مع د. عبدالعزيز نور عشر، مستشار قانوني في حركة العدل والمساواة

مع د. عبدالعزيز نور عشر، مستشار قانوني في حركة العدل والمساواة
مقابلة “السودان بودكاست “
د.طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
https://youtu.be/1GC22vFssWc?si=qNUDdU_7dLQ-p05w
شدتني هذه المقابلة التى صادفتني اليوم على اليوتيوب
لماذا؟ لأن فيه شبه شديد لأحد زملائي الأطباء وثانياً كان يحكي مجسداً المعاناة المُرَّة التي عانى منها أثناء طفولته التي كان المفروض يجد عكسها من راحات في الخدمات الإجتماعية و فرصة التعليم في مناخ مناسب . يعزى ذلك لغياب الوعي الحكومي و حقيقة تقصيرها بواجبها تجاه كل شبر من أرض الوطن وتجاه كل فرد يولد يتنفس الهواء، يجب أن يتعلم يأكل ويشرب ويجد العلاج وفرص العمل الشريف ليعيش. لكنه ترعرع و كبر وتعلم و مثل سودانيين كثيرين لم يسلم من دخول السجن طيلة عشرة سنوات من زهرة شبابه التي لا تقدر بثمن، لكنه رغم ذلك أكمل دراسة القانون ثم الدكتوراة.
تذكرت ساعتها صديقي وزميلي الدكتور النيجريي “الفولاني” الذي كنت قد كتبت عن تجربة معاناته في طفولته ومراحل دراسته إلي أن حظي بدخول الجامعة واليوم من مجتمع الأبالة الذي كان فيه متنقلاً في صحارى نيجريا صار يقطن في أجمل مدن إنجلترا الساحرة الساحلية يعالج البيض والسود ، الصفر والخضر ، لا فرق فصارت تلك المعاناة فقط ذكريات سنين عفى عليها الزمن
. لا فرق كبير هنا يذكر بمقارنة معاناة زميلي الفولاني وما قد عاناه الدكتور نور عشر وكثيرون غيره من أبناء الهامش السوداني أثناء مراحل الدراسة خاصة في طفولتهم لكن مع صبرهم قد أكملوا دراستهم وصار لهم شأن عظيم. معظم الشباب السوادانيين في الشمال والشرق والغرب والجنوب قد عانوا مثل ” الدكتور نور عشر” أثناء مراحل التعليم الأولي والمتوسط و هنا أقصد خلال مرحلة ما بعد الإستقلال من الإستعمار الإنجليزي عام ١٩٥٦. كلناعانينا أثناء طفولتنا، سرنا على الأقدام إلي مدارسنا الأولية وركبنا الحمير حتى تحول الموقف بظهور الدراجات والسيارات في المدن وإخوتي الذين يكبرونني وشباب المدينة قد دخلوا الحقول قبلنا وساعدوا أهلهم وكان ذلك هو حال كل التلاميذ والمجتمع السوداني قاطبة. المحترم بروفيسور زكريا إمام أستاذ جامعي داخل السودان وفي المملكة السعودية متخصصاً في علم الفلسفة وله مؤلفات كثيرة باللغتين العربية والإنجليزية ، رجل ذو خلق وطيبة وتواضع جم، كلمني معجباً به المهندس عثمان العوض خليفة أطال الله في عمره بأنه شاهد له حلقات مقابلة تليفزيونية (لعله برنامج أسماء في حياتنا) قال لي كنت أحرص على متابعتها لأن المتعة سببها طريقة سرده الممتع و صدقه في ذكر تفصيل دقيقة عن مراحل حياته خاصة عندما كان تلميذا في مدينته بربر ، وكيف كانت المعاناة المادية التي كانت تجبر الأسر ذاك الزمن والتلاميذ ليتعاونون سويا في كل ما هو ممكن من عمل شريف يعود بدخل يساعد في تحقيق متطلبات الحياة اليومية. ذكر أنه قال أن والدتهم كانت تصنع “الطباقة” وكان هو يحملها ويعرضها للبيع عند وقوف القاطرات العابرة على خط سكة حديد محطة بربر. شجاعة البروفيسور في عرض هذا الجزء من سيرته لم تقلل من قيمته ومكانته العلمية المميزة ، بل في نظري قد رفعته فوق مستوى البروفيسورية التي يتهافت على الحصول عليها كل من هب ودب في زمننا هذا ، زمن الغفلة، وإن كان بعضهم لا يستحقها. الواقع أقول إن التهميش ليس كان محصورا فقط على مناطق دارفور والجنوب ذاتها بل هو حتى يومنا هذا مشكلة متجذرة تعم كل بقاع السودان ، أسبابها فشل الأنظمة الحاكمة المتعاقبة عبر السنين المتمثل فى حكم الأحزاب (بداية من حكومة الأزهري والصادق المهدي وهلم جرا حكومات الأحزاب المتعاقبة إلي يومنا هذا) وكذلك حكومات الأنظمة العسكرية والعقدية الشمولية القابضة على مفاتيح السلطة عقودا متتالية من الزمن المر، أرهقت البلاد فانتهت منها بالموت البطيء من غير محاسبة قانونية أو مجتمعية. فانهيار الإقتصاد نتيجة الصرف البذخي و غياب عجلة التنمية المستدامة الراشدة في كل أبجديات النهوض بالبنية التحتية وموارد الطاقة المتجددة والزراعية والحيوانية من انتاج و صناعة وتصدير وكذلك الإهتمام بالتعليم المجاني حتى الجامعة لكل فرد والصحة والرعاية الطبية والإجتماعية لكل فرد بالمجان و كذلك فشل الإهتمام بتنمية الأرياف وربط السودان كله بشبكات طرق سريعة متطورة واسعة الانتشار حسب المعايير العالمية لتربط كل أقاليم السودان خاصة مناطق الإنتاج والتي بدورها ستساهم في تسهيل عملية توزيع الإنتاج بأنواعه ليس محليا فحسب بل حتي للتصدير ليشمل كل أقطار العالم. اتعجب ونحن لدينا الأنهار والأمطار الغزيرة عندما أجد في أسواق أوربا وأميريكا “خاصة في فصل الشتاء “الفواكه العنب والمانجو “والخضروات المصرية بما فيها حتى البصل الأخضر والبامية والملوخية في متناول اليد وبكميات مهولة تعم كل المدن ، إنه شيء رائع ومذهل . أما الملابس القطنية الفاخرة في الأسواق الأوروبية فأسعارها فلكية ، لماذا لإنها كما هو مكتوب عليها “صنعت من قطن مصري نخب أول” . أين موقع القطن السوداني اليوم عالمياً الذي كان في ستينيات القرن الماضي يغذي محالج القطن في لانكشير ببريطانيا وسويسرا؟. حسب علمي أنه و إن قل قد صار يصدر إلي مصر لعدم وجود محالج في السودان. لماذا؟. ماذا حدث للمحالج التي كانت تضج ماكيناتها شامخة في سموات الجزيرة؟. السبب هو فشل الأنظمة بكل أنواعها وفشل “الفرد المواطن” نفسه أولاً نتيجة الكسل والاتكالية على من يتمكن من أعانته من أفراد أسرته وثانياً لأن الكثير قد تبرأ من أن للوطن عليه حقوق فصار همه مصلحته الشخصية (على سبيل المثال ، كثيرون كانوا مبتعثين للدراسات العليا في الجامعات الأوروبية والأمريكية على حساب دافعي الضرائب السودانيين ، لم يعودوا إلى السودان بعد نيلهم الدكتوراة وغيرها بل نسوا حساب الله فذهبوا إلى دول الخليج مباشرة ) وهكذا عم الفساد في الآفاق والنتيجة للأسف الشديد هي غضب من الله قد حل بنا وما نعانيه اليوم هو عقاب الله الذي لا يحتاج إلى جدل لأن الأمة قد فسدت فسادا عايشناه في كل ما يخص تسيير المعاملات في دواوين الدولة وتنفيذ الخدمات العامة التي يُنْتظَر أن تكون إما بالمجان أو بعد دفع رسوم معقولة تصدر نتيجة الدراسات البحثية والقانونية ، أما الذين يسمون بالعلماء الدينيين فقد فسد بعضهم طالما فتاويهم عيانا بيانا صارت تساعد في تأصيل واستمرار الفساد بدلاً من قطعه بسيف بتار.
السودان يحتاج إلي إصلاح جذري شامل في كل شيء ، وقبل كل شيء وفي المقام الأول المهم هو إصلاح الفرد، فعلى كل شخص أن يحاسب نفسه ويصلحها، أن يتوب إلى ربه، أن يرد كل ما قد دخل عليه عن قصد أو خطأ من مال أو قطعة أرض خارجة عن التخطيط الأصلي إلي القضاء والبوليس. نعلم آن هناك ميادينا في المدن والعواصم بدلا إن تكون متنفسا لسكان الأحياء تغولت عليها أيد مجرمة ومنحتها لمن لا يستحق وتم تشييد مساكن لهم في وضع أبداً لا يليق حسب مواصفات التخطيط العمراني السليم لمدن ينتظر منها أن تنمو وتتحضر لتنافس المستويات العالمية.. مثلاً الذي يتجول في حي كافوري بالخرطوم بحري سيرى العجب من الفوضى التي حدثت في توزيع الأراضى خاصة في المربعات ثمانية وتسعة وإحدى عشر ، ميادين إستبيحت فبيعت وشوارع أغلقت ومستوي الحي عموما صار لا يليق بما كان قد خطط له عام ١٩٨٤ عندما طرح مشروع الإسكان الجديد ليكون للمهنيين في ذلك الحي الذي كان وقتها زراعيا. كان التخطيط يشمل شوارع إنسيابية، مساحات خضراء ، منتزهات وميادين وملاعب للأطفال …. إلخ، أين هي اليوم؟. من هو المسؤول من خراب تخطيط حي كافوري وبيع ميادينها؟.
خلاصة القول أقاليم السودان كلها مهمشة، والحرب الماثلة أكملت التهميش والشعب جله لم ير نعيم الدنيا وربما لن يراه “رحمة الله على عبدالعزيز محمد داود “.

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

أجمل الأيام – هل ستعودين؟

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي أجمل الأيام كانت تلك التي عشناها بقلوب خفيفة، حيث كانت …