د. نازك حامد الهاشمي
✦ عن هذه الطبعة ✦
تأتي هذه الطبعة الثانية من هذا الكتاب في ظل ظروف استثنائية، حيث فُقدت جميع نسخ الطبعة الأولى نتيجة للحرب وما صاحبها من دمار وتشريد طال الأفراد والمؤسسات على حدّ سواء. ورغم أن تلك الطبعة كانت محاولة أولى لوضع إطار فكري واقتصادي يعالج قضايا الإصلاح ومكافحة الفساد برؤية نقدية وعلمية، إلا أن فقدانها لم يُلغِ الحاجة إليها، بل زاد من الإلحاح على إعادة طرحها وتطويرها.
لذلك، فإن هذه الطبعة ليست مجرد إعادة طباعة، بل جاءت مراجَعة وموسَّعة، تضمنت تحديث المعلومات، وإعادة صياغة بعض المحاور، والتوسع في أخرى، بما يعكس تطور النقاشات وعمق التحولات التي يشهدها الواقع السوداني والإفريقي. إنها محاولة جديدة لإحياء صوتٍ فُقد في لحظة فوضى، وليبقى الحوار مستمرًا حول مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا.

مقدمة المؤلفة
استحضرتُ وأنا أكتب هذه السطور مقولة خالدة للشيخ محمد متولي الشعراوي، عليه الرحمة، يقول فيها:
“الثائر الحق هو من يثور لهدم الفساد، ثم يهدأ لبناء الأمجاد.”
وجدتُ في هذه الكلمات تلخيصًا بليغًا لفلسفة التغيير الحقيقي؛ فلسفة تبدأ بالرفض الواعي للخلل، وتتقدم نحو إصلاح ممنهج لا تغريه الشعارات المؤقتة، بل تحرّكه رؤى ممتدة وعملية تتطلع إلى إعادة بناء ما تهدّم، وفتح آفاق مستقبل أكثر عدلًا وإنصافًا.
لقد استقر رأيي في هذا الكتاب على أن الاقتصاد السوداني لا يمر بمجرد أزمة مالية ظرفية، بل يعاني من خلل بنيوي عميق في الرؤية والتخطيط، نتج عن تراكمات سياسية، وغياب الإرادة الإصلاحية، وضعف الارتباط بين الدولة ومجتمعها على مستوى أولويات التنمية والتوزيع العادل للموارد. فالتحدي الأكبر اليوم لا يكمن فقط في تحقيق النمو، بل في صياغة نموذج اقتصادي يُعبّر عن احتياجات المجتمع السوداني، ويحترم خصوصيته، ويواجه أزماته من الجذور.
من هذا المنطلق، حاولتُ في هذا العمل تسليط الضوء على أهمية توجيه التفكير العام للدولة نحو اعتماد أدوات تخطيط منهجية واستباقية، تجمع بين التحليل الواقعي والالتزام الأخلاقي، وتشمل مختلف الوسائل الممكنة لإحداث نقلة في الأداء العام للدولة. وفي الوقت ذاته، أكّدت على ضرورة توجيه وعي المجتمع نحو مفاهيم تعزز الانتماء الوطني، وتُرسّخ ثقافة النزاهة ومكافحة الفساد، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الفردية الضيقة، بما يعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة المسؤولة. ومن القيم الجوهرية التي يستند إليها هذا الطرح، ضرورة وقف هدر الموارد العامة، وتعزيز ثقافة الكفاءة في إدارتها، وتكريس مبدأ العدالة في توزيعها، إلى جانب حماية البيئة، وصون حقوق الأجيال القادمة. فكل هذه المرتكزات تُشكّل مكونات أساسية للتخطيط المجتمعي، وهو السبيل الأنجع لتحقيق التنمية المستدامة، تلك التنمية التي لا تكتفي بتوفير الاحتياجات الراهنة، بل تبني أسس الاستمرارية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية في علاقة متناغمة مع المكون البشري والحياتي على المدى الطويل. وفي هذا الإطار، حرصتُ على تحليل أنماط الاقتصاد السائدة حاليًا في البلاد، بدءًا من الاقتصاد الخفي الذي يعمل خارج إطار القانون ويُضعف قدرة الدولة على التنبؤ والتخطيط، مرورًا بـالاقتصاد الخلّاق الذي يقوم على توظيف المعرفة والإبداع والموارد غير التقليدية، وصولًا إلى الاقتصاد الموجَّه الذي يخضع لتدخلات سياسية تؤثر على توازنه.
كما تناولتُ القصور الهيكلي في السياسات العامة والتخطيط الاستراتيجي، خاصة فيما يتعلق بغياب رؤية فاعلة لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع القارة الإفريقية، بالرغم من الإمكانات الهائلة التي تمنحها هذه الشراكة للسودان في مجالات التجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي. وقد تطرق الكتاب إلى أهمية المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، لما لها من دور محوري في معالجة الفقر، وتوسيع فرص العمل، واستيعاب شرائح واسعة من المجتمع، خاصة الشباب والنساء. ففي ظل محدودية الوظائف وفرص التشغيل الرسمية، تُشكّل هذه المشروعات بديلًا عمليًا يعزز ثقافة الإنتاج والاعتماد على الذات، ويقلل من الانخراط في أنشطة اقتصادية غير مشروعة.
وقد أثبتت التجارب الإقليمية والدولية أن غياب البدائل الاقتصادية الكريمة يدفع بعض الفئات نحو الانضمام إلى اقتصاد الظل أو المشاركة في شبكات الجريمة العابرة للحدود، مثل الاتجار بالبشر، والمخدرات، وتهريب السلع، وغسل الأموال. إن تمكين هذا القطاع من خلال التمويل الميسر، والتدريب، وتبسيط الإجراءات، هو استثمار في الأمن المجتمعي بقدر ما هو استثمار في الاقتصاد.
ومن الجوانب المحورية التي شغلت حيزًا كبيرًا في هذا العمل، ظاهرة الفساد التي لم تعد مجرد مخالفة فردية للقوانين، بل تحولت إلى منظومة مترابطة ومعقدة تُهدد كفاءة الدولة، وتُضعف ثقة المواطن في مؤسساتها، وتُعيق تحقيق أهداف التنمية. لقد تنوعت أشكال الفساد واتسعت أدواته، من الرشوة والمحسوبية إلى الجرائم المالية المنظمة وغسل الأموال، الأمر الذي يستدعي معالجة عميقة لهذا التحدي، لا باعتباره خللًا إجرائيًا فقط، بل كمؤشر خطير على هشاشة البناء المؤسسي وضعف البنية القيمية للنظام الإداري.
وتزداد خطورة هذا الواقع حين يُترك الفساد دون مواجهة حاسمة، إذ يُنتج بيئة رخوة تُوفر مجالًا خصبًا لتوسع أنشطة الجريمة المنظمة داخل المنظومة الاقتصادية. ففي ظل ضعف الرقابة، وغياب إنفاذ القانون، وتغليب الولاءات الضيقة على المصلحة الوطنية، تنشأ شبكات تعمل على استنزاف المال العام، وتهريب الموارد، وممارسة غسل الأموال، في ظل حماية غير مباشرة ناتجة عن تراخي الأجهزة الرقابية أو تورط بعض الجهات الرسمية. وبهذه الصورة، لا تعود الجريمة المنظمة مجرد ظاهرة هامشية، بل تتحول إلى فاعل خفي يتقاطع مع الفساد، ويُقوّض فعالية الاقتصاد الوطني، ويُعطل مسارات الإصلاح، ويُهدد العدالة والاستقرار على المدى البعيد.
وعليه، فإن تحقيق التعافي الاقتصادي الحقيقي لا يمكن أن يتأتى دون معالجة جذرية لهذا الواقع المركب، وذلك من خلال تبنّي سياسات متكاملة وحازمة لمكافحة الفساد، تقوم على ترسيخ مبادئ الشفافية، وتعزيز آليات المساءلة، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية، وضمان استقلالية القضاء، إلى جانب تفكيك النفوذ الذي تمارسه الشبكات الفاسدة على مراكز اتخاذ القرار، بما يحرر الإرادة السياسية من قبضة المصالح الضيقة، ويعيد توجيهها نحو الصالح العام. إنني أؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف العميق بالمشكلة، ثم السير بثبات نحو بناء بدائل جديدة تعيد الثقة، وتنشئ اقتصادًا منتجًا، عادلًا، ومرنًا، يستجيب لتطلعات الناس ويحفظ حق الأجيال القادمة. وهذا هو الأمل الذي نسعى جميعًا لتحقيقه.
nazikelhashmi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم