مفاوضات أديس أبابا.. وتكتيكات الحركة الشعبية .. بقلم: إمام محمد إمام
9 ديسمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
32 زيارة
لم يراهن أحد علی أن المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية – قطاع الشمال – في الجولة التاسعة التي انفض سامرها أول من أمس (الاثنين)، في أديس أبابا دون الوصول إلى نتائج تُحدث مقاربةً في مواقفهما في القضايا الخلافية بينهما، بِدءاً من الاتفاق علی أجندات التفاوض وانتهاءً بالأهداف المتباعدة بين الطرفين، وأن كليهما يسعى إلى إحراز نقاط تجر به من هدفه المنشود، ولكن تكتيكات كل واحد منهما تُبعد الطرف الآخر من إحداث مقاربة لتحقيق الإستراتيجية التي ينتظر أهل المنطقتين في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، ومعهما الكثير من أفراد الشعب السوداني، وصولها إليها، ألا وهي السلام، تمهيداً لإحداث قدرٍ كبيرٍ من الاستقرار في تلك المنطقتين ومن ثم السودان كافة.
وأحسبُ أن انهيار المفاوضات لم يعد يُثير اهتمام الرأي العام، فلا غَرْوَ أنه لم يعد يتصدر منشتات الصحف وعناوين الأخبار في الوسائط الصحافية والإعلامية الأخرى، لأنه لم يعد خبراً يحمل في طياته الدهشة والإثارة، ولا المفاجآت الغريبة، ولكن ياسر سعيد عرمان رئيس وفد الحركة الشعبية – قطاع الشمال – استشعر أن مفاوضات أديس أبابا في حاجة إلى بعض الإثارة، وكثيرٍ من الدهشة، لتكون في دائرة اهتمام الرأي العام، وهو لا يرمي إلى إثارة الرأي العام المحلي، ولكنه يهدف بأساليبه الجديدة إلى تحقيق مستجداتٍ مثيرةٍ لا سيما في الغرب، بدعوةٍ فيها قدرٌ غير منظورٍ من الجرأة والحماية، إلا أنها ستجد صدًی في دوائر اهتمام الدول الغربية، لأنه يعلم علم اليقين القضايا الكبرى التي يجب أن تُثار بأسلوبٍ يُثير الجدل في بعض الدوائر، والحق وغيره في دوائر أُخر، ومن شدة غير هذه الدوائر تستبعد حدوث ما تنكر. وعرمان يعلم علم اليقين أن انفصال الجنوب عبر اتفاقية نيفاشا لم يكن حلماً يُراود كثيراً من الجنوبيين، بينما كان الشماليون يعتبرون انفصال الجنوب من رابع المستحيلات، خاصةً بعد مجيء الإنقاذ واستشهاد شباب الحركة الإسلامية في الجنوب، والاستنصار بالجهاد والتقرب إلى الله تعالى بالشهادة، وسيادة شعارات الجهاد، وأحلام مآلات الشهادة، قبل أن يتكاثر علی الإنقاذ جماعة ما بعد الفتح. ولم ينسَ ياسر سعيد عرمان أن نيفاشا كانت فكرة في مراكز الأبحاث الأميركية، وشعاراً أُطلق في إطار معالجات الصراع الدموي بين الشماليين والجنوبيين، فكان ذلكم الشعار المطروح “دولة واحدة بنظامين”، فكان إنزال هذا الشعار إلى أرض الواقع في عام 2005 عبر اتفاقية نيفاشا، كان ذلك التكتيك. أما الإستراتيجية فكانت تحقيق شعار الانتقال من دولة واحدة بنظامين تدليس إلى دولتين منفصلتين حقيقة، وتحقق هذه الإستراتيجية التي كان يراها الكثير من السودانيين بعيدة المنال، ويراها خبراء المراكز البحثية الأميركية حقيقة ماثلة للعيان، وبالفعل بعد ست سنوات تحقق انفصال الجنوب في التاسع من يوليو 2011.
أكبرُ الظنِّ عندي، أن الأخ ياسر سعيد عرمان رئيس وفد الحركة الشعبية في مفاوضات المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق)، بعد أن لاحظ أن انهيار المفاوضات لم يعد يشكل هماً وخبراً تتزاحم عليه الوسائط الصحافية والإعلامية، ولم يعد يُثير اهتمام الرأي العام الغربي الرسمي وغير الرسمي، بدأ في أساليب جديدة تُثير جدلاً في الدوائر الغربية، وحنقاً وغيظاً وغضباً في الدوائر السودانية عقب الانفضاض أو انهيار الجولتين السابعة والتاسعة، ففي الأولی خرج علينا بفكرة منح المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) الحكم الذاتي، ولكي يكسب تأييداً من الغرب ويُشكل مضاغطةً جديدةً علی النظام، دعا إلى الحكم الذاتي للمنطقتين دون غيرهما، بحُجة أنها تجد صدًی في أفئدة وعقول الدوائر الغربية والرسمية، وهي أن غالبية سكان المنطقتين من المسيحيين. والمعلوم أن هذه الحُجة واهية كبيت العنكبوت، إذ أن الحقيقة أن مواطني تلك المنطقتين غالبيتهم مسلمون، وهذا مؤكد في الإحصاءات الرسمية، ولكنه أراد حجاجاً يُعرض به مقترحاً ولوحةً واهيةً، كتلك التي ساقها ليسود الحكم الذاتي بولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وبالفعل أحدث مقترحه هذا ضجة كبری، جعلت انهيار المفاوضات وما دار فيها شيئاً ثانوياً، بينما هذا المقترح الذي أصدره في تصريحات صحافية بُعيد انفضاض سامر مفاوضات الجولة السابعة في أديس أبابا، هو حديث الناس وشمل الدوائر الغربية تفكيراً وتخطيطاً.
أخلصُ إلى أن عرمان أراد أن تكون مخرجات الجولة التاسعة، بعيداً عن أجندتها المتوقعة وإثارة مطالبة حركته المتجددة في كل المفاوضات، أن تكون الأجندات شاملةً لكافة القضايا، بينما تصر الحكومة علی حصر أجندة المفاوضات في قضايا المنطقتين، خاصةً الترتيبات الأمنية المتعلقة بوقف شامل لإطلاق النار، والترتيبات الإنسانية، ولكن الحركة الشعبية تتمترس وراء الزج بأجندة خارجة عن مسار التفاوض. وسنواصل الحديث حول هذه القضية غداً إن شاء الله تعالى.
ولنستذكر في هذا الخصوص قول الله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”.
وقول أمير الشعراء، أحمد بك شوقي:
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ يَدٌ سَلـَفَت وَدَيـنٌ مُستَحِقُّ
وَمَن يَسقي وَيَشرَبُ بِالمَنايا إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا
وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِـقُّ
=====