معايير الرق .. بقلم: د. عيسي حمودة

ان عدم الاتفاق مع الدكتور عشاري خليل في مسالة شائكة ومعقدة، كما سأبين لاحقا، يدخلنا – وبسرعة تشبه عمل المحاكم التي ينكر أفعالها- في لستة أحكامه و تصنيفاته المسبقة : مثقف شمالي عربي مسلم، ، قديم، حزب أمة، مثقف رزيقات ! و ذلك – اي التصنيفات المسبقة prejudice – امر لا يهمني ولا يخلق تنازع في دواخلي! فكل مخير او مسير في طرائق تفكيره وتقلبات فؤاده! ولكني لا ارتاح – ذهنيا- ان اري بعض الصفوة تحاول إصلاح اختلال ميزان المواطنة والحقوق علي طريقة روبن هود: سطوا بالليل وأم غمتي بالنهار يقتلع من المتخمين الأقوياء ( تقرا هنا الصفوة الإسلاموعربية) ويوزعها علي الجوعي المعوذين ( تقرا هنا الهامش، الزرقة، الخ)!  
لا يحتاج المثقف ‘ابو شعور رقيقة’ ان تكون السيدة أبوك مشام انقوي زوجة ، عمة ، وجارة او تربطه به اي صلة قربي اخري حتي تنال ادميتها وتحظي باحترامنا ومشاعرنا؟! لا يحتاج  الواحد ان يكون زوج، اب او اخ حتي يدمي قلبه لسماعه ما تعرضت له السيدة أبوك! الا توجد إحاسيس عند ‘العزابة’ ، اليتامى، والذين لم ينجبوا؟! لم يكن الرئيس الامريكي سودانيا جنوبيا او تربطه صلة – غير الانسانية والمسؤولية الأخلاقية – عندما اهتم بأمر السيدة أبوك وشعوب جنوب السودان( والنوبة والنيل الأزرق)! وفق الجانب الاخر فليس هناك اختلافا ان ان ادم عبدالرحمن مجرم في معناها القانوني المتعارف عليه بخروجه علي كل الشرائع الانسانية والربانية ( وليس في استخدامها الفضفاض الذي يستخدمه دكتور عشاري) وارتكابه جرائم ضد الانسانية من اختطاف واعتداء – جسديا ونفسيا- علي السيدة أبوك مشام ثم زواجه منها وغيره من جرائم مما أورده الدكتور في مقاله! وهي جرائم  وقعت علي شعبها من الدينكا وشعوب اخري من في جنوب السودان ،جنوب كردفان النيل الأزرق وحديثا في دارفور! بل انه في ظل الحكومة الحالية توسعت دائرة تلك الجرائم لتشمل – هذه المرة – أهل ادم عبدالرحمن! ولكن ليس ذلك ما نحن فيه مختلفون. 

ما نحن بصدده هنا 
١.انطباق الموجهات القانونية لمعايير الرق Parameters of Slavery  علي حالة السيدة أبوك مشام انقوي
٢. استخدامها – تلك المعايير – لتجريم المجموعات الاثنية التي ينتمي اليها ادم عبدالرحمن! سأستعرض في هذا المقال المرجع الذي دلني عليه الدكتور عشاري خليل! وهو موجهات بيلاجيو- هارفارد للمعايير القانونية للرق Bellagio – Harvard Guidelines on Legal Parameters on Slavery الصادر في ٣ مارس ٢٠١٢ – اي بعد اكثر من عقدين من صدور من الطبعة الأولي لكتاب عشاري بلدو! 
لم يكن الدكتور دقيقا في كتابة عنوان المرجع فأسماه تعاريف الرق Definitions of Slavery  بينما العنوان الصحيح هو Parameters of Slavery  والفرق بين ‘تعريف’ و ‘ معيار’ واضح! اغلب ظني ان الدكتور يحب كلمة ‘تعريف’ القاموسية لقطعيتها! ولم يكن أمينا ليعملنا ( بالهداوة او بغيرها) ان تعريف الرق وإثباته – امر معقد وهو ما حدا بخبراء من عدة خلفيات أكاديمية ومهنية لإصدار موجهات – ليس للعامة مثلنا – ولكن للقانونيين لتعيين في تحديد دقة تعريف واثبات ‘الرق’  و ‘الحالات والممارسات المشابه للرق’. 
تقع “موجهات بيلاجيو – هارفارد” في سبعة صفحات ( مرفقة هنا ) ووقع عليها المتداولين – أعضاء شبكة البحوث حول المعايير القانونية للرق – بعد طول بحث ، مداولات وندوات علمية ومهنية امتدت لقرابة الثلاث سنوات بين أعوام  ٢٠١٠ – ٢٠١٢ عقدت في إيطاليا ، كندا والولايات المتحدة الامريكية. 
لن أترجم الوثيقة هنا ولكن أوجز هنا ما يساعدنا علي التفريق بين ما ‘تشابه من البقر’ ! 
كانت الكلمة المفتاحية – من أولئك الأكاديميين الخبراء القانونيين و من منظمات المجتمع المدني وعلماء الاجتماع – هي الاعتراف (والاعتراف سيد الأدلة) ان هناك  “عدم وضوح قانوني فيما يتعلق بتفسير مصطلح الرق في القانون الدولي”! وهو قانون الرق ١٩٢٦ الذي أورده دكتور عشاري صحيحا من غير الإشارة الي تعقيدات تفسير المصطلح! ان امر إثبات ملكية الشخص والسيطرة عليه بما يشبه كامل الاستحواذ ( مثلما يتسحوذ الشخص مثلا علي كرة القدم يحركها كيف ساء بين رجليه او يمتلك أرضا ملكا حرا يتصرف فيها حسب إرادته) امر تصحبه كثير من التعقيدات مردها الاختلافات في طبيعة الملكية – الاستحواذ٠
ان الرق لا يثبت دون إثبات ان السيطرة علي الشخص تمت بصورة تطابق الملكية والحيازة – كما جاء في الموجه الاول. و تناولت بقية الموجهات المعايير الأمثلة علي الممارسات التي تعين علي ما اذا كان يكمن الجزم بان هناك ملكية و سيطرة بتلك الدرجة ام لا . وشددت المجموعة علي انه ” لا بد من البحث عن الإستحواذ” للقطع بان الحالة رق وليس ممارسة شبيه بالرق او حتي تمييزها من بعض ممارسات السيطرة التي ترتبط بإدارة العمال التي يمارسها/ يضعها أرباب العمل!  
وفصلت ( او قل أصلت ) الإصدارة علي ان إثبات وجود الملكية الاستحواذية هو الذي يهي الظروف الفعلية للقيام ب ‘ ممارسات حق الملكية ‘ او اعمال الرق كالبيع والشراء والنقل، الاستخدام ، إدارة الشخص او تفويض إدارته لآخرين ، التكسب والربح من الشخص ، التخلص منه او الإهمال ، وغيرها.
ومع ذكر كل واحد من أمثلة اعمال الرق act of slavery أعلاه تورد الوثيقة أمثلة للأدلة التي يجب التحري عنها ولم تقطع جزاما ان وجود تلك الممارسة يعني عملا دال علي الرق act of slavery  ولكن تقول ربما يكون كذلك may be an act of slavery
اذا كيف تساعد الوثيقة علي اتخاذ قرار بشأن الرق ان كانت غير جازمة؟ أوضح الموجه الخامس ” ولاتخاذ قرار ما إذا كانت الحالة رق فان من الضروري دراسة وتقصي الظروف المحددة للحالة” ويشمل تقييم تلك الظروف المحددة الإشارة إلى جوهر – وليس مجرد شكل العلاقة – محل النظر! كيف يمكن تقييم “جوهر العلاقة” ؟ ذلك يتم بالتحري investigation لإثبات ان في الواقع – الحقيقة كان هناك ممارسة لأحد او كل الأفعال التي تدل علي السيطرة لحد الملكية- الاستحواذ. ويشمل ذاك تحديد ما اذا كان هناك استحواذا في الأصل.
هل يعني ذلك ان ممارسة تلك الأفعال الدالة علي الأسترقاق  في غياب السيطرة علي الشخص التي تصل حد الاستحواذ تتضعف من تأهيل الحالة كحالة رق – وإنما ممارسات أشبه بالرق؟ ولا اصدر حكما هنا علي حالة السيدة أبوك!

أكد الموقوعون علي موجهات بيلاجيو – هارفارد ان مصطلح الرق كثيراً ما يستخدم لوصف الظروف التي تتجاوز التعريف القانوني على النحو المنصوص عليه في الاتفاقية الخاصة بالرق ١٩٢٦ وملحقاتها ١٩٥٦. وهنا يورد الموجهة الثامن ضرورة التمييز ما بين الرق  والعمالة القسرية. ذكرت الوثيقة ان الاتفاقية الخاصة بالرق 1926 تعترف بأمر أن العمل القسري يمكن أن يتطور لظروف  “تماثل ظروف الرق”.لكن تنتفي صفة الرق في حالات العمل القسري حيث السيطرة على شخص بمثابة حيازة غير موجودة.

وأورد الموجهان الفروقات ما بين “الرق” و “المؤسسات والممارسات الشبيهة بالرق” كالخدامة، الزواج القسري، استغلال الأطفال. والفرق – بينها وبين الرق – هنا انتفاء السيطرة بما يؤكد الملكية والاستحواذ علي الشخص! واعترف الموقعون علي الوثيقة وجود واقع ‘ تعشعش’ فيه كل تلك الأبقار المتشابهة: الرق و الممارسات المشابهة له ؟ وهنا أورد الموجه العاشر للخبراء أنه في وجود تلك الاوضاع فانه يجب ان يتم التحري لسبر جوهر تلك العلاقة وليس شكلها ( الذي يتراي لنا)! ان اثبت الدراسة انتفاء وجود ممارسة سيطرة تصل حد الاستحواذ فن البقر المتشابه ليس رقا و لكن يقع في حظيرته الكبيرة – اعمال مشابه للرق.
اخرج من هذه النقاشات وانا أتسأل هل تمت السيطرة علي  السيدة أبوب بمثلما ذكرت المبادئ التوجيهة!؟  لقد جزم عشاري وبلدو بذلك! ولكن الإجابة قابلة للنقاش وذلك لسبب منطقي ان توصيات شبكة المعايير القانونية التي فصلت واقعدت تعقيدات الموضوع صدرت بعد سنوات من كتاب عشاري – بلدو. ثم ان الامر يحتاج للرجوع الي قراءة “التحقيق” الذي قام به مؤلفي كتاب مذبحة الضعين! 
اما تجريم قبيلة ادم عبدالرحمن وناظرها ومثقفيها بأنهم مارسوا الرق بحمايتهم لآدم فان ذلك يشبه من يحمل مسؤولية هجمات الإرهابيين لشركات الأسلحة التي تعطي كل طرف ” سيف وسكين”.  


د.عيسى حمودة ، طبيب واختصاصي وبائيات،عمل خبيرا لمشاريع صحية دولية في افريقيا، الخليج ، أوربا والآن في جنوب شرق اسيا! وهو ناشط سياسي وحقوقي. 
eisa.hamouda@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً