مع الأديب والتشكيلي عبدالله الشقليني وراحلة الزمن

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

الزمن المتسارع في حساباته الرسمية ومحطات تقاطعاته العابرة هو مطية هذه الدنيا الزائلة يجمعنا أفرادا أفرادا فيجعلنا جماعة وشعوبا، نتفق أحيانا صحبة ونختلف في أحيان أخرى.
لكن عبر تلك الرحلة الجامعة قد تنسينا في بعض السويعات راحلة الزمن سذاجة تقلب أمزجتنا وهي تسلك بنا الطريق السمح المخضر وحادي القافلة المنسابة في سيرها وحثيثها المتواصل يقرب لنا طول المسافات وبعد الشقة، وعجبا يقول الناس كيف لا نطرب و الحادي الطروب خلال رحلتنا هذه المرة ما هو إلا الأديب والفنان التشكيلي والمهندس المعماري عبدالله الشقليني.
عبدالله، عليه رحمة السماء، كان أيقونة قلم ينبض بالحب والجمال والروح الطيبة وروعة البلاغة في التعبير بإختيار الألوان الجميلة من الكلمات التي بحكم تخصصه كمعماري وكفنان تشكيلي كان يصمم منها الفلل والعمارات الساحرة، والميادين الخضراء، كلها تعجبك وفي عجلة التجوال في ردهاتها من الدهشة يعجز ذهنك عن أي لون يختار وأي وردة باسمة من حدائقها يمكن قطفها ، فكلها روعة وفن وذوق في التصميم وفي الإخراج قلما يجود به الزمن ، عبدالله كان رجلا متصوفا رقيقا تهزه بسمة الطفولة، وهو في الدنيا كانت خلواته في دنياه رحلة تواصل لا يفتر مع أرواح أهل البرزخ. كان يخاطب الناس الذين يحتك بهم في دنياه بعبارات الحب والود والاحترام.
قلمه الفنان الفياض المميز أثرى كثيراً من الصحف والندوات الثقافية خاصة التي كانت تقام في النادي الثقافي في أبوظبي، وعلى منبر الرأي في سودانايل كان دوحة تحت ظلها ترتاح النفوس المتعبة. لا أريد أن أطيل لكن يكفيني من أجمل ما كتب أن أختار هنا ما خطه قلمه الذهبي المجوهر بالتمام عن قصيدتي الشاعرين الكبيرين عالم عباس حفظه الله ورعاه “عبق البقيع” ومحمد المكي إبراهيم رحمه الله “مدينتك الهدى والنور”. نشرتا سابقا هنا علي سودانايل:

( عَبق البقيع ) الشاعر عالم عباس
“إنها فتحٌ في شِعر المديح النبوي
يقولون لا نعرف أنفُسنا ، ولا نعرف شُعراءنا وهم يرتقون المَجد في العلا و إلى القمم . بسلاسة يقودون اللغة وقد استعصت على الأعاجم و المُستعربين والمستشرقين من فخامة قاموسها وفتنة جرسها وهو يراوح جوَّالاً بين الأمصار والأرياف والبوادي والحَضر. جَلَستْ اللغة عندهم وتشكلت بساتينها ، وتقاطر الندى يلعق أكمام وردها .كل الذي تعوّد الناس عليه تجده يجاور الغريب بلا نشاز. غطس الحصى في الرمل وتشققت الحجارة و نَبع الينابيع يصيحُ تَفَجُراً
هُنا السنابل مُذهبة الألوان بقمحها ترقُص من فرحٍ فمنْ يصنعُ لنا اليوم وليمة ؟
دعانا الشاعر ( عالِم عباس ) لرحلة صفاء لفحته نسائمها وهو على راحلة مأمون سرجها ، معروف مآلها . تهتز هيَّ ثم تستقر أنى تشاء . الشهر كان شهر صوم منذ عامٍ مضى . على مزامير الزمن الماضي طرِب النبي داؤود وأطْرَب. في الماضي الوسيط لبِس الشعر لغة الموسيقى وشاحاً وأسفرت المعاني عن الجِيد المُرصع بالنعيم . قيثارة الزمن الماضي طوت الشعر في حضنها، ومن الصدور خرج هو صداحاً من ثِقل أحمال الوجدان ودفق العواطف
في دروب السيرة النبوية وقفات مع الشعر ونحن نقول بخلاف ما يُعْرَف
أبلغ الشِعر أصدقه محبةً
ذاك كعب بن زهير بن أبي سلمى، شققنا صدره وأنطقناه فقال:

عبرتُ الفيافي ورياح سمُوم الصحارى مُتلثِماً لا تعرفني المضارب . تشتمّ الذئاب ريحي فتعوي ،وأنا في غرق إلهامي أفقتُ مُستبشراً عند مجلس العُلا ، حيثُ النبي وأصحابه . طرقتُ وأُذن لي ودخلت مُتلثماً أطلب الأمان فأمِنت. استقبلتني الطلعة النورانية ،ولو كنت رأيتها من قبل لنعُمت بالإسلام دينا ، وبمحمد بهي المراتب خير صحُبة في الدُنا ، وبإشراق محبته نوراً و هادياً . بدأتُ أنشد
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ .. مُتَيّمٌ إثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ
وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إذْ رَحَلُوا .. إلّا أَغَنّ غَضِيضُ الطّرْفِ مَكْحُولُ
هَيْفَاءُ مُقْبِلَةٌ عَجْزَاءُ مُدْبِـرَةٌ .. لَا يُشْتَكَى قِصَرٌ مِنْهَا وَلَا طُولُ
تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذَا ابْتَسَمَتْ .. كَأَنّهُ مَنْهَلٌ بِالرّوْحِ مَعْلُولُ
شُجّتْ بِذِي شَيَمٍ مِنْ مَاءِ مَحْنِيَةٍ .. صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهُوَ مَشْمُولُ
ثم اتكأتُ على مِسند الشِعر حتى دنوت
إنّ الرّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ .. مُهَنّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللّهِ مَسْلُولُ
فِي عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ .. بِبَطْنِ مَكّةَ لَمّا أَسْلَمُوا زُولُوا
زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشَفٌ .. عِنْدَ اللّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ
وما أن بلغت : إن الرسول لنور يستضاءُ به … ، حتى نهضتْ النفس الباهرة من مجلسها ، وخلع النبيُ الأكرم عليَّ بُردته وألبَسَنِيها عفوا وسماحاً، فسُميتْ قصيدتي من ساعتها “البُردة”

للتاريخ رنينٌ يأتيك من حفريات الزمن الماضي . أسفار أبطاله كُتبت بمحبة وأحرُف من نورِ أفعالهم ( عبق البقيع ) : بوح من الطيب يأتيك من مراقد من استحلبوا الحليب من ضُروع العُسرة . نصروا الرسالة فخَلُدتْ وأغدق ربُهم على أرواحهم المنَّ والسلوى
جاء الشاعر ( عالم عباس ) و مشت عينيه فسيح المكان بأرض البقيع . ومن عَبقه سرى وجدانه بقشعريرة أنبتت لطائفها شِعراً . طرق المصطفى باب محبته الواجِدة ومن سُحبه المُكتَنـِزة أمطر. فكَّت خاطرة الشِعر ضفائرها عند مجلسه وتبخترت لُغة باهرة في المديح النبوي هزت عُروش ممالك الشِعر القديم وفاحت رياحينها. و بُردة النبي ، ومن عبق مِسك صاحبها الأصيل تمايلت أعطافها نشوى حين كتب الشاعر

“عبق البقيع”
مِنْ نحْوِ طابَةَ كُلُّ الريحِ ريحُ صَبَا
.. وكلُّ نَشْرِِ خُزاماهَا زَهَا و رَبَا
و رَفّ في الضوءِ مِنْ عطرٍ يَضُوعُ بِهِ
.. عِطْراً مضيئاً كَأنْفاس الرُّبَى رَطِبَا
كُلُّ النواضِرِ منْ زهرائِها انْكَسفَتْ
.. كل البدور توارَى نورُهَا و خََبا
فذا العقيقُ عقيقٌ من سَنَا شُهُبٍ
.. منْ مَِّنةِ الله، قدْ أعْطى وقد وهبا
فالتُّرْبُ مِْسكٌ ومن عَبَقِِ البَّقيعِ نَدَىً
.. و النخلُ يَرْشَحُ طِيباً من أريجِ قُبَا
سما بروحيَ مِنْ ريحانها سببٌ
.. إلى المعارج لَمَّا عَزَّ مُنْسَرَبَا
هنا الأرضُ من نفحاتِ الله عابقةٌ
.. هنا السماواتُ قَدْ مَدَّتْ لنا طُنُبَا
تسري السكينةُ في أوصالنا بَرَدا
.. ويخفقُ القلبُ من جّرائِها خَبَبَا
……………………………….
أو حين يقول
صَلّى عليكَ إلَهِي قَدْرَ ما وسِعْت
.. آيُ الكتابِ معانٍ أثْقَلَتْ كُتُبَا
يا ربِّ صَلِّ على المحبوبِ سيِّدِنَا
.. كما تكونُ صلاة، غَيْدَقَاً سَكِبَا
سَحّاً سَكُوباً، دوَاماً دُلَّحَاً غَدِقَاً
.. غَيْثَاً غِيَاثَاً، مديداً، دَيْمَةً سُحُبَا
للقلب أن يطرُق الأضلُعِ من فرحٍ فهُنالكَ من ضاقت نفسه وما وسعتها رغوة كؤوس الصفاء وقد طفحت شعراً ، عميقة جذوره في بطون الأمم . لله درُك أيها الشاعر الذي رقصت أنجُمه مُتلألئة في سماء العتمة وهو المُتيمُ جالس في طيب الثرى ، نَحَرَ الفؤادَ فَعَظُمتْ الذبائح في بهو البقيع الذي تَعرُشه السماء وتَفرُش بساطه الأرض ، وإنك لنازعتَ كعباً بُردته”
عبدالله الشقليني
17/05/2007 م

الشاعر محمد المكي إبراهيم
“مدينتك الهدى والنور
نَعلمُ أن الشُعراء ينحتون من اللُجَين أحرُفَ نور . فمن بين ثنايا الثياب البيض و أحزِمة المآزر ، خَرجتْ اللغة العاشقة . تجولت الأمكنة ولفحتها روائح عَبقَتْ من موائد التُراث ومصابيح المحبة
إن واحة ” الأُبيِّض ” ونخيل ” إسماعيل الولي ” أسقطت رُطباً من بعد انتظار . صبَّت المحبة المتسربلة بحرير القُرون رحيقها في البُرهة عسلاً. خرجت القصيدة خُروج الفجر الصادق إلى الصباح المُشرقِ وغطتنا البشائر
غَالَب الشاعر ” محمد المكي إبراهيم ” شوقاً اندلق من جرار العِشق . اضطربت الأفلاك من شعاع اللغة وعجائب مُفرداتها تتراقص على الورق المكتوب فَرِحة على ألسُن القُراء . خرجت الفتنة الشعرية من وادي عبقر ، تُجرجر هزيمة شياطينه . ففي كل عنقود يُطلُ ناهضاً ، تُزهر نبتة ملائكية الرَضاع . تنزل الأنوار السماوية على عجل تتساءل عن عاشق نبتَ من بُستان التاريخ ، أورقَ هندسةًً في الوراثة الشعرية ، زَهرها خطَّاف ألوان . روائحها من عَبق البقيع حيثُ مراقد الهناء التي لن يقوم أصحابها إلا وعليهم سندس خضر وإستبرق ، مُتكئون على أرائك الجنان الموعودة بإذن مولاهم
ما انفصم الشعر عن وحي الإلهام ، بل اختمرت فيه تجربة حياة . ظلت في كهفها مُعتكفةً قروناً تتلو آي الذكر بموسيقاها القُرآنية حتى خرجت من لَدُن شاعرنا كاملة الجَّلال والدَّلال : ـ

محمد المكي إبراهيم لندن 1983
من ديوان يختبئ البستان في الوردة

مدينتك الهُدى والنور
مدينتك القباب
ودمعة التقوى ووجه النور
وتسبيح الملائك في ذؤابات النخيل
وفي الحصى المنثور
مدينتك الحقيقة والسلام
على السجوف حمامة
وعلى الرُبى عصفور.
مدينتك الحديقة يا رسول الله
كل حدائق الدنيا أقل وسامة وحضور
هنالك للهواء أريجه النبوي
موصولاً بأنفاس السماء وكأسها الكافور
هنالك للثرى طيبٌ
بدمع العاشقين ولؤلؤٌ منثور
هنالك للضحى حجلٌ بأسوار البقيع
وخفةٌ وحبور
هنالك للصلاة رياضها الفيحاء
والقرآن فجرياً
تضيء به لهىً وصدور
بساعات الإجابة تحفل الدنيا
وأنهار الدعاء تمور.
سلام الله يا أنحاء يثرب
يا قصيدة حبنا العصماء
سلام الله يا أبوابها
وبيتها ونخلها اللَّفـاء
سلاما يا مآذنها وفوج حمامها البكَّاء،
ويا جبل الشهادة والبقيع سلام”
عبدالله الشقليني

هذه آخر رسالة وصلتني من عنده ثم انقطع، كانت كأنها وداعا لي و ما كنا نعلم سبب الغياب حتى رثاء شقيقه له السفير الموقر جمال يوم أمس على سودانايل

“أخي الأكرم
د.عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
طيبة لك وود كثير
ما أجمل هذه الدُنيا رغم العُسرة ، أن تجعل بيننا وصالٌ ليس منه بُد
ونأمل أن نكون بمثل ما يودُ المُحبين أن يكونوا لبعضهم
امتدت الدٌنيا فسيحة تناثر فيها الطيبون من البشر على رقعتها
وجاءت السماوات الدُنيا تُقربنا من بعضنا . لك من الشكر أجزله ، وليتنا نكون كما تودُ
أخوك عبد الله الشقليني”

رحمة الله عليك العزيز عبدالله الشقليني، ربنا يغفر لك ويرحمك ويسكنك الفردوس الأعلى وأنت خال من الذنوب، نقيا كما ينظف الثوب الأبيض من الدنس. العزاء لأسرتك وشقيقك السيد السفير جمال محمد إبراهيم ولأصدقاء قلمك كلهم
عبدالمنعم

©Alarabi AA & Sudanile

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

أجمل الأيام – هل ستعودين؟

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي أجمل الأيام كانت تلك التي عشناها بقلوب خفيفة، حيث كانت …