د. بخيت أوبي
إذا تمعنا بعين فاحصة وعقل مفتوح في مسيرة الدولة السودانية منذ بروزها على السطح كتنظيم حديث، فإن النخبة الأولى نظرت إليها على أنها يجب تستند إلى إرث المستعمر وسودنة مؤسساتها واختيار هوية واحدة تستوعب الكل المختلف. لم تشهد هذه الدولة الوليدة منذ ذلك الحين استقرارًا، وغرقت في نزاعات عنيفة ممتدة لعقود، لا تزال تتجدد بين حين وآخر لأسباب سياسية واجتماعية وغيرها. يمكننا أن نستنتج أن محركات هذه الظاهرة المستحكمة نابعة من أن التكوين والفكرة والتنظير والممارسة لم تكن مألوفة ومستساغة للكثير من الشعوب السودانية المتنوعة عرقيًا، والمتباينة ثقافيًا واجتماعيًا، بشكل يوجب مقاومة الاستيعاب الثقافي والتنميط المؤسسي. إذ نشأت هذه المؤسسات واستقوت على بنيان غريب ومستجلب من بيئة المجتمعات المحلية، فكانت تلك البذرة التي أنتجت خلافات لا تنحسر وصراعات لا تنتهي.
فالهوة بين دولاب الدولة والإدارة والشعوب المختلفة عميقة وشاسعة. وتحتاج هذه التجربة المريرة إلى إعادة صياغة وتقييم وتقويم لاستكشاف مواضع الخلل الجوهرية في مسيرة البلاد، وذلك من خلال الغوص في أعماق تاريخ الشعوب السودانية واستلهام الإرث الثقافي والحضاري ودمجه في هيكلية مؤسسات الدولة ومرجعيتها.
لقد فشلت الأنظمة السياسية المستوردة في مخاطبة منبع الأزمات وقمقمها بطريقة ترفد البلاد بالاستقرار والرفاه. والأمثلة على ذلك كثيرة، إذ فشلت الأنظمة العسكرية والسياسية واليمنية واليسارية في أن تنبت وتخضر في تربة لا تحمل خصائصها.
لذا، برز مصطلح “الديموقودية” كمفهوم سياسي واجتماعي مطلع عام 2026م، كوسيلة لحل التضاد والتنافر القائم بين النخبة والقاعدة، وبين المؤسسات المستحدثة والقيم التقليدية. إذ أُنشئ هذا المفهوم لإعادة صياغة نظام حكم وإدارة مبتكر، يهدف إلى حل النزاعات وتسوية الأوضاع السياسية من خلال دمج مبادئ الديمقراطية مع القيم المجتمعية الأصيلة المستمدة من المخزون الثقافي والحضاري للمجتمعات السودانية.
الهدف من ذلك هو جعل هذا المفهوم جسرًا يربط بين الحداثة والتقاليد، من خلال دمج تراث وحضارات الشعوب في مفاهيم العصر، وتكييفها مع الواقع المحلي، بحيث يصبح الكل شريكًا في صياغة حاضر ومستقبل البلاد.
يهدف هذا المنهج إلى تحقيق انتقال سلمي وتداول للحكم بالحكمة، مع المحافظة على حقوق المجتمعات السودانية، والاعتراف بخصوصيتها الثقافية ومأسستها، وتجاوز القوالب الجاهزة المستوردة من الخارج، انطلاقًا من تنوع البلاد الثقافي والعرقي.
في تراث الشعوب السودانية، هناك مخزون معرفي وثقافي وحضاري حافظ على تماسك المجتمعات، وساهم في تجاوز التحديات التي واجهتها على مر القرون من خلال نظم مستقرة ومتعارف عليها ومعترف بها من قبل الجميع.
وفي مخزون جميع الشعوب السودانية في شرق السودان وغربه وجنوبه وشماله، أدوات تقليدية عريقة لحل النزاعات وتنظيم شؤون المجتمع، تحت مسميات متنوعة. فالشعوب السودانية تمتلك منظومات متباينة في الأسماء ومتقاربة في الغرض، تديرها الإدارات الأهلية المتمثلة في السلاطين، الملوك، النظار، العمد، والشيوخ.
ومن هذه الآليات، حسب المناطق الجغرافية، نذكر:
- في دارفور: الجودية كآلية لوساطة حل النزاعات، ومجلس الأجاويد الذي يضم زعماء القبائل والزعماء الروحانيين، والنفير، والراكوبة، والفزعة(الفزع) التي تستخدم كتضامن جماعي لاسترداد المنهوبات، والنفير للعمل الجماعي لبناء المنازل أو مساعدة المحتاجين.
- في شرق السودان: القلد، وهو اتفاق صلح جماعي بين المجموعات الاجتماعية، بالإضافة إلى الدستور العرفي لحل النزاعات.
- في النيل الازرق وكردفان: المك أو السلطان الذي يلعب دور القاضي، والمصالحات القبلية من خلال مؤتمرات الصلح.
- في الشمالية ونهر النيل: الجودية، والجلسات العرفية في الديوان أو المسيد، وقانون الساقية لتوزيع المياه، والواسوق لتنظيم الزراعة والعمالة.
- في جبال النوبة: مجلس المك لفض النزاعات الكبرى، والتحكيم بإصدار أحكام ملزمة، ومجلس الكجور للفصل في قضايا السحر، والمباركة، والمصادقة على الاتفاقيات، والسبر كطقس لتعزيز الانسجام وتجديد العهود، وقوانين الأرض، والمصاهرة كآلية وقائية من النزاعات المستقبلية.
كما توجد آليات متعارف عليها في جميع أنحاء السودان، منها: الدية (تعويض يدفع لأهل القتيل)، قص الأثر لتتبع الجناة، والنفير للعمل الجماعي.
وتتشابه هياكل الإدارة الأهلية في السودان من حيث البناء، والتسمية، والاستقرار، والتداول بالحكمة على مر العصور.
مما تقدم، فإن ما تناولناه من أدوات بعض المجتمعات السودانية لحل المشكلات، بدءًا من الخلافات الأسرية والعائلية، مرورًا بالنزاعات داخل المجتمع الواحد، وانتهاء بالنزاعات بين المجموعات الإثنية المختلفة والصراعات المستجدة، يعكس تراثًا غنيًا من القيم والأليات.
وبما أن هذه الشعوب تحمل موروثًا ثقافيًا وفكريًا وحضاريًا، وقواعد جماهيرية واسعة على امتداد المجتمع السوداني، فإن من الممكن استنباط أدوات إدارة، ونظام حكم، ونظام اجتماعي وسياسي، من هنا نشأت الحاجة إلى “الديموقودية” كمصطلح حديث يدمج بين الديمقراطية الحديثة والجودية، كآليات يمكنها أن ترمز إلى أدوات متعددة على امتداد البلاد، لمعالجة الخلل البنيوي بين أنظمة الحكم المستحدثة، والشعوب، والنخبة، والقاعدة الجماهيرية، وبين المؤسسات والمجتمع.
فلا بد من إيجاد طريق ثالث أكثر قربًا إلى روح الشعب السوداني وتراثه الحضاري، يكون دربًا أكثر فاعلية في مخاطبة مشكلات المجتمع، وليس فقط النخبة.
السبب الجذري لاعتماد “الديموقودية” كمفهوم سياسي واجتماعي وفكري في السودان يكمن في الحاجة الملحة لمعالجة التحديات التاريخية والجذرية التي تواجه البلاد، ومن بينها: - عدم الاستقرار السياسي والصراعات المستمرة الناتجة عن عدم توافق التكوين الثقافي والاجتماعي مع أنظمة الحكم المستوردة، والتي فشلت في مخاطبة مواضع الخلل الجوهرية.
- الفجوة العميقة بين الدولة، والإدارة، والشعوب المختلفة، نتيجة التباين الثقافي والعرقي، وعدم وجود نظم حديثة فعالة تدمج بين الأصالة والحداثة لإدارة النزاعات والتعايش السلمي.
- الرغبة في دمج القيم والتقاليد الثقافية الأصيلة مع مبادئ الحداثة والديمقراطية، لإيجاد نظام أكثر توافقًا مع خصوصية المجتمع السوداني وتراثه الحضاري، بحيث يكون قادرًا على تحقيق الاستقرار والتنمية.
- الحاجة إلى طريق ثالث يربط بين النخبة والقاعدة، ويعبر عن روح الشعب السوداني، من خلال أدوات إدارة ونظام حكم يعكس التنوع الثقافي والعرفي، ويعزز المشاركة المجتمعية في صياغة المستقبل.
- علاوة على ذلك السبب الجذري تتمثل في عدم قدرة الأنظمة المستوردة على مخاطبة التحديات التي تواجه المجتمعات المحلية، حيث غالبًا ما تُستبعد هذه المجتمعات من المشاركة في الشأن العام لأسباب تتعلق بالهوية أو بسبب الجهل أو التباين الثقافي واللغوى، والفجوة المعرفية. بالإضافة إلى ذلك، فإن تلك الأنظمة غالبًا ما تستغل الغالبية الجماهيرية غير المتعلمة لمصالح النخبة، دون أن تأخذ بعين الاعتبار عادات وتقاليد وقيم المجتمعات المحلية، مما يزيد من عمق الفجوة ويعوق تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
bakhietobey2010@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم