مفاصل إخفاق المعارضة .. بقلم: عمر العمر

aloomar@gmail.com
مع الاعتراف بدور القيادات الكارزماتية في تحريك وإلهام الشارع السياسي إلا أن عزو قعود المعارضة السودانية إلى غياب مثل هذه القيادات وشيخوخة بعضها تسطيح للمسألة يزيدها قعوداً. نظرة خاطفة إلى حيث تهب رياح العربي تكشف حراكاً شعبياً بلا قيادات تاريخية أو كارزماتية.
في تونس استبق الشارع كل القيادات التقليدية. في مصر صعد إلى واجهة الجماهير شباب خرجوا من المجهول. النضال السياسي المسلح في ليبيا لايزال في حالة مخاض جمعي. الغليان الشعبي السوري لم يبلور بعد قيادة موحدة. الصراع المحموم في اليمن يشتمل في أحد جوانبه على خلافات بين شباب الثورة والمعارضة التقليدية
هناك ما يستدعي إعمال النظر على نحو أعمق في المشهد السياسي المحلي للقبض على مفاصل القعود في الحراك الجماهيري المناوئ للنظام. لا أحد يبرئ الأحزاب من الأخطاء كما لا أحد يضع القيادات السياسية فوق النقد غير أن الاكتفاء برجم الأحزاب وقادتها يصب في مصلحة النظام ولا يفيد المعارضة. هذه ممارسة أشبه بالتلهي والخمول الفكري.
المشهد السياسي السوداني يبدو في مجمله صورة مماثلة لما هو عليه في تونس، مصر أو سوريا. نظام شمولي ومعارضة ديمقراطية. غير أن مشهدنا أكثر تعقيداً. مع أن لنا تجربتين في هدم الأنظمة الشمولية إلا أننا لم نعد نملك مقومات إعادة التجربة الثالثة. ما لم تتلمس النظرة العميقة أسباب إخفاق هذا الرهان لن ننجح في إشعال فتيل الثورة.
هذه النظرة التقليدية حبست الأماني في استبدال النظام بينما كان الشعب ولايزال يواجه مهمة الحفاظ على وطن موحد من مخاطر التشطير المحدقة.
هي النظرة نفسها التي جعلت رهان التغيير معلقاً على خيول نراها عاجزة، وأطر سياسية نراها مفتتة. هذه النظرة لم تتحدث كثيراً عن التغييرات التي طرأت على بؤر ومنابر الحراك حد الموات والغياب. النظام مارس تفريغاً ممنهجاً للحركة النقابية بشكلها العام، والطلابية من موروثها النضالي. الخرطوم وهي بؤرة الاشعاع السياسي تتعرض إلى تغيير ديموغرافي رهيب في ظل الهجرات الناجمة عن دوافع متباينة من الريف. الخرطوم لم تتعرض للترييف بل وجدت من يدافع بحماس عن مظاهر عبر أقنية بث التحديث والتحضر (!) من ذلك الدفاع عن بائعات الشاي حيث تبدو الخرطوم على مواقدهن محطة خلوية.
النظام نسج أحد أشكال الكميردور المحلي والاجتماعي حيث تشابكت مصالح شريحة مهيمنة بين السلطة والسوق فلم يعد من اليسير الفرز بين التاجر والمسؤول، بين الإدارة الحكومية والشركة. هذه الشريحة ربما تكون ضيقة في الهرم الاجتماعي لكنها عريضة في القطاع الفاعل والمؤثر. هي الشريحة نفسها التي جنت ثمار مرحلة السلام كما استثمرت زمن الحرب. داخل هذه الشريحة عناصر تربت وتفتحت في عهد مايو وعثرت على مناح ملائم لتطلعاتها في الانقاذ. في المقابل تعرضت شريحة عريضة من النخبة الوطنية إلى التشريد والمطاردة فهجرت الوطن بعد الرجوع إلى الوطن.
رغم تعرضها لضربات قاصمة ظلت القوى المعارضة منشغلة بقضية السلام والوحدة الوطنية. مع أنها توصلت إلى رؤية في المنفى تربط قصة الوحدة بالمسألة الديمقراطية إلا أنها لم تنجح في الحفاظ على تماسكها لمواصلة تحقيق هذه الرؤية.
الواقع، نحن أمام مهمة تغيير سياسي لا يطال السلطة فقط بل أحداث ثورة اجتماعية شاملة تنطوي على تغييرات راديكالية. السير على هذا الطريق يجعل الاصطدام بقوى النظام الحالي أمراً حتمياً. بدون الأخذ في الاعتبار إنجاز هذه المهمة فإن أي محاولة للتغيير السياسي تصبح عملاً عشوائياً منقوصاً.
هناك تشوهات اجتماعية على نطاق واسع أخطرها تلك التي تلتبس مسوغات دينية. أي عمل يستهدف البنية السياسية الفوقية لن يحدث مثل التحول المطلوب.
صحيح أن الثورات العربية الحالية لم تبلور دليلاً عملياً جامعاً لكن الصحيح في الوقت نفسه أن الشباب الذين يشكلون طليعة هذه الثورات مؤمنون بأحداث تغييرات جذرية في المشهد الوطني لدى كل شعب.
الشعب لا يواجه فقط حالة نظام شمولي بل تحت هذه المظلة يوجد ركام من السلبيات، بينها تراجع معدلات النمو والركود الاقتصادي وتدني معدلات الانتاج وعلل في أجهزة الدولة وفساد في الإدارة وقصور في التخطيط وتخلف في العملية التعليمية وتكدس البطالة وتفشي البطالة المقنعة وغياب الرقابة الشعبية وانخفاض مستوى الحياة المعيشة وضمور في الخدمات بما في ذلك الصحة والتطبيب. ألا يكفي هذا لتوصيف ما يحدث بأنه أزمة حقيقية؟
من الطبيعي انعكاس هذه الاختلالات الفادحة على الهياكل الحزبية التنظيمية الرازحة بدورها تحت طائلة أشكال التضييق وهي خارجة لتوها من أعباء التشريد والمصادرة والمطاردة عقوداً متراكبة قدمت خلالها تضحيات سخية وتعرضت لخسائر باهظة.
في الربيع العربي يلوح في الأفق أدوار لأشكال من منظمات المجتمع المدني بادرت أو ساهمت في تحريك الجماهير. بدلاً من لعن القوى السياسية ومواصلة رجم قياداتها بالنقد أحياناً وبالشيخوخة أحايين يجب التركيز على نفخ الروح في مثل هذه المنظمات للحاق برياح التغيير من حولنا. متجرداً من الانحياز أستطيع القول بأمانة أن القطاع الصحافي ينهض بدور بارز في تثبيت ما سمي بالهامش الديمقراطي وأنه ينهض بمسؤولية في إحداث التحول الديمقراطي المنشود.
الإصلاح يبدأ من معالجة مفاصل الإخفاق في التجربة السياسية وليس من ضرب الواجهات التاريخية. تلك ممارسة تفضي إلى هز دعائم الثقة في أحزاب وقيادات جديرة بالتقدير إن لم يكن استناداً إلى رصيدها التاريخي. والنظرة النقدية العميقة من منطلق الأدب الموروث والوفاء لشهداء ينتمون لتلك الفصائل.

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

السودان وإيران في مرايا التاريخ

بقلم عمر العمرنقلا عن العربي الجديدaloomar@gmail.com في مرايا التاريخ كثيرٌ من المشاهد ذات الملامح المتشابهة …

اترك تعليقاً