معتقل .. بقلم: د,امير حمد -برلين –المانيا

وحدي في هذه الغرفة الصغيرة.. ضوء مصباح كابي يضيء نثار ما بسجني هذا ولوحة قبالتي على الجدار. لا شيء سوى الصمت وبعض تذكارات ورسومات متقاطعة ونقوش لسجناء قبلي على سطح الجدر المهترئة. بعد لأي وتردد وافق لي مدير السجن أن تظل هذه (الرسمة التخطيطية) في سجني الرتيب هذا.. قال السجناء إن مدير السجن يكره النساء لذا وافق على إبقائها فراسمها قاتل لامرأة. لا أدري ما شدني إلى هذه اللوحة!! أهو الخوف من الوحدة، أم الفراغ والسكون القاتل أم أنها ثمينة بالفعل؟. لا أظن ذلك، فقد أمر مدير السجن قبل أن تعلق على الجدار بفك إطارها وفحصها بدقة على يد أحد مقيمي اللوحات. ضحك وقال له: “مكانها القمامة”. 
وحدي أمامها أحاول أكثر من أيام استنطاقها،و التجول بين ردهاتها  لأسمعها تحدثني مثلما أناجيها كل مساء حينما يثقلني الحنين، والذكرى طي هذه السجن المطوق بي كأنشوطة. حدثني (توماس) أحد السجناء القدامى بأن روجر راسمها انتحر قبل أيام قليلة من الإفراج عنه بتهمة السطو المسلح، وقال سجين آخر إنه قتل امرأة أو حرضها على الانتحار على أسوأ الفروض. 
لا أحد يجزم في أمره أو لوحته المزمومة الشفتين هذه. أحسها بين الفنية والفينة تبتسم خفية تهمس: 
لقد أوشكت على فك الطلاسم.. أوشكت!! 
أي طلاسم فيها، أفككها وأنا لا أفقه في الفن إلا تزجية الوقت؟ ضوء كابٍي يطوقها بحنو كما لو هي خصر امرأة ….يعريها فتبدو خجولة جاحظة البهاء تكاد تترجل من الجدار وتراقصني. 
فضاء أزرق مقصب بألوان ربيعية طويلة المدى تؤطر بصمت وحزم. بانوراما  لوحة لامرأة شبه عارية تتمرأئ في  صورتها الباهتة على مرآة. نهداها بارزان ممتلئان.. يبدو أن الرسام قد نسي كفيه فوقهما. ابتسامة عذبة مرتسمة على شفتين رقيقتين كقوسين متقاربين…. شعر كستنائي منسدل  بعفوية يضفي عليها ظلالا كثيفة .أنها شبه عارية الا من بتنورة صيفية  مشفة عن تقاسيم حسدها . 
وحدي في هذه الغرفة أزجي وقتي بها، أتخلص من عبء الحياة بحثاً عن شيء في هذه اللوحة الخجولة. أقتل حقاً امرأة بهذا الجمال؟ أيعقل أن يكون حرضها على مبارحة مسرح الحياة؟!! ولم استلمت هي؟!! يقولون إن المرأة ضعيفة، غير أن الضعف نسبي. الرجل أضعف منها في كثير من المواقف. وصلتني هذه العبارة كموجة منفلتة على الشط وأنا أقترب من اللوحة أكثر حتى كدت أضغط أنفي فوقها. ما من جديد فيها سوى هذه الدقة وتناغم الألوان المتداخلة مع الأحجام والتفاصيل المتناغمة بدورها في وحدة متماسكة كتمسكي بالحياة. آه، الحياة، الاستلاب وبحث بلا جدوى عن وميض ما؟ لست رساماً أو محترفا ً للفن.. أريد فقط أن أصل إلى شيء ما لا أدري ما هو طي هذه اللوحة. 
هذا هو كل ما في الأمر يا روجر. بدربة ذيل اسمه في دائرة بيضاء بأسفل اللوحة. هل قتل مصطفى سعيد
بطل ؤواية موسم الهجرة الئ الشمال  جين مورس زوجته ليستعيض عنها برسمه لها  في غرفته النائية ذيك على ساعد النيل وليترك سيرة حياته الخواء ورقة بيضاء؟ أيكون الأمر هكذا يا (روجر) أم أن ثمة ما قلته وأنت تمهر بأناملك هذه اللوحة الخجولة المزمومة الشفتين؟
مامن سجين غيري  مهتم بمخاطبة هذه اللوحة الهامدة على الجدار. حاول (ستيفن) السجين الجديد أن يؤازرني في تحليل اللوحة هذه فقد كان نحاتاً من قبل إلى أن تورط في حادثة تهريب مخدرات وسطو على ثلاثة بنوك مركزية مع بعض الأفارقة وكوبي. هكذا أفضى لي في فسحة السجن عند الأصيل ونحن نلف مبنى السجن الشاهق الجدر. كل منا يهول جريمته ويضفي عليها بعدا أسطوريا….. لا أدري إن كان صادقا معي في ما قاله!!
-أقمت صداقة مع صرصار يخرج من ثقب بزاوية سجني. أتدري؟ لقد تعود أن يتسلق أعمدة السرير ويهدأ على راحتي محركاً محبساته.
– أنت لا تختلف عني، معتوه. 
هز رأسه وهو يشير إلى سجين ضخم الجثة خشن الملامح متورم الأجفان والعضلات. 
– لقد قتل كذلك. 
– لا يهمني أمره ثم أن روجر لم يقتل. 
– من حدثك بذلك؟.. لقد قتل هو الآخر دون شك. 
– أنت جديد على السجناء، لا تعرفهم، تستسلم للشائعات سريعا.. ماذا قلت؟ في لوحته طلاسم؟!!
– سأكتشفها دون شك. 
– هذا تخطيط عادي جداً حتى الألوان والفرشاة والورق المستخدم. أنسيت أنني نحات؟ النحت لا يختلف كثيراً عن الرسم. 
– إذاً، ماذا توحي إليك هذه اللوحة! أليس فيها ما يثير الاهتمام؟ خطوط وتداخلات وتقاطعات تخلق بدورها صورا متفاوة. 
– نعم. قمامة 
لا فائدة. كنت أتوقع تفاعله إلا أنه منشغل بصرصاره والتجسس على أخبار السجناء. قدرت عمره في نهاية الأربعين مثلي مترهل، أقرع ومقوس الساقين شبيه بإحدى الخربشات الحائطية في سجني وسط توقيعات السجناء وتعليقات بذيئة نابئة  وجدول أرقام أحصوا  عليه ما تبقى لهم  من سنينآوأشهر وأيام في السجن. 
وحدي أقارع (أناي) المتشظية وهذه اللوحة الجامدة قبالتي هل لها أن تلم شتاتي؟!!! كل لون فيها يحفر في ذاكرتي: الأسود والأصفر والخط المتعرج كأفعوان.. 
ماذا كان يريد أن يقول بلوحته هذه؟.. بتجريده وقوالبه الهندسية الدقيقة وألوانه المنتقاة؟ ماذا بحق السماء؟! أأرادنا أن ندلف إلى لوحته ونتنزه بين أروقتها والردهات!!
هذا المسطح الشاحب أصفر اللون ينبسط كأنه اللاانهاء نفسه ..! لماذا أغرم فان كوخ برسم حقول عباد الشمس، فأدمن تزويق لوحاته بالأصفر الفاقع؟.. لماذا لم يكتف من جمع هذا التبر المنسكب من قرص الشمس؟
ها أنا أتمعن لوحتك مأخوذا بألوانها المتداخلة بين المسطحات والأفاريز الصغيرة. ماذا كان يدور في خلدك بحق السماء وأنت تخصب باللون الفراغ كما يخصب الماء رحم الأرض؟
هكذا كان يتساءل بروفسير هارتمن في معرض لوحاته . كان يجيب وينتضقصها  من ثم لمجرد ؤؤيته  تقاطع مكعب صغير بآخر – لم يتتصره مت قبل-  أو خط مائل بين القوالب الهندسية. وأنا ماذا أطلب من حرم الجمال هذا قبالتي؟ المشاهدة، تزجية الوقت، أم أريد استنطاق صمت هذه الأنثى.. الألوان.. وتقاطيع اللوحة الخجولة
كل مسطح طيها خطأ كان أو زاوية شامخة كحراب قبيلة الماساي  ….. وهذا الخط المنثني كالأفعوان. أهو رمز للنيل؟ النيل الذي انحدر إلى قاعة (مصطفى سعيد) كمن يذرع عقبات سلم إلى الأسفل.. كنعاس يهبط بالصحو إلى حلم. ها هي كلماتك تهمس في أذني: (“حانت ساعة الوداع يا صديقي لا داعي لخداع النفس.. أوصيك بابنيّ.. جنبهما عناء السفر”*) ماذا ترك مصطفى سعيد بعد انتحاره؟ يقولون لا شيء، لا إرث ولا ذكرى، ذهب كما أتى. هكذا قالوا إلا أنه قدم نفسه قرباناً لكي لا تنتهي كنهايته، وأضاء بقعاً فينا مظلمة كمن يضيء عتمة بمصباح يدوي.. النيل الأفعوان لا يقتل أحداً يا مستر مصطفى سعيد، بل يضمه اليه كأم حنىن . وداعاً.. ولتترك لي باب غرفتك مشرعاً، في القرية النائية تلك على ساعد النيل فإني أريد أن أقرأ ما كتبته بخط رفيع في ثنايا مذكراتك. ثمة شيء لم تذكره.. وأنت تدعي أن سيرة حياتك صفحة بيضاء كما تهيأ لـ(هالر/ ذئب البوادي) حياته.. ما من شي ء يذكر بعد.. لوحة قبالتي منمنمة، مموسقة، جاحظة ببهائها تكاد تترجل من سطح الجدار.
أتهيأها حين غرة، كورقة بيضاء، كسيرة مصطفى سعيد إلا أن ثمة عالما تقنفد خلف حيز البياض هذا! (كل شيء سيهزمه الموت إلا الفن) هكذا قال سيزان ذهب لتدعنا نحاور خلوده في الفن المؤطر.. خلود شاعر الفرشاة.
ها هي لوحتك ياروجر  قبالتي، مبتسسمة في الخفاء تحدثني بصمتها عن صمتها وعالم تقنفد خلف البياض أتمعنها.. ألج إليها كزائر بستان، إلا أن اللون الأسود فيها يخيفني.. يقلق تناغم أفكار ترسبت في مخيلتي، ترسب طين على قاع نهر.
“اللون الأسود لون الحداد..” هكذا رددت الجارة الهرمة يا روجر. لم تكن تهاب الموت.. ولا تريد أن تعيش أكثر قالت: اكتفيت. وطلبت من الطبيب أن يوقف نبض حياتها بمصل قاتل دون إحساس بالألم. أنزعج  من رغبتها المتطرفة  ….إلا أنها انتصرت في نهاية المطاف، فشيعت في مراسم دفن بسيطة، لم يتبق منها سوى أغصان زهور يابسة على قبرها ونصب مرمري خالص البياض كراية للسلام.
وحدي مجدداً قبالة اللوحة وهي لا تفتأ تناجيني: 
(اقتربت.. اقتربت من فك الطلاسم. لا تيأس، حدق ملياً، تمعن.) 
“ما تهمتك ياروجر حقا ؟ هل قتلت أم سطوت أو اغتصبت؟”. لم تزل أسئلة بعد  تدفعني إلى الوراء فأستحضر ذاك اليوم العصيب.. لست قاتلاً ولا محرضاً لقد أرادت هي التورط في المأساة!.
– ولكن لماذا اختارتني أنا؟
ضحك محامي الدفاع حينما سألته ورد : 
– لأنك طيب كما يبدو. 
رغم الحكم المجحف إلا أن القاضي لم يتردد من  أن يقول لي بصوت غاضب: 
– لا يعقل أن تنتحر امرأة ألمانية لأنها سئمت من الحياة لبلوغها كل ما تصبو إليه كما تدعي. 
– لكنني لم أحرضها على الانتحار يا سيادة القاضي. كنا نتحدث فقط عن.. عن ما بعد الموت، وعبء الحياة.. لقد أرادت أن تكتشف العالم الآخر يا سيادة القاضي.
ً! لم أتوقع أن يزج بي في السجن لأقضي أربعة أعوام. أأخفق محامي الدفاع أم تطرف القاضي (العنصري) في حكمه؟ لا أدري. ليست ثمة جدوى بعد للحفر في الذاكرة. أنا الآن وسط سجناء بأقدار ومآسي مثلي فربما تهون العقوبة معهم….. ينفض الحلم المزعج. 
هذا هو نصفي الآخر يا روجر، امرأة لا تهب إلا أنصاف الحلول. 
( لم يبق سوى خيالك أنت
ينخل قلبا 
بقلب الجدار
يرفض وهنا، 
لذكرى هوانا
كلسان نار
أيا امرأة، تجبل طيني 
تمهر مني
كيانا مصور
لعصر مزور
تهتف
هذا حبيبي
شاد لي كمرآة صدري
جوسقة
أدار لي أزرار الثراء
وأنا
لا أملك نزر نثار من ثراء
وداعا حواء دربي
مللت ببابك طول المثول
مكياج قلبك
فتنة هوجاء أنت
تريد الرجال اكتمالا
وتمنح نصف الحلول) 
لقد أحببتها يا روجر بشكل ما، ربما لأنها مخبولة مثلي.. الآن.. الآن فقط فككت طلاسم لوحتك يا روجر. لا شيء طيها سوى دهاليز مشرعة، رفقة تختزل الزمن الرتيب..
لقد منحتني روعة الرحلة والمثول أمام حرم الجمال.. إذاً، هذه رحلة إيثاكا..
ـــــــــــ
amir.nasir@gmx.de
//////////

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً