معاداة السامية: الدرع السحري الذي يحمي الأكاذيب ويصمت الأصوات

بقلم: د. عزيز سليمان، أستاذ السياسة والسياسات العامة
quincysjones@hotmail.com

في عالم السياسة المعاصر، حيث تتشابك الخيوط بين التاريخ والأيديولوجيا، تبرز ظاهرة “معاداة السامية” كأحد أبرز الأدوات الخطابية التي تُستخدم لإعادة صياغة المناقشات وتحويلها إلى معارك دفاعية. إن هذا المصطلح، الذي يحمل في طياته أعباء تاريخية ثقيلة، لم يكن يوماً مجرد تعبير عن كراهية عرقية أو دينية، بل تحول إلى سلاح استراتيجي يُرفع في وجه كل نقد أو معارضة. لنبدأ بتشريح هذه الظاهرة من جذورها التاريخية، مستندين إلى السياقات التي شكلتها، قبل أن ننتقل إلى تحليل أسباب اللجوء إليها كمندوحة في الخلافات الفكرية، الدينية، والعرقية، مع التركيز على السياق الإسرائيلي.

يعود أصل مفهوم “معاداة السامية” (Antisemitism) إلى العصور القديمة، حيث كانت الكراهية تجاه اليهود تتجذر في الصراعات الدينية والثقافية. في العالم اليوناني-الروماني، كان اليهود يُنظر إليهم كأقلية غريبة تتمسك بعاداتها الخاصة، مما أثار الريبة والعداء. ومع انتشار المسيحية، تعمقت هذه الكراهية من خلال الاتهامات الدينية، مثل اتهام اليهود بقتل المسيح، الذي أصبح أساساً للاضطهادات المتكررة في العصور الوسطى. ومع ذلك، لم يُصاغ المصطلح الحديث إلا في عام 1879 على يد السياسي الألماني فيلهلم مار (Wilhelm Marr)، الذي استخدمه لوصف كراهية اليهود كعرق “سامي”، مستمداً من التصنيف اللغوي للشعوب السامية (التي تشمل اليهود والعرب والآشوريين وغيرهم). كان مار يهدف إلى إضفاء طابع علمي على هذه الكراهية، محولاً إياها من مجرد تعصب ديني إلى نظرية عرقية، مما مهد الطريق للكوارث اللاحقة مثل الهولوكوست. وفقاً للتاريخ، فإن معاداة السامية ليست حكراً على اليهود فحسب، إذ أن الشعوب السامية تشمل مجموعات عرقية متعددة، لكن المصطلح في الاستخدام الحديث أصبح مرادفاً للكراهية ضد اليهود تحديداً، متجاهلاً جذوره الواسعة. هذا التشريح يكشف عن طبيعة المصطلح كبناء اجتماعي-سياسي، يتطور مع الزمن ليخدم أغراضاً محددة.

في السياق الإسرائيلي، يُستخدم اتهام “معاداة السامية” كذريعة استراتيجية لمواجهة أي خلاف فكري أو ديني أو عرقي. يلجأ الإسرائيليون، وداعموهم، إلى هذه المندوحة لعدة أسباب جوهرية، تكشف عن ديناميكيات السلطة والسرديات. أولاً، يوفر هذا الاتهام درعاً نفسياً وأخلاقياً، إذ يحول النقد المشروع للسياسات الإسرائيلية – مثل الاحتلال، أو التمييز العرقي، أو الانتهاكات لحقوق الإنسان – إلى هجوم شخصي على الهوية اليهودية. على سبيل المثال، عندما ينتقد شخص ما السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، يُصنف هذا النقد فوراً كمعاداة سامية، مما يصرف الانتباه عن جوهر المشكلة ويضع الناقد في موقف المدافع عن نفسه ضد تهمة تاريخية مشينة. ثانياً، يعتمد هذا اللجوء على تعريفات موسعة مثل تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)، الذي يُعتبر في بعض الحالات أن انتقاد الصهيونية أو مقارنة السياسات الإسرائيلية بالنازية يُعد معاداة سامية، مما يقمع الحوار الحر ويحمي الرواية الإسرائيلية الرسمية. ثالثاً، في الخلافات العرقية أو الدينية، يُستخدم هذا الاتهام لتعزيز التحالفات الدولية، خاصة مع الدول الغربية التي تشعر بالذنب التاريخي تجاه الهولوكوست، مما يجعل أي معارضة تبدو كتكرار للاضطهادات الماضية.

خذوا على سبيل المثال حادثة سيدني الأخيرة في بوندي بيتش، حيث وقع إطلاق نار مأساوي أثناء احتفال يهودي بحانوكا في ديسمبر 2025، أسفر عن مقتل 15 شخصاً وإصابة العشرات. قبل حتى أن يتم التعرف على الفاعلين – اللذين تبين لاحقاً أنهما أب وابنه مرتبطان بجماعات إرهابية إسلامية – خرجت أصوات إسرائيلية وداعمة لها ترفع شبهة معاداة السامية كشعار فوري. لم ينتظروا التحقيقات أو الدوافع الحقيقية، بل استخدموا الحادثة لتعزيز السردية عن “الارتفاع العالمي في معاداة السامية”، مستغلين السياق الأوسع للحرب في غزة لربط أي عنف بكراهية اليهود. هذا النهج ليس استثناءً، بل نمط متكرر يُستخدم لإسكات الأصوات المعارضة، سواء في الجامعات أو الإعلام أو السياسة الدولية، حيث يُوصف المتظاهرون ضد السياسات الإسرائيلية بـ”المعادين للسامية” دون تمييز بين الكراهية الحقيقية والنقد السياسي.

في الختام، أصبح اتهام معاداة السامية من أمضى الأسلحة في ترسانة الدفاع الإسرائيلي، وهو يعمل كـ”one size fits all” – حل واحد يناسب كل الظروف. إنه ليس مجرد رد فعل دفاعي، بل استراتيجية مدروسة تحول الجدل إلى معركة أخلاقية، تحمي الأكاذيب وتبين الخصوم كأعداء تاريخيين. .

عن عزيز سليمان

شاهد أيضاً

عبد ربه التائه وكاميرون هدسون: حين يتحدث أحدهما باسم السودان ويعتذر الآخر عنه

quincysjones@hotmail.comبقلم: د. عزيز سليمان – أستاذ السياسة والسياسات العامةفي قاعة الأمم المتحدة بالأمس، وقف عبد …