مقاربة إعلامية بين برنامجي “دنيا” بتلفزيون السودان و”عِمران” على التلفزيون القطري

د. خالد محمد عبد القادر البلولة: إعلامي وباحث في الاتصال والإعلام
مقدمة: تمثل البرامج الوثائقية ذات الطابع الإنساني والاجتماعي قالبًا برامجيًّا من البرامج التلفزيونية لإبراز النماذج الملهمة، وتوثيق الحياة الإنسانية اليومية للمواطنين العاديين، ومن هذه البرامج يأتي برنامج (دنيا) الذي بث في تلفزيون السودان(2008-2012) وبرنامج (عِمران) الذي يعرض على شاشة التلفزيون القطري ومنصات الجزيرة 360 كمثالين مميزين، يعكسان خصوصية الهوية المحلية والاهتمام بقصص الإنسان في مجتمعه. وتأتي هذه المقالة في إطار مقاربة إعلامية وصفية تحليلية تقارن بين البرنامجين من حيث النشأة والفكرة والبناء الهيكلي والرؤية الفنية والجمهور المستهدف.
الفكرة والتكوين: جاءت فكرة برنامج عُمران من تجربة شخصية للإعلامي سوار الذهب علي محمد خلال عمله التطوعي في السودان، كما رواها في مقابلة مع أحمد طه على الجزيرة مباشر بتاريخ 2 مارس 2025. يقول سوار إن الشرارة الأولى كانت من مشهد مؤثر لطفل مشرّد يُدعى آدم،وجده يجمع الخبز من مكبّات القمامة ليضعه في الماء ويقدمه للطير، رغم جوعه، قائلاً:(هذا رزق جاء به الله لإطعام الطير) وأضاف: الإنسان الجائع هو من يشعر بآلام الآخرين. من هذه القصة الإنسانية انطلقت فكرة البرنامج، الذي بدأ من شمال سوريا ثم غزة، فالقدس،اليمن، وأخيرًا السودان حيث وُلدت فكرته. البرنامج يُنتَج بإشراف كامل من الإعلامي سوار الذهب، وتعرضه قناة تلفزيون قطر ومنصات الجزيرة 360.(1)
أما برنامج “دنيا” انطلق بثه على شاشة تلفزيون السودان في الفترة ما بين عامي 2008 و2012، مقدِّمًا تصورًا برامجيًا يعكس التميّز السوداني ويحتفي ببطولات الإنسان العادي.و شكّل البرنامج توثيقًا بصريًا لتجارب سودانية إنسانية، ثقافية واجتماعية، من خلال فقرات متنوعة، من بينها:(حكاية زول) و(حكاية مثل)، و(الدرس الأول)،و (بيادر) و(الكاميرا للجميع)،و(الحياة أجمل)التي تسلط الضوء على قصص ذوي الهمم والمعمرين، مثل العم يس محمد علي الذي تجاوز المائة من العمر.ويعتمد البرنامج على قالب المجلة التلفزيونية متعددة الفقرات، ويقدَّم بأسلوب بسيط ومعبر يعزّز مصداقيته لدى المشاهد. (2)
نماذج عربية ملهمة رغم المعاناة:
عُمران برنامج إنساني اجتماعي يؤمن مقدمه سوار الذهب وفريقه أن العمران الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان وإعمار عقله ونفسه. يجوب البرنامج مختلف الأوطان باحثًا عن قصص وقضايا تُسهم في إعمار الإنسان والمجتمع، مع التركيز على النماذج الملهمة القريبة من الواقع العربي في مصر وسوريا واليمن والسودان. يسلط الضوء على القيم الإنسانية مثل الرحمة والكرامة،.
نموذج من برنامج عمران:
في واحدة من أعمق الحلقات الإنسانية لبرنامج عُمران، التقى سوار الذهب في الحلقة (13) بسيدة نازحة من مدينة سنجة بولاية سنار،روت قصتها المؤثرة بعد فقدان اثنتين من بناتها وتحملها مسؤولية رعاية أحفادها وسط ظروف الحرب القاسية. ورغم المأساة، عبّرت السيدة عن إيمانها العميق ورضاها بقضاء الله، قائلة: “كيف لا أرضى وربنا كتب الذي حدث؟” شاركت رؤيا رأتها قبل الفجر،رأت فيها جمعًا من أحباب النبي صل الله عليه وسلم ورجلاً أشار لها نحو القبلة، فشاهدت برقًا ساطعًا أبهَر عينيها.كانت السيدة توزع البليلة كل جمعة قبل النزوح، وتحملها في سطل، وتذهب بها إلى المسجد كصدقة ولم تنقطع هذه العادة إلا بعد النزوح، ومنذ أن توقفت شعرت نفسيًا بتعب شديد.أصبحت تشتري تمرًا بما يتيسر لها (500 جنيه) وتوزعه على الأطفال.تأملت في واقع النزوح قائلة: تعلمنا الكثير من هذه المحنة، عرفنا قيمة النعم، واحتياج الأطفال للطعام، وبعض البيوت تنام بلا عشاء.واختتمت حديثها:علمتنا الحرب كل شيء.
الوجه الأخر للحكاية: كشفت هذه القصة عن الوجه الأسمى للروح البشرية حين تُختبر بالمحن ؛فالسيدة النازحة لم تقف عند ألم فقد ابنتيها،بل تجاوزته بالعطاء رغم قلّة ما تملك.مثّلت بصبرها وإيمانها صوت آلاف المنسيين الذين لم يفقدوا يقينهم بالله ولا قدرتهم على الإيثار، ورغم معاناتها، لم تبخل بما تستطيع، ووجدت في مواساة الجياع عزاءً لنفسها. تسلط الحكاية الضوء على قسوة النزوح، وفي ذات الوقت تضيء جانبًا آخر من الإنسانية،
أما برنامج دنيا يهدف إلى رصد ملامح الحياة السودانية الواقعية، مستعرضًا من خلالها دروسًا وقيمًا نابعة من تفاصيل المجتمع اليومي، ويسعى أيضًا لإحياء فكرة البطل الشعبي الذي لا تلتقطه عادةً كاميرات التلفزيون لكنه حاضر في ذاكرة الناس وسيرتهم. وصف البروفيسور سعد يوسف أستاذ الدراما بكلية الموسيقى والدراما جامعة السودان برنامج دنيا بأن مايميزه عن البرامج التي تدور حول الشخصيات أنه يسلط الضوء على المجتمعات بحثًا عن شخصيات غير معروفة سلفًا، فتصبح كل المعلومات الواردة فيه جديدة على المشاهد، ومن خلاله يتعرف المشاهدون عبره على شخصيات ومجتمعات جديدة تصنع التأثير، ليس مجرد متلقين للرسائل الإعلامية.(3) .
نموذج من برنامج دنيا:يُعد عبد الرحمن ود الدايش شخصية استثنائية في مجتمع الجزيرة بالسودان، عُرف بتعدد مهنه وتنقله بخفة بين الحرف، من بائع خضروات إلى ترزي وسائق كارو وحلاق، مجسدًا روح السندباد السوداني الساعي خلف الرزق دون كلل. ورث لقبه من والده أحمد إدريس، المعروف بكثرة الترحال، فصار (ود الدايش) رمزًا للحركة والسعي الدؤوب. تحولت سياراته القديمة إلى رموز ساخرة عند بروفيسور عبد اللطيف البوني الكاتب الصحفي المعروف لنقد سياسات الحكومات السودانية وقراراتها المتخبطة عبر عموده الشهير(حاطب ليل)لعشوائية حركتها كما سيارات ود الدايش. جسّد ود الدايش طبيعته المزواجة بطرافة، فلم ير الزواج عبئًا، بل مناسبة دائمة لتوسيع أواصر العلاقات الإنسانية محافظًا على الود حتى بعد الطلاق، مما يعكس مرونته وتصالحه مع تقلبات الحياة. رحل كما عاش، مثالًا للبساطة والإبداع، وحكاية نابضة بروح الإنسان السوداني المتفائل رغم الصعاب.
ماذا تمثل حكاية زول؟: يُمثل عبد الرحمن ود الدايش نموذجًا للإنسان السوداني التلقائي الذي يصوغ شخصيته من تحديات الحياة اليومية. جمع بين الجرأة، وحس الفكاهة، والكرم الفطري، متنقلاً بين المهن دون ارتهان لمهنة واحدة، مما يعكس مرونته وثقته بنفسه وقدرته على التكيف مع الواقع المتقلب. وتُجسد تعدد زوجاته حبه للحياة وتقديره للعلاقات الاجتماعية، مع التزامه بمعايير أخلاقية خاصة، حيث كان يُكرم زوجاته حتى في الطلاق. وكان إكرام الضيف جزءًا أصيلًا من قيمه، حتى إنه كان يختار خُطّاب بناته بناءً على سلوكياتهم المرتبطة بالنظافة وآداب الضيافة والآداب الاجتماعية.
البعد الإنساني رغم الحاجة: يحكي سوار الدهب لصحيفة العرب بتاريخ 25 مايو 2021:هناك مواقف كثيرة قابلناها أثناء تسجيل برنامج (عمران)،لكن أكثر المواقف التي أثرت فيَّ كانت لفتاة في الشمال السوري،وكنا نشعر بالبرد جداً أثناء التصوير،فأخذت البنت أوراقاً من كتاب شقيقها الأصغر وأوقدت لنا النار كي نستدفئ، وتعد لنا أكوابًا من الشاي،لقد أكرمتنا رغم ظروفها الصعبة، وكان هذا من أكثر المواقف تأثيراً فينا(4).
أما عن برنامج دنيا يحكي أحد المعدين في البرنامج: كنا نقوم بتسجيل حلقة من البرنامج في قرية الكريمت بولاية الجزيرة، في العام 2009 كانت عن النفير،وبعد أن أنهينا التصوير واستعددنا للمغادرة، تقدم نحونا شاب من أهل القرية وقدّم لنا مبلغًا ماليًّا 700 جنيهًا سودانيًّا ما يعادل يومذاك (40) دولار سألته باستغراب: ما هذا؟ فأجاب ببساطة: هذه مساهمة قليلة منا لشراء الوقود، اعتذرت له بلطف، قلت له:نحن نمثل مؤسسة إعلامية توفر للبرنامج كل معينات العمل.وأقسم بالطلاق أنها لن ترد، قبلتها إكرامًا لخاطره وبرًّا لقسمه، وأقسمت بالله: أعتبرها مشاركتنا في نفير هذا المنزل.
يجسد الموقفان قيم التعاون والإيثار والكرم الحقيقي، سواء بكوب شاي دافئ في برد قارس أو بمبلغ بسيط لدعم فريق العمل، حاملة رسائل إنسانية عميقة تعكس قيم الناس العاديين بعيدًا عن أضواء الشهرة. هذا الفعل الرمزي يعبر عن التقدير الشعبي للجهد الإعلامي، وتقدير الناس لدور الإعلام وقربه من معاناتهم رغم الظروف الصعبة.
(عمران) و(دنيا) اختلاف بيئات و تكامل أدوار.
هناك تشابه واضح بين برنامجَي (دنيا) على التلفزيون السوداني و(عُمران) على تلفزيون قطر ومنصات الجزيرة الرقمية، يتمثل في المعالجة البرامجية والطابع الاجتماعي والتركيز على الحياة اليومية والقصص الإنسانية. يحرص كلاهما على عرض قضايا ومظاهر من حياة الناس العاديين،مع التركيز على الملامح الثقافية والمجتمعية ويستخدم البرنامجان القالب الوثائقي مع تكثيف المشهد البصري عبر تصوير بيئات واقعية ومقابلات مع الناس في أماكنهم، مما يمنح الحلقات طابعًا واقعيًا ومعايشًا للحدث.
يركز برنامج دنيا على تفاصيل الحياة السودانية وعاداتها وتقاليدها،بينما يُسلط برنامج عُمران الضوء على الحياة في المشرق العربي، مع احتفاء كلاهما بالقيم الإنسانية، المهن، والحكايات المتوارثة. في عُمران يبرز التأمل والجمال في الموسيقى والحياة اليومية، فيما يبرز دنيا البساطة والعمق في تفاصيل الحياة السودانية. يخاطب البرنامجان جمهورًا عامًا ويقدمان رسائل وجدانية وإنسانية ،أما من حيث الإنتاج، فيتميز عُمران بإمكانات فنية وتقنية عالية،بينما يعتمد دنيا على الصدق والبساطة لتعويض إمكاناته المتواضعة.
يعتمد برنامج عُمران في بناء سردّه على حضور الراوي المذيع صوتًا وصورة، مما يجعل حضوره محورًا أساسيًا لتوجيه السرد وإيصال الرسالة، مع تركيز الموضوعات غالبًا على وحدة المكان، ليمنح كل حلقة طابعًا متماسكًا ومتعمقًا في بيئتها الخاصة..أما برنامج (دنيا)،فيرتكزعلى تقارير صوتية متعددة، تتوزع على فقرات متنوعة،حيث تمثل كل فقرة موضوعًا مستقلًا بذاته، ويتميّز البرنامج بتعدّد أماكن التصوير،متنقلًا بين الشرق والغرب والجنوب، ليعكس تنوّع الواقع السوداني ويُبرز ملامحه من زوايا مختلفة.
خلاصات:
يتنقل برنامج عُمران عبر الجغرافيا العربية، مركزًا على المناطق المنكوبة والمهمشة بسبب الحروب والأزمات، مما يمنحه بعدًا إنسانيًا لكنه يترك انطباعًا قاتمًا لدى المشاهد.في المقابل، يغطي برنامج دنيا أطراف السودان بتوازن بين الريف والمدن،عاكسًا ثراء وتنوع الواقع السوداني، وينقل نبض الحياة اليومية من داخل المجتمعات المحلية، مما يمنحه أصالة وخصوصية. يعتمد عُمران على سردية المذيع/الراوي،ما يمنحه وحدة أسلوبية قوية لكنه يهيمن على أصوات الشخصيات الأساسية. أما دنيا فيرتكز على مذيع يربط بين فقرات متعددة وتقارير مصورة متنوعة،مما يمنحه تنوعًا في المحتوى وأساليب المعالجة البصرية. يركز عُمران على مخاطبة وجدان الجمهور العربي من خلال الصورة المؤثرة، الموسيقى، والمونتاج السينمائي،مما يعزز انتشاره على المنصات الرقمية، بينما يخلق دنيا علاقة وجدانية مع الجمهور المحلي عبر تصوير حياة الناس الحقيقية. يُظهر برنامجا عُمران ودنيا قدرة متميزة في توظيف الإعلام للتقرب من الناس البسطاء وإبراز قصصهم الملهمة. يبرع عُمران في تناول القضايا الإنسانية في مناطق الصراعات بسرد مؤثر ومونتاج سينمائي يعزز جاذبية الموضوعات، بينما يتميز دنيا بأصالته وارتباطه بالبيئة السودانية، ليُشكّل وثيقة بصرية للحياة المحلية رغم بساطة الإنتاج، ويترك أثرًا واضحًا في المجتمع السوداني. يتوجه عُمران للجمهور العربي عبر تلفزيون قطر ومنصات الجزيرة الرقمية (360)، بينما يخاطب دنيا المجتمع السوداني عبر التلفزيون القومي، ما يمنح كل منهما خصوصيته وتأثيره في محيطه.
ثانيًا:التوصيات: تقترح المقالة تعزيز الدعم التقني والمادي لبرنامج دنيا بما يواكب التطور الفني، مع الحفاظ على خصوصيته المحلية.وتدعو لتعميق الروابط وإبراز الهويات المشتركة وتشدد على أهمية تبنّي المؤسسات الإعلامية لهذا النوع من البرامج التي تعلي من صوت الناس وتوثّق قصصهم لإبراز البعد الإنساني في الحياة وتلفت إلى ضرورة توظيف المنصات الرقمية لبث القصص المصوّرة المؤثرة، لجمهور المنصات الرقمية، كما تُوصي بالتفكير في إنتاج محتوى وثائقي عربي مشترك يُبرز القيم الأصيلة للإنسان العربي في مختلف بيئاته، مستفيدًا من نماذج ناجحة مثل عُمران ودنيا.
مصادر:
1- https://www.youtube.com/shorts
2- https://www.youtube.com/
3- مقابلة مع بروفيسور سعد يوسف (15، أبريل، 2025) عبر تطبيق التراسل الفوري (الواتساب)، 7الساعة م، القاهرة.
4- https://alarab.qa
*السودان
dr.khalidbalula@gmail.com

عن خالد البلولة ازيرق

خالد البلولة ازيرق

شاهد أيضاً

انتخابات الأجندة المتعددة .. تعيد الولاية للواجهة … تقرير: خالد البلولة إزيرق

جنوب كردفان تترقب (20) قتيلاً، المحصلة الاولى لتداعيات العملية الانتخابية بجنوب كردفان، التي انطلقت حملتها …