الذهب لرئاسة المجلس العسكري الانتقالي، والدكتور الجزولي دفع الله لرئاسة مجلس الوزراء، مع عددٍ من الوزراء المحسوبين أو المتعاطفين مع الجبهة الإسلامية.
9
وكنا قد تعرّضنا في المقال الأول من سلسلة مقالات كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق إلى الرسالة التي بعث بها الدكتور الجزولي دفع الله رئيس وزراء حكومة انتفاضة أبريل إلى الدكتور جون قرنق في الفاتح من شهر يونيو عام 1986.
أوضحت الرسالة أن من المهام العاجلة والملحّة للحكومة الجديدة هي حلّ مشكلة الجنوب. تضمّنت الرسالة ما أسمته “أفكاراً للنقاش” شملت عرضاً بالعودة إلى اتفاقية أديس أبابا للحكم الذاتي لجنوب السودان لعام 1972. وكما شرحنا من قبل فقد تبنّت اتفاقية أديس أبابا النظام الفيدرالي تحت مسمى الحكم الذاتي الإقليمي.
10
وكأن محاولة بثِّ الحياةِ في روح اتفاقية أديس أبابا لم تكن كافيةً لإثارة الدكتور قرنق والحركة الشعبية، فقد مضت الرسالة لتقول أنه على الرغم من أن مشكلة الجنوب لم تبدأ بالقوانين الإسلامية، إلا أن رئيس الوزراء يُقدّر آثارها، ويعتقد أنه إذا تمّ الاتفاق على المسائل الأخرى فإن مسألة القوانين الإسلامية لن تكون حجر عثرة في طريق الاتفاق، وأنه يمكن الوصول إلى حلٍ لأن هذه القوانين هي موضع نقاش.
11
كما ذكرنا من قبل، فمن الواضح أن هذه الرسالة لم تكن موفّقةً البتّة. فقد واصلت الحديث عن مشكلة جنوب السودان وعرضت العودة إلى اتفاقية أديس أبابا، بينما كانت الحركة الشعبية قد أعلنت برنامجها في يوليو عام 1983، أي قبل حوالي العامين من الرسالة، موضحةً أن المشكلة لم تعد مشكلة جنوب السودان، بل هي مشكلة السودان ككل. كما أن ميثاق الحركة كان قد أعلن موت اتفاقية أديس أبابا، وإحلالها بالسودان الجديد.
بل إن الرسالة تعكس بوضوح حالة الارتباك التي ظل الإسلاميون يتعاملون بها مع كل القضايا الوطنية، خاصة قضية جنوب السودان. فقد رفضوا مطلب الفيدرالية بشدة مع بقية الأحزاب الشمالية في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965، لكنهم عادوا يترجّون الحركة الشعبية عام 1985 بالعودة لاتفاقية الحكم الذاتي لعام 1972″ والتي كانوا قد عاضوها وعملوا بشدة على نقضها بعد تغلغلهم في نظام النميري.
12
كان ردُّ الدكتور قرنق، كما هو متوقّعٌ، حاداً وغاضباً، وكان تاريخ رسالته الفاتح من سبتمبر عام 1985، أي بعد ثلاثة أشهرٍ من رسالة رئيس الوزراء.
تجاهلت الرسالة تماماً عرض الدكتور الجزولي دفع الله بالعودة لاتفاقية أديس أبابا للحكم الذاتي لجنوب السودان، ولم تقم حتى بالإشارة لهذا العرض مباشرةً أو بطريقةٍ غير مباشرة. بدلاً من ذلك طالبت الرسالة بضرورة أن تلتزم الحكومة السودانية علناً بمناقشة مشكلة السودان، وليس مشكلة جنوب السودان، في مؤتمرٍ وطنيٍ جامعٍ يناقش نظام الحكم في الخرطوم وأقاليم السودان.
لكن الرسالة اشترطت الاستجابة لمجموعةٍ من المطالب قبل عقد هذا المؤتمر منها رفع حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، وإلغاء قوانين سبتمبر، واتفاقيتي الدفاع المشترك مع مصر وليبيا. اختتم الدكتور جون قرنق الرسالة بتأكيده أن الحركة على استعداد لحضور هذا المؤتمر الوطني حال الاستجابة لهذه الشروط الثلاثة.
13
رغم الرد الواضح من الحركة الشعبية الرافض حتى لمناقشة أو التطرّق لعرض حكومة المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله بالعودة لاتفاقية أديس أبابا ونظام الحكم الذاتي الإقليمي، فقد واصلت الحكومة من جانبها العمل لإعادة الحياة لاتفاقية أديس أبابا بصورةٍ آحادية بحتة.
فقد تم في تلك الأثناء صدور دستور السودان الانتقالي الذي كان قد تم اعتماده بواسطة المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء بعد أن وقّع كل أعضاء المجلسين عليه في 10 أكتوبر عام 1985، ودخل الدستور حيز النفاذ في ذلك اليوم.
أوضحت المادة 4 من الدستور أن “الشريعة الإسلامية والعرف مصدران أساسيان للتشريع، والأحوال الشخصية لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم.”
وهكذا تأكّد أن قوانين سبتمبر التي سنّها نظام النميري قد طالت وترسخّت جذورها من خلال الشرعية الدستورية الجديدة، وأن الحديث عن إلغائها قد ولّى زمانه، رغم مطالبة انتفاضة أبريل بذلك الإلغاء.
14
كما نصّت المادة 16 من الدستور أنه “يقوم نظام الحكم الذاتي فـي الإقليم الجنوبي على أساس السودان الموحّد وفقاً لقانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972م أو أيّة تعديلات يجيزها ثلثا أعضاء المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء في اجتماعٍ مشترك، على أن يخضع أيُّ تعديلٍ رغم تنفيذه للاستفتاء المشار إليه في قانون الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي متى ما كان ذلك ممكنا.”
15
وهكذا قرّرت حكومة المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله إعادة الحياة لاتفاقية أديس أبابا لعام 1972، من جانبٍ واحد، وبدون التشاور، دعك من الاتفاق، مع الحركة الشعبية. تم ذلك رغم تجاهل الحركة الشعبية لعرض العودة لاتفاقية أديس أبابا في رسالة الدكتور الجزولي دفع الله للدكتور جون قرنق.
16
كما ذكرنا أعلاه، فإن حكومة المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله هي التي توّلت هذه المرة عرض مبدأ الفيدرالية الذي كانت الحركات والأحزاب الجنوبية تطالب به منذ الخمسينات، وكانت كل الأحزاب الشمالية ترفضه في غطرسةٍ وعناد.
لقد انقلب الوضع تماماً، وأصبح الإسلاميون هم من يقوم بعرض (أو حتى محاولة فرض) النظام الفيدرالي على قادة جنوب السودان، بينما يقوم القادة الجنوبيون، الذين كانوا، حتى قبل سنواتٍ قليلة، يستجدون الخرطوم لمنحهم النظام الفيدرالي، بتجاهل ورفض العرض.
17
انتهت محاولات حكومة المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله بالعودة لاتفاقية أديس أبابا بالفشل التام. كما آل إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق إلى نفس المصير. وتصاعد القتال وتوالت الانتكاسات للجيش السوداني في حرب الجنوب. أدّى كل ذلك مع المشاكل الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي إلى نجاح انقلاب الإسلاميين واستلامهم السلطة في 30 يونيو عام 1989.
18
من الجانب الأخر اندلعت الخلافات داخل الحركة الشعبية، وأدّت في أغسطس عام 1991 إلى بروز فصيل الناصر ببرنامجه الذي انبنى على حق تقرير المصير أو الانفصال لجنوب السودان، ورفض مبدأ السودان الجديد.
أدى ذلك الانشقاق إلى عقد الحركة الشعبية الأم لمؤتمرها في توريت في سبتمبر 1991 والذي قررت فيه “أنه في أيّة مبادرةٍ أو محادثاتٍ للسلام مستقبلاً سيكون موقف الحركة الشعبية من نظام الحكم هو وقف الحرب باعتماد نظامٍ موحّدٍ وعلمانيٍ وديمقراطي، أو نظامٍ كونفيدرالي، أو تجمعٍ لدولٍ ذات سيادة، أو تقرير المصير.”
وهكذا اختفى تماما مطلب الفيدرالية من الوثائق الرسمية للحركة الشعبية الأم وكذلك فصيل الناصر الذي انشقّ عنها. أصبح واضحا أن ذلك المطلب قد تجاوزه الزمن تماماً، بعد الرافض القاطع له من الشمال، وبعد الفشل المروّع لتجربة الحكم الذاتي الإقليمي على يد الرئيس نميري الذي كان قد سعى له وافق ووقّع عليه.
19
غير أن الجبهة القومية الإسلامية قررت بعد استلامها السلطة في يونيو عام 1989 مواصلة محاولاتها عرض النظام الفيدرالي في مفاوضاتها مع الحركات والأحزاب الجنوبية. فقد استغلت حكومة الإنقاذ الانشقاق داخل الحركة الشعبية عام 1991 وقررت العمل على توسيع ذللك الانشقاق ببدء التفاوض مع فصيل الناصر لوحده، وعرض مقترح الفيدرالية لهذا الفصيل.
20
وكما فصّلنا في المقالات السابقة عن إعلان فرانكفورت وحق تقرير المصير فقد قامت حكومة الجبهة الإسلامية باللقاء والتفاوض مع فصيل الناصر في فرانكفورت في دولة المانيا الاتحادية.
وصل الوفدان إلى فرانكفورت يوم 22 يناير عام 1992، وبدأت مفاوضاتهما في 23 يناير واستمرت حتى يوم 25 يناير. قاد وفد حكومة الإنقاذ الدكتور علي الحاج، وشملت عضوية الوفد العميد كمال علي مختار، والسيد موسى علي سليمان، والسكرتير الأول بالسفارة السودانية بألمانيا السيد محمد حسين زروق.
وقاد وفد مجموعة الناصر الدكتور لام أكول، وشملت عضوية وفده السادة جون لوك، وتيلار دينق، وتعبان دينق، والدكتور كاستيلو قرنق.
21
قدّم كلٌ من الوفدين تصوّره لحل النزاع السوداني. تضمّنت مقترحات الوفد الحكومي إقامة نظامٍ فيدرالي باعتباره الخيار المناسب لتحديد العلاقة بين الشمال والجنوب، وبين الولايات كافة، وباعتباره النظام الأمثل الذي يسمح للشعب السوداني بالتعبير عن اختلافاته وتعدّديته الثقافية والدينية والعرقية.
أوضحت المقترحات الحكومية ضرورة الاتفاق على صيغة لاقتسام السلطة والثروة بين الشمال والجنوب، وعلى دمج قوات الحركة الشعبية/الجيش الشعبي في القوات المسلحة وقوات الشرطة، وإنشاء مجلس قومي يترأسه رئيس الجمهورية لمباشرة إعادة تأهيل الولايات الجنوبية، وتوطين المواطنين المتأثرين بالحرب.
22
وهكذا طرح وفد حكومة الإنقاذ تصوّره لحل مشكلة الجنوب بقيام نظامٍ فيدرالي يسمح للشعب السوداني بالتعبير عن اختلافاته وتبايناته الثقافية والدينية والعرقية.
كان هذا هو التصور الذي تبنّاه وطرحه الحزب الليبرالي لجنوب السودان رسمياً عام 1954، وطالب به باسم الجنوب الأب سترنينو لوهوري أمام لجنة الدستور، ثم أمام البرلمان السوداني عام 1958، ورفضته جميع الأحزاب الشمالية.
وقد عدّد الدكتور علي الحاج عند طرحه مقترح الفيدرالية في فرانكفورت في يناير عام 1992 نفس الأسباب التي تضمّنها طرح السيد ويليام دينق عند مطالبته بالنظام الفيدرالي لجنوب السودان في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 – استيعاب الخلافات والتباينات الدينية والعرقية واللغوية والثقافية والتاريخية بين شعبي شمال وجنوب السودان.
لكن الأحزاب الشمالية جميعها، خاصةً الجبهة القومية الإسلامية بمسمياتها المختلفة، رفضت، كما ناقشنا من قبل، بغطرسةٍ وعناد، وعلى لسان قادتها، ذلك الطرح مراراً وتكراراً، خصوصاً خلال مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965.
ثم قامت حكومة نميري التي فاوضت ووقعت على اتفاقية أديس أبابا عام 1972 التي انبنتْ على الحكم الذاتي الإقليمي بنقض الاتفاقية وتمزيقها في استخفافٍ وغطرسةٍ كبيرتين. حدث ذلك بعد مصالحة نميري مع الأحزاب الإسلامية الثلاثة.
إذن ها هي الحركة الإسلامية تعود، وبجرأةٍ ووضوحٍ، لمقترح الفيدرالية في عام 1992، بعد أن رفضته مراراً وتكراراً وعملت على وأده من قبل. عادت إليه بعد أن تجاوزته الأحداث وعفا عليه الزمن.
23
غير أن فصيل الناصر رفض رفضاً تاماً عرض حكومة الإنقاذ للنظام الفيدرالي. شدّد الفصيل في تصوره على أن جزئي السودان (الشمال والجنوب) لديهما اختلافاتٌ عرقيّةٌ وثقافيةٌ ودينيةٌ وتاريخيةٌ وجغرافيةٌ كبيرة، وقد فشلا تماماً خلال ال 36 عاماً الماضية في تكوين دولةٍ قابلةٍ للوجود، بحسب ما تشهد به الحرب المستمرة بين الطرفين.
خلص التصوّر أنه لحلِّ مشكلةِ الحرب الأهلية في السودان، فإن شعب الجنوب يجب أن يمارس حقّه غير المشروط في أن يختار وضعه السياسي بحريةٍ، ومتابعة تطوره الاقتصادي والاجتماعي، وأنه يجب على حكومة السودان أن تعترف وتلتزم بمنح شعب الجنوب الحق في ممارسة استفتاءٍ،خلال فترةٍ محدّدةٍ، ليقرّر الجنوبيون ما إذا كانوا سيبقون ضمن السودان الموحّد، أم تكون لهم دولتهم المستقلة.
واختتم التصّور القول أنه فور تصديق الحكومة على هذا الخيار فسيدخل الطرفان في محادثاتٍ مفصّلة حول نظام الحكم خلال الفترة الانتقالية، وخاصةً تقاسم السلطة والموارد وإجراءات الأمن والإغاثة وإعادة التأهيل وإعادة التوطين وإعادة التعمير.
24
وكما ناقشنا في سلسلة المقالات السابقة، فقد وافق وفد حكومة الإنقاذ على تصور فصيل الناصر كما هو، وبسرعةٍ وسهولةٍ مذهلتين (أذهلت حتى فصيل الناصر الجالس قبالتهم في مدينة فرانكفورت!). وتم التوقيع بين الطرفين في يوم 25 يناير 1992 على إعلان فرانكفورت، الذي منحت حكومة الإنقاذ بموجبه شعب جنوب السودان حق تقرير المصير لأول مرة في تاريخ السودان.
25
عليه فيمكن تلخيص تاريخ وتطورات مطلب جنوب السودان للنطام الفيدرالي من خلال المراحل الزمنية الأربعة الآتية:
المرحلة الأولى من عام 1947 وحتى عام 1971: وهي حقبة مطلب جنوب السودان المتواصل للنظام الفيدرالي، والرفض التام للمطلب من كل الأحزاب والمنظمات والحكومات الشمالية.
المرحلة الثانية: من عام 1972 وحتى عام 1977: وهي حقبة قبول وتأطير النظام الفيدرالي بواسطة حكومة الرئيس نميري تحت مسمى الحكم الذاتي الإقليمي، والبدء في تنفيذه بمشاركة الطرفين، الشمالي والجنوبي، الكاملة.
المرحلة الثالثة: من عام 1978 وحتى عام 1983: وهي حقبة تمزيق اتفاق الحكم الذاتي الإقليمي بواسطة الرئيس نميري، وبروز الحركة الشعبية ومبدأ السودان الجديد، ونهاية مطلب النظام الفيدرالي من جانب جنوب السودان.
المرحلة الرابعة: من عام 1985 وحتى عام 1992: وهي حقبة محاولات الإسلاميين إحياء مقترح الفيدرالية، والرفض التام للمقترح من الحركات والأحزاب الجنوبية، وقفل باب الجدل في هذه المسألة نهائياً.
26
فتح إعلان فرانكفورت الذي وقّعه في 25 يناير 1992 الدكتور علي الحاج ممثّلاً لحكومة الإنقاذ والحركة الإسلامية السودانية، مع الدكتور لام أكول ممثّلاً لفصيل الناصر المنشقّ من الحركة الشعبية القمقم، وخرج ماردُ تقرير المصير لشعب جنوب السودان للعالم ذلك اليوم.
تدرّج ذلك المارد عبر عُدّةِ مساراتٍ وعرةٍ، ومؤتمراتٍ ومفاوضاتٍ صاخبةٍ ومطوّلة واتفاقياتٍ متعددة، وأدّى بعد حوالي العشرين عام إلى انشطار السودان، وذهاب ثلث أراضيه وربع سكانه في شأنهم، وتحت مظلّة دولتهم الوليدة، وإلى الأبد، كما سنناقش في السلسسلة الرابعة من المقالات عن “حقِّ تقريرِ المصير لشعبِ جنوبِ السودان”، والتي ابتدأ نشرها متزامناً مع نشر هذه المقالات مكتملةً، في هذه الصحيفة الغراء – صحيفة سودانايل.
Salmanmasalman@gmail.com
يونيو 2026

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
المتنبي بعيون أوربا قبل مائتي عام: سلطان الشعر وعرافه
منبر الرأي
التربية الوطنية وما تعلمناه من هذا الجيل الثوري .. بقلم: محمد زاهر أبوشمة
منبر الرأي
في البحث عن الحكمة
منبر الرأي
الولايات المتحدة الأمريكية والفترة الانتقالية في السودان .. بقلم: خالد هاشم خلف الله/ صحفى تلفزيونى
منبر الرأي
ولاية الخرطوم .. بالخبز وحده يحيا الإنسان أحياناً … بقلم: إمام محمد إمام

مقالات ذات صلة

تقارير

ياسر عرمان: يلتقي المبعوثيين الامريكين لدارفور وإتفاقية السلام ومبعوث جمهورية جنوب افريقيا

طارق الجزولي
تقارير

ندوة منظمة افريقيا العدالة جنوب كردفان ومآلات ما بعد الانتخابات: تقرير: أحمد عبد المكرم

طارق الجزولي
تقارير

رحلة في الذاكرة الأريترية مع المناضل/إبراهيم قدم (الحلقة الخامسة)

طارق الجزولي
تقارير

واشنطن بوست: نحو دين تقدمي: واشنطن: محمد علي صالح

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss