مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (4 – 12)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
تتبّعنا في المقالات الثلاثة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي. وتوقّفنا عند مؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، والذي كان كان أول منبرٍ شماليٍ جنوبيٍ يناقش العلاقة بين طرفي القطر. وقد أوضحنا أن القيادات السياسية والمجموعات الأكاديمية الجنوبية متفقةٌ على أن ممثلي الجنوب لذلك اللقاء أثاروا بوضوح مطلب الفيدرالية، وكان المؤتمر بذلك أول منبرٍ شماليٍ جنوبيٍ يثير فيه أبناء الجنوب ذلك المطلب.
تم بعدها بحوالي العام في عام 1948 إثارة ذلك المطلب في الجمعية التشريعية، ثم في لجنة الدستور عام 1951. وقد أوضحنا رفض القيادات السياسية الشمالية في تلك الفترة رفضاً تاماً مناقشة مقترح الفيدرالية، وإصرارهم على التركيز على مسألة حق تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر.
2
انتقلنا بعد ذلك إلى مناقشة التطوّرات التي قادت في مصر إلى استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في 23 يوليو عام 1952، وتوقيع اتفاقية تقرير المصير الخاصة بالسودان في 12 فبراير عام 1953. ناقشنا بعد ذلك صدور قانون الحكم الذاتي في 21 مارس 1953، كأول دستورٍ للسودان، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير. وشرحنا تجاهل الأحزاب الشمالية للأحزب الجنوبية، ورفضها تضمين أيّ موادٍ عن النظام الفيدرالي ووضعية جنوب السودان في قانون الحكم الذاتي لعام 1953.
ناقشنا قيام انتخابات عام 1953، وفوزر الحزب الليبرالي، الذي تبنّى مطلب الفيدرالية، بستة عشر مقعداً، وتأكيده تبنّي مطلب الفيدرالية خلال مؤتمره الذي عقده في شهر أكتوبر عام 1954، وأشرنا إلى تجاهل ثم رفض الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية. وأوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، التي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، والذي ألقى باللائمة في أحداث توريت على حكومة السيد إسماعيل الأزهري
3
كما ذكرنا في المقال السابق، فقد تكوّنت لجنة القاضي قطران للتحرّي في أحداث توريت في سبتمير عام 1955، وأصدرت تقريرها في شهر فبراير عام 1956. غير أن التقرير لم يتم نشره حتى شهر أكتوبر عام 1956، بعد ثلاثة أشهر من سقوط حكومة السيد الأزهري وتولّي السيد عبد الله خليل رئاسة الوزارة في شهر يوليو عام 1956. وقد أوضحنا أسباب ذلك التأخير في المقال السابق.
خلال الفترة العام من شهر سبتمبر عام 1955 (تاريخ تكوين لجنة القاضي قطران) حتى شهر أكتوبر عام 1956 (تاريخ نشر تقريرها)، وقعت أحداثٌ كبيرةٌ وهامةٌ في مسار قضية جنوب السودان ومطلب الفيدرالية سنناقشها بقدرٍ من التفصيل في هذا المقال.
4
بعد أربعة أشهرٍ من تمرّد توريت في 18 أغسطس عام 1955 قررت الحكومة والمعارضة إعلان الاستقلال من داخل البرلمان. وافق أعضاء البرلمان الجنوبيون على تأييد القرار شريطة أن يتضمّن ذلك القرار مطلبهم لإقامة نظام حكمٍ فيدرالي في الجنوب. وافقت قيادات الأحزاب الشمالية على هذا المطلب، وصدر قرار مجلس النواب بإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان بالإجماع يوم الاثنين 19 ديسمبر عام 1955 في جلسته رقم 43، الدورة الثالثة.
وقد تضمّن القرار فقرةً تطلب من الجمعية التأسيسية القادمة أن تعطي الاعتبار لمطلب النواب الجنوبيين بإقامة النظام الفيدرالي لجنوب السودان داخل السودان الموحّد. وتقرأ تلك الفقرة كلآتي:
“نحن أعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعاً نرى أن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاث ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية.”
5
سعد الجنوبيون كثيراً بهذه الفقرة من القرار، واعتقدوا أن حلمهم ابن الثمانية أعوام قد صار قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، وأشاد الكثيرون بالوحدة الوطنية التي مثّلها وعكسها ذلك القرار. وتمّت الاحتفالات الرسمية بعيد الاستقلال، ورُفِع علم السودان في أول يناير عام 1956.
غير أنه كان استقلالاً مُلبّداً بغيوم الخلافات وبذورِ الحرب في جنوب البلاد التي اشتعلت قبل أشهر قليلة من الاستقلال، والتجاهلِ التام من قِبلِ القيادات السياسية في الشمال لمطلب الفيدرالية. وكما ذكرنا في المقال السابق، فقد تمّ إعدام عددٍ من قادة التمرد في جنوب السودان بعد أيامٍ فقط من احتفالات عيد الاستقلال.
6
بالإضافة إلى هذا، فقد طغت على احتفالات الاستقلال الخلافاتُ الحادة بين الحكومة والمعارضة. تصاعدت تلك الخلافات وأدّت بعد أسابيع قليلة من الاستقلال إلى سقوط حكومة الحزب الوطني الاتحادي. وكما ناقشنا في المقال السابق فقد خلفتها حكومةٌ قومية شملت كل الأحزاب، بما في ذلك حزب الأمة، برئاسة السيد إسماعيل الأزهري في شهر فبراير عام 1956.
غير أن تلك الحكومة القومية نفسها انهارت بعد خمسة أشهر تحت وطأة الخلافات الحادة داخلها. حلّت محل الحكومة القومية ما أُطلِق عليه حكومة السيدين (السيد عبد الرحمن المهدي راعي حزب الأمة، والسيد علي الميرغني راعي حزب الشعب الديمقراطي الذي تمّ تكوينه في يونيو عام 1956 بعد الانشقاق داخل الحزب الوطني الاتحادي).
تشكّلت هذه الحكومة الائتلافية الجديدة في شهر يوليو عام 1956 برئاسة السيد عبد الله خليل سكرتير حزب الأمة، ونائبه السد ميرغني حمزة من حزب الشعب الديمقراطي. وانتقل من تبقّى من الحزب الوطني الاتحادي بقيادة رئيسه السيد إسماعيل الأزهري إلى المعارضة. وتسلّم السيد محمد أحمد محجوب، والذي كان قد انضمّ إلى حزب الأمة بذاك الوقت، مقاليد وزارة الخارجية. وكان السيد محمد أحمد محجوب قد ترشح وفاز في دوائر الخريجين عام 1953 مستقلّاً.
7
كما ذكرنا من قبل فقد ظلّ قانون الحكم الذاتي لعام 1953 هو دستور السودان خلال فترة الحكم الذاتي التي انتهت بإعلان الاستقلال. وقد تمّ القيام بتعديلاتٍ طفيفةٍ على قانون الحكم الذاتي على عجلٍ في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر عام 1955 قبل إعلان الاستقلال، وصدر في يوم الاستقلال – الأول من يناير عام 1956 – تحت مسمى “دستور السودان المؤقّت لعام 1956” ليُحكمَ به السودان (حسب قرار مجلس النواب قي 31 ديسمبر عام 1955) حتى الفراغ من صياغة دستورٍ دائمٍ جديد.
شمل الدستور المؤقت مجلس سيادة من خمسة أعضاء، أحدهم من أبناء الجنوب، ليكون رأس الدولة ويحلّ محل الحاكم العام. وأشار الدستور إلى أن رئاسة هذا المجلس تكون شهريةً بالتناوب بين أعضائه الخمسة.
وهكذا أصبح بإمكان العضو الجنوبي بالمجلس أن يكون رأس الدولة على الأقل شهرين كل عام. وقد تمّ اختيار السيد سرسيو أيرو ليمثّل الجنوب في مجلس السيادة.
8
كما أن عضوية الجنوبيين في مجلس الوزراء تحت مسمى “وزير دولة بلا أعباء”، والتي شملت السادة داك داي، وبولين ألير، وسانتينو دينق، لم تتواصل بسبب نقد وسخرية أبناء الجنوب، خاصةً أعضاء الحزب الليبرالي. حلَّ محل وزراء الدولة بلا أعباء الثلاثة وزيران جنوبيان أحدهما السيد سانتينو دينق لوزارة المخازن والمهمات، والثاني السيد داك داي لوزارة النقل الميكانيكي. وكما ذكرنا من قبل فقد كان الاثنان وزيري دولة بلا أعباء في الحكومة السابقة.
صحيحٌ أنه لا تحمل أيّةٌ من هاتين الوزارتين حتى على جزءٍ من أهمية ووزن ومسئوليات أية وزارة من الوزارات السيادية والاقتصادية والخدمية الأخرى. لكن عند مقارنة هذا الوضع بما كان عليه قبل أشهر فلا بد للمراقب أن يلاحظ التحسّن النسبي في الوضع السياسي لأبناء الجنوب. فقد حصلوا على عضوية مجلس السيادة، مع أربعة أعضاء شماليين، ورئاسته الشهرية الدورية، وحصلوا أيضاً على وزارتين كاملتين.
وإضافةً إلى هذا فقد حصلوا على وعدٍ بالحكم الفيدرالي من البرلمان، وهو النظام السياسي والدستوري الذي كان غاية ما يتطلّعون إليه منذ السنوات التي سبقت الاستقلال. وبدأ القادة الجنوبيون يمنّون أنفسهم بحكم الجنوب تحت مظلّة النظام الفيدرالي، والمشاركة، رغم محدوديتها، في حكم السودان ككل.
9
لكن فرحة الجنوبيين لم تدم طويلاً. شكّلت حكومة السيد عبد الله خليل لجنة الدستور في بداية شهر سبتمبر عام 1956 من 46 عضواً برئاسة السيد بابكر عوض الله رئيس مجلس النواب، وتمّ تعيين السيد أحمد خير نائباً له. شملت اللجنة ثلاثة أعضاء فقط من أبناء الجنوب، من بينهم الأب سترنينو لوهوري. وقد كان ذلك التمثيل بالطبع ضعيفاً ولا يعكس الوزن السكاني أو السياسي للجنوب.
بدأت اللجنة أعمالها في نفس الوقت الذي خرج فيه الإسلام السياسي إلى العلن في السودان من عباءة السيدين عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني اللذين أصبحا الحاكمين الحقيقيين للسودان، وأيضاً من مظلّة الحكومة الائتلافية لحزبي الأمة والشعب الديمقراطي، أو ما عُرِف بحكومة السيدين.
وقد استمر هذا الائتلاف في حكم السودان من شهر يوليو عام 1956 إلى ما بعد انتخابات فبراير/مارس 1958، وحتى انقلاب 17 نوفمبر عام 1958 الذي سوف نناقشه بتفصيلٍ في مقالٍ قادم.
10
تمخّضت لجنة الدستور وولدت دستوراً إسلامياً عربياً للسودان، ودولةً مركزيةً لا مكان فيها للفيدرالية. فقد نصّت المادة الأولى من الفصل الأول من مسودة الدستور على أن السودان دولةٌ موحّدةٌ، وهو جمهورية ديمقراطية برلمانية. ونصّت المادة الرابعة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، بينما نصّت المادة الخامسة على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة.
عليه فقد أكدت مسوّدة الدستور أن السودان دولةٌ مركزيةٌ موحدةٌ، ناسفةً بذلك حلم الجنوبيين بالفيدرالية التي ظنوا أنهم على أبوابها. وقد انسحب مندوبو الجنوب الثلاثة من لجنة الدستور حال إجازة اللجنة لهاتين المادتين من الدستور.
11
في تبرير رفضها للنظام الفيدرالي أوضحت لجنة الدستور، كما نقل ذلك السيد محمد أحمد محجوب للبرلمان، “أن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.”
كانت مسألة في غاية الغرابة أن تقوم مجموعةٌ متعلمةٌ مستنيرةٌ أُنيطت بها هذه المهمة الوطنية الكبرى أن تتعامل بتلك البساطة المتناهية، وذلك الاستخفاف مع قضيةٍ بمثل ذلك الحجم والأهمية.
وهكذا وبهذه البساطة والسرعة حطمّت اللجنة آمال وتطلّعات أبناء الجنوب المتواضعة لقيام نظامٍ فيدرالي، وأهدر الشماليون بغطرسةٍ وعنادٍ واستخفاف فرصة وحدة البلاد. وقد بذر هذا الرفض ونقض العهود والاستعلاء بذور الانفصال التي استطالت وآتت أكلها بعد نصف قرنٍ من الزمان.
12
وقد أوضح السيد محمد أحمد محجوب أن قرار البرلمان في 19 ديسمبر عام 1955 بطلبه للجمعية التأسيسية القادمة إعطاء النظام الفيدرالي الاعتبار الكافي كان فقط لإرضاء الجنوبيين حتى يصوتوا للاستقلال، مما يعكس قدراً كبيراً من الاستخفاف بأبناء الجنوب وبالاتفاقيات معهم، وعدم الجدية في التعامل معهم (راجع كتاب السيد أبيل ألير التمادي في نقض المواثيق، صفحة 23 من النص الإنجليزي الأصلي للكتاب).
أصبح واضحاً بعد ذلك التصويت أنه لم يكن أحدٌ جاداً في ذلك الوعد للجنوبيين. وسوف نناقش في مقالات قادمة التصعيد العسكري للحرب في الجنوب الذي قام به السيد محمد أحمد محجوب عندما صار رئيساً للوزارة عام 1965، والمجزرتين اللتين وقعتا في جنوب السودان في عهد الحكومة التي ترأسها خلال فترة الحكم المدني الثانية (مجزرتي جوبا و واو – يوليو 1965).
وسنناقش أيضاً تهميش دور العضو الجنوبي الوحيد في مجلس السيادة بتغيير الرئاسة الشهرية إلى رئاسة دائمة تولاها السيد إسماعيل الأزهري، كما سنناقش في مقالٍ قادم.
13
أُصِيب الجنوبيون بخيبة أملٍ كبيرة عبّر عنها الأب سترنينو لوهوري عندما انسحب هو والعضوان الجنوبيان الآخران من لجنه الدستور كما ذكرنا أعلاه.
وقد خاطب الأب سترنينو البرلمان (كما أوردنا في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات) في 16 يونيو عام 1958موضحاً في ألمٍ وحسرة عن خيبة أمله في رفض الشماليين لمطلب الجنوبيين لنظام الحكم الفيدرالي في إطار السودان الموحّد، ومحذراً أن نتيجة هذا الرفض ستكون يوماً ما انفصال جنوب السودان رضي الشمال أم أبى.
وقد وقف التاريخ إلى جانبه، وصدقت نبوأته. ورفع نقضُ الأحزاب الشمالية لوعد الفيدرالية سقفَ مطالب أبناء الجنوب تدريجياً إلى نقطة حق تقرير المصير، ومن هناك إلى النتيجة المأساوية التي وصلت إليها البلاد في 9 يوليو عام 2011، بعد نصف قرنٍ من نقض وعد 19 ديسمبر عام 1955.
14
لقد قرّرت لجنة الدستور أن كل ما طلبه منها قرار البرلمان هو إعطاء الاعتبار الكافي لمطلب الحكم الفيدرالي، وهو ما فعلته اللجنة. بل لقد كان هذا أيضاً هو تفسير بعض القانونيين والسياسيين الشماليين للقرار.
من الجانب الآخر، رأى الأعضاء الجنوبيون في مجلس النواب أن ما تمّ في 19 ديسمبر 1955 كان حزمة اتفاقٍ تتكوّن من وقوف النواب الجنوبيين مع قرار إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان مقابل منح الجنوب الحكم الفيدرالي.
من الواضح أن تفسير لجنة الدستور لقرار البرلمان وطريقة تعاملها معه قد مثّلا استخفافاً كبيراً بمطلب النواب الجنوبيين وطموحاتهم. ويبدو من هذا المنطق أن القضية بالنسبة للسياسيين الشماليين هي مسألة نزاعٍ قانونيٍ بين طرفين يكسبها من هو أكثر “شطارة قانونية” من الآخر، وليست قضية وطنية سياسية خطيرة، اشتعلت بسببها حربٌ أهلية طاحنة قبل أكثر من أربعة أشهرٍ فقط من تاريخ القرار.
15
كما أنه لا بد من التوضيح أن قرار مجلس النواب في 19 ديسمبر عام 1955 ذكر أن “… مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية.”
يثير هذا القرار عدداً من الأسئلة، منها:
أولاً: لماذا أحال البرلمان مقترح الفيدرالية لجنوب السودان إلى لجنة الدستور ولم يتخذ فيها القرار بنفسه، وهو السلطة التشريعية العليا في البلاد؟
لقد اتخذ البرلمان قراراً أخطر من هذا عندما أعلن الاستقلال، فكيف ولماذا يفشل ويرفض اتخاذ قرارٍ بالفيدرالية للجنوب؟
ثانياً: لماذا تم عرض المسألة على لجنة الدستور، واعتبر الساسة الشماليون قرار لجنة الدستور نهائي، بدلاً من الانتظار وعرض الأمر على الجمعية التأسيسية إذا كان البرلمان لا يريد اتخاذ القرار؟
كما لابد من التوضيح والإضافة أن الدستور الذي ستصيغه اللجنة هو مجرد مسوّدة تنبني على ما تم الاتفاق عليه بين الأحزاب السياسية، وتتم مناقشتها ومراجعتها وتعديلها وإجازتها بواسطة البرلمان،
إنني اعتقد أن كل ما حدث كان انعكاساً لعدم الجدية من السياسيين الشماليين في التعامل مع مطلب الفيدرالية، إن لم يكن مناورةً متفقاً عليها بين النواب الشماليين.
16
لم تُعمِّر الحكومة الائتلافية بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي طويلاّ، فقد نخرت في عظامها الخلافات السياسية والشخصية، ليس فقط بين الحزبين المؤتلفين، بل حتى من بين أعضاء كلٍ من الحزبين الحاكمين نفسيهما داخل الحكومة.
برز نزاع حلايب الحدودي مع مصر، ووقف حزب الأمة موقفاً صلباً ضد مصر، صعّد فيه الخلاف وأوصله إلى مجلس الأمن. من الجانب الآخر حاول حزب الشعب الديمقراطي بحكم علاقته الوطيدة مع مصر حلّ النزاع عن طريق التفاوض بين البلدين، دون اللجوء إلى طرفٍ ثالث، “وتفويت الفرصة على الاستعمار والامبريالية العالمية.”
ثم جاءت مسألة المعونة الأمريكية والتي لم يجد حزب الأمة مشكلةً في قبولها، بينما عارضها بشدّة حزب الشعب الديمقراطي باعتبار أنها “الغطاء لمشروع الرئيس الأمريكي ايزنهاور الامبريالي في الشرق الأوسط.”
17
وكانت علاقات الحكومة مع الاتحادات والنقابات السودانية مصدر شدٍ وجذب بين محاولات حزب الشعب الديمقراطي التعايش معها وكسب ودِّها، وبين رفض مواقفها ومطالبها بواسطة حزب الأمة الذي رأى فيها واجهةً للشيوعية.
وتأجّج الصراع على كراسي الوزارة بين قيادات الحزبين، فقد أصرّ حزب الشعب الديمقراطي على إشراك بعض قياديه الذين خسروا انتخابات فبراير عام 1958، في الوزارة مثل السيدين علي عبد الرحمن رئيس الحزب، وميرغني حمزة نائب الرئيس. لقي ذلك المقترح معارضةً ليس فقط من حزب الأمة، ولكن من بعض قيادات حزب الشعب الديمقراطي نفسه.
وقد نجح حزب الشعب الديمقراطي (أو في حقيقة الأمر السيد علي الميرغني راعي الحزب) في فرض مقترحه، وتمّ تعيين السيد علي عبد الرحمن وزيراً للداخلية، والسيد ميرغني حمزة نائبأ لرئيس الوزراء ووزيراً للزراعة والري. وقد رأى الكثيرون في هذين التعينين طعنةً لمبادئ الديمقراطية ونتائج الانتخابات والمشاركة في السلطة.
18
أزاء هذه الخلافات والمشاكل لم تعد قضية الجنوب من بين أسبقيات الحكومة والأحزاب السياسية رغم حالة الغليان والاحتقان في أوساط الساسة والمتعلمين الجنوبيين.
وقد تواصل منح الجنوبيين وزاراتٍ من الدرجة الثانية، فقد شملت الحكومة الائتلافية السادة بنجامين لوكي لوزارة الأشغال، وغوردون أيوم لوزارة الثروة الحيوانية، والفريد بورجوك لوزارة الثروة المعدنية.
19
تصاعدت الخلافات بين حزبي الائتلاف – الأمة والشعب الديمقراطي – وأحسّ السيد عبد الله خليل أن أيامه كرئيسٍ للوزراء قد قاربت نهايتها، وأنه سيفقد وظيفته القيادية نتيجة ائتلافٍ جديدٍ قادمٍ بين حزب الشعب الديمقراطي والحزب الوطني الاتحادي، أو حتى بين حزبه وأحد هذين الحزبين.
إزاء هذا الوضع وجّه السيد عبد الله خليل الفريق إبراهيم عبود بالقيام بانقلابٍ عسكري واستلام السلطة وتشكيل حكومةٍ مشتركة بين العسكريين والمدنيين السياسيين.
بعد تردّدٍ دام أسابيع، وضغوطٍ هائلةٍ ومتواصلةٍ من السيد عبد الله خليل، قام الفريق عبود في 17 نوفمبر عام 1958 – بعد أشهرٍ قليلة من الانتخابات النيابية الثانية في السودان – بانقلابه مُنهياً الحلقة الأولى من سلسلة حلقات الحكم المدني في السودان، ومبتدئاً حلقة قفز العسكر على مقاعد السلطة في السودان.
بتلك البساطة وجّه رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل طعنةً نجلاء للديمقراطية الوليدة لن تفيق منها البلاد أبداً، وفتح شهيّةَ العسكر للسلطة، والبابَ واسعاً للانقلابات العسكرية في السودان التي توالت وتواصلت منذ ذلك التاريخ.
20
وقد اتهمت القيادات الجنوبية السيد عبد الله خليل بأنه وجّه الفريق عبود باستلام السلطة ليقوم الجيش بحلِّ قضيةِ الجنوب عن طريق البندقية بعد فشل الحكم المدني في ذلك، وليس بالحل السلمي الفيدرالي أو بالتفاوض. وقد كان حلُّ البندقية هو ما حاوله، وبعنفٍ وقسوٍة، الفريق عبود وصحبه في جنوب السودان على مدار ستة أعوامٍ، وهو ما أدّى إلى سقوطه في ثورة أكتوبر 1964، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.
- محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
Salmanmasalman@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم