كان اسحق قابعاً مع آلاف مؤلفة من اللاجئين السودانيين في ذلك المعسكر الأممي الكائن في دولة تشاد المجاورة والذي فروا إليه على عجل بعد احتدام المعارك العنيفة في اقليم دارفور السوداني بين الإخوة الأعداء!
في ذلك المعسكر التشادي المنسي، الذي يرقد وسط الصحراء القاحلة والذي لا تكف العواصف الرملية عن ممارسة هوايتها المفضلة في صفعه بقسوة على خدوده الجرداء من وقت لآخر، يفقد البشر السودانيون ملامحهم وهوياتهم وأسمائهم ويتحولون إلى أرقام فقط لا غير، كيف يجوز اختزال الإنسان العظيم في رقم جاف؟! لم يستطع إسحق فهم ذلك مطلقاً!
الناس القابعون في قلب ذلك البؤس المقيم ، يتسولون الأمن والغذاء والماء والدواء من ذوي القبعات الزرقاء الذين يتحدثون بلغة لا يفهمها اللاجئون السودانيون ولكن حتى هؤلاء يتسلطون عليهم أحياناً فما أقسى أن يكون ما تحتاجه في يد الغرباء القادمين من وراء البحار!
لشدما سئم اسحق من صراعات الإخوة الأعداء ، لشدما ملّ من سماع أخبار مفاوضاتهم في كل عواصم العالم من أجل تحقيق السلام دون أن تلوح بشائر السلام في ربوع دارفور التي يحبها ولا يعرف سواها ولا يريد غيرها ولا يفهم أحد عمق المأساة الناجمة عن فراقها، الحكومة تتحدث بإسمه ، الحركات المسلحة تتحدث بإسمه ولكن لا أحد يسمع صوته ولا أحد يرى بؤسه الممتد في مجاهل الصحراء التشادية القاحلة التي لا يعرف هل سيخرج منها حياً أم ميتاً!
في الأيام الخوالي ، كان اسحق يعيش مع اسرته الصغيرة في تلك القرية الوادعة التي تنام وتصحو في أحضان جبل مرة ، ذلك الجبل الشامخ المهيب الذي يرتدي دوماً جلباباً من الخضرة الرائعة ويتعمعم بأطول سحابة بيضاء شاهدها في حياته، لشدما كان اسحق يستمتع بالكدح اليومي في مزرعته الصغيرة ، فقد كانت قطعة من الجمال الذي ينتج الخير العميم ، لطالما كان اسحق متشبساً بحقه في البقاء فيها وغرس جذوره في اعماقها الدافئة إلى أن احترق كل شيء دون سابق انذار!
أما اليوم فليس هناك سوى هذا المعسكر الكالح المحاصر بالأسلاك الشائكة والذي يكمن الموت في أطرافه القصية ، أما اليوم فليس هناك سوى هؤلاء البشر المغلوبين على أمرهم والذين تحولوا إلى أشباح صحراوية تسكن في أكواخ البؤس وتعيش على معونات الغرباء الشحيحة المتقطعة ، اللعنة على ظروف الحرب التي تحول البشر المكافحين المنتجين إلى متسولين يفكرون طوال الليل في سؤال واحد هو: هل سنتمكن غداً من تناول الفطور أم لا؟! فمتى متى يتحقق السلام في دارفور؟!!
فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
fsuliman1@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم