مقدمة كتاب الباشبزق الذي صدر قبل اسابيع عن منتدى المعارف بيروت.

محمد موسى جباره

مقدمة

لكيلا ننسى علينا أن نوثق الحقيقة

في أفضل حالاته، يكون الإنسان أكثر الحيوانات نبلا، ويصبح اكثرها انحطاطا حين يتخلى عن القانون والعدالة.
“أرسطو””

ما كان لنا أن نرجع لأكثر من الفي وخمسمائة عام نستطق التاريخ ليدلنا على خصال الذين تولوا امر السودان في العقود الثلاثة الأخيرة. فقد حكمنا أكثر الحيوانات انحطاطا تمثلوا في تحالف عسكري إسلامي جرب فينا كل العقد النفسية التي يتمتع بها الاثنان معا.

لم يكن لهم أن يفعلوا ذلك ما لم تكن أمامهم تجربة سابقة لحكام عسكريين سابقين ظنوا أيضا أنهم قادرون على ملأ الفراغ الذي خلقه السياسيون بنزاعاتهم الدائمة وفشلهم في إدارة الدولة، ولم يكن لهم فضل السبق في ذلك في العالم العربي فقد سبقهم جنرالات آخرون في العراق وسوريا ومصر. ورغم وجود السودان في قلب القارة الافريقية إلا أن جنرالاته لم يحذوا حذو الأفارقة الذين لم يدخلوا عالم الانقلابات إلا بعد أن مهد لهم الفريق إبراهيم عبود الطريق الى استلام السلطة بالقوة العسكرية.

وكدأبها في محاربة الاتحاد السوفيتي، اعتبرت الولايات المتحدة كل حكومة لا تأتمر بنهجها أو تسير في ركبها، معادية لها، فأطلقت يد وكالة مخابراتها للنيل من كل ما توهمت أنه سيكون رافدا للشيوعية العالمية. فاستنت بالتالي سنة سيئة في تغيير أنظمة الحكم في العالم الثالث عن طريق الانقلابات العسكرية التي فاقت الخمسين انقلابا في القارات الثلاث…

جرى كل ذلك والحرب الباردة في أشدها بين حلفي الأطلسي والاورال، حيث كان هدف الانقلابات إيقاف تمدد النفوذ السوفيتي في دول العالم الثالث حديثة الاستقلال.

نالت أمريكا الجنوبية والوسطى القدح المعلى من تلك الانقلابات التي دبرتها ال CIA في النصف الثاني من القرن العشرين والتي انداحت من الأرجنتين إلى بنما.

من خلال ما أطلقت عليه الخارجية الامريكية المعونة العسكرية لدول العالم الثالث، عملت المخابرات الامريكية على برمجة وتجنيد بعض جنرالات الجيوش في تلك الدول من خلال كورسات التدريب القصيرة في القواعد العسكرية الامريكية وذلك لإنجاز مهام قد يكون بعض الجنرالات مهيئ نفسيا وفكريا وأخلاقيا للقيام بها، وبعض آخر تتم برمجته، وفق برنامج الفراشة MK ULTRA للسيطرة على العقول لفعل ما يُراد منه فعله بقدر من العنف غير مسبوق اعتاد العسكر الامريكيون ممارسته في هوس بالغ شهدنا بعضا منه فيما وصل الينا من مشاهد للعمليات العسكرية في بعض المعرك التي قادتها الجيوش الامريكية او في كثير من أفلام هوليوود التي وثقت ذلك العنف بمهنية لا تضاهى وبصورة عالية الدقة.

لم تكن الديمقراطية أو رفاهية الشعوب بعضا من اهتمامات تلك المعونات العسكرية او الاقتصادية او الفنية التي كانت تمنحها أمريكا ببذخ كبير للدول النامية، بل كان القصد من كل ذلك وقف زحف النفوذ السوفيتي لدول العالم الثالث الذي كان زعماؤه يتلمسون طريقهم في البحث عن وسائل لإدارة دولهم الوليدة وهم الذين خرجوا لتوهم من حقبة الاستعمار ويجهلون أدوات الحكم الرشيد.

لقد ظن أولئك الزعماء الوطنيون خيرا في مؤسساتهم العسكرية التي بناها وخلّفها لهم المستعمر وفق نمط مؤسساته العسكرية. لذا كانت بعيدة كل البعد عن نبض الشارع العام خصوصا فئة الضباط الذين تخرجوا من الكليات العسكرية، حيث يتم عزلهم عن المجتمع من لحظة دخولهم الكلية العسكرية ومن ثم تبدأ عملية غسل الادمغة بالإيعاز إليهم بأنهم مختلفون عن مجتمعاتهم، بل ومميزون عنها في الحياة كتميزهم في ملبسهم.

وعندما يجد انسان فاقد القيمة بسبب قدراته الذهنية المتدنية وتحصيله الأكاديمي الذي لا يؤهله للتعليم العالي، نفسه في مرتبة أعلى من اقرانه الاذكياء تسنده القوة والجبروت العسكري فأن عقدة النقص تلك لن تفارق مخيلته ابدا ويخامره إحساس بالتفوق على اقرانه الاذكياء في أشياء كثيرة تهيأت له بسبب انتمائه للمؤسسة العسكرية. لذا يتحول إلى متسلط أحمق وتصبح سياسته “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”

لم يكن السودان بمعزل عما حدث في العالم الثالث من تغيير لأنظمة الحكم المدني بالقوة العسكرية. ورغم أن الانقلابات الثلاثة التي جرت في السودان كانت بإيعاز او بوحي او تواطؤ من بعض المثقفين السودانيين إلا أنهم جميعا ذاقوا مرارة فعلتهم تلك وتسببوا في كل المآسي التي حاقت وتحيق بالشعب السوداني في ظل الحكومات العسكرية. وكان السبب دائما ما يعاني منه أولئك العسكر من عقدة نقص حيال المثقف حتى وأن اتى بهم للسلطة.

انقلاب نوفمبر 1958 بقيادة الجنرال إبراهيم عبود كان بتدبير من رئيس الوزراء آنذاك والعسكري السابق عبد الله بك خليل.

وقد وثقت لجنة التحقيق التي تناولت ذلك الانقلاب، استدعاء عبد الله خليل لإبراهيم عبود قائد الجيش وقتذاك والطلب منه في صيغة الأمر بوصفه وزيرا للدفاع، تولي الحكم في البلاد إلى أن تستتب الأمور وبذا يقطع الطريق أمام تحالف حزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي الممثل لطائفة الختمية والساعي لإسقاط الحكومة بعد انسحابه من التحالف مع حزب الأمة.

هذا الانقلاب شكل ما ظل يُعرف بنظرية المسلك الطبيعي حسب تعبير الضابط الإسرائيلي السابق اليعازر بعيري في كتابه “ضباط الجيش في السياسة والمجتمع العربي” حيث أطلق هذا الوصف على انقلاب الفريق إبراهيم عبود الذي أصبح نمطا لادعاء الضباط اللاحقين الذين استلموا السلطة في السودان.

يبدأ الادعاء بأن المدنيين فشلوا في إدارة الدولة بخلق الفوضى والمشاحنات السياسية وتعريض أمن البلاد والعباد للخطر، بذا يصبح من الطبيعي أن يتصدى الجيش لوقف هذه الفوضى ووضع حد للانفلات الأمني باستلام السلطة إلى حين استباب الأمر.

لم يختلف في ذلك الادعاء نميري او البشير أو أخيرا البرهان في امتطاء نفس الموجة للوصول للسلطة والبقاء فيها إلى أن تتاح للشعب فرصة اقتلاعهم دون أن ينجزوا شيئأ مما ادعوه.

انقلاب 1969 كان مؤامرة كبرى ضد الحزب الشيوعي السوداني من قبل المخابرات الامريكية التي استغلت غضب المكون الحضري من الشعب واستيائه من حل الحزب الشيوعي فأوعزت لعدد من الضباط المنتمين لتيار القومية العربية بالقيام بانقلاب عسكري تمت تهيئة الشارع لقبول شعاراته الاشتراكية.

رفع ذلك الانقلاب كل شعارات الحزب الشيوعي التي تضمنها برنامج اليسار السوداني دعما لمرشح اليسار في تلك الانتخابات، القاضي السابق والقومي العربي بابكر عوض الله.

انطلت الحيلة على جماهير اليسار وخرجت تؤيد ذلك الانقلاب في مسيرات كبيرة موطدة اركان قيادته ليبدأ من ثم تنفيذ الغرض من الانقلاب ألا وهو تصفية الحزب الشيوعي السوداني بإتقان شديد قمين بالأعمال السرية للمخابرات الامريكية. وقد ذكرت كل ذلك بتفاصيل أكثر في كتابي “السودان المعاصر وحلم العودة لمملكة مروي”.[1]

أما انقلاب 1989 الذي قادته الجبهة الإسلامية بنفسها وعناصرها خارج الجيش وداخله فقد كان انقلاب حزب سياسي تم اقراره والموافقة عليه داخل أجهزة الحزب. وكان الغرض منه تطبيق الشعارات التي رفعها الإسلاميون على النطاق العالمي والتي تمثلت في شعار الإسلام هو الحل.

كان هذا الانقلاب مختلف في كل شيء عن الانقلابين السابقين حيث اشتركت فيه عناصر غير منتمية للمؤسسة العسكرية وبدأ في تغيير البنية السياسية والاجتماعية للمجتمع السوداني بتطبيق ما أطلق عليه إعادة صياغة المجتمع حيث كان الأمر وبالا على المجتمع السوداني وأدى إلى انفصال 25% من ارض الوطن و30% من سكانه بسبب تلك الأسلمة القسرية.

وأيا كان راي الناس في الانقلابين السابقين إلا أن هذا الانقلاب الأخير لا شبيه له ولا مثيل، ليس في السودان فحسب، بل بكل تأكيد، في العالم اجمع.

تطاول عهد العسكر في السلطة يؤدي إلى عسكرة المجتمع وتفشي ثقافة العنف والكراهية ورفض الآخر المختلف، وبالتالي خضوع الشعب إلى وقت ما لتسلطهم إلى أن يكتشف البعض فساد العسكر وقلة خبرتهم السياسية وسوء إدارتهم للدولة.

ومن بين سوء الإدارة الذي حدث في الفترة الأخيرة إضعاف الجيش والاستعانة بمليشيات لتقوم بمهامه القتالية في الأماكن التي لم يستطع السيطرة عليها لمحدودية إمكاناته العسكرية.

بذا لم يسيء الجيش إدارة الحكم فقط، بل أساء للدور الدستوري المناط به في حفظ البلاد والعباد واستعان بفرق عسكرية قليلة الانضباط كونَها بنفسه فكانت النتيجة مطابقة لما حدث من المماليك في التاريخ العربي الإسلامي القريب، الاستحواذ على السلطة او محاولة الاستحواذ عليها وإزاحة من جاء بهم اليها. وكان ذلك سبب النزاع الدامي بين الجيش وقوات الدعم السريع التي استعان بها ضد المواطنين السودانيين.

والباشبزق الذي اتخذته عنوانا للكتاب تشبيها لحالة جنرالات الجيش الذين تولوا السلطة السياسية في السودان في أوقات متعددة وممتدة، هو مجند غير نظامي بجيش الامبراطورية العثمانية ويعتبر جزء من مليشيا شعبية يتم استدعاؤها في وقت الحروب. وقد كان معظمهم من الالبان والشركس وبعض مواطني دول شرق أوروبا الذين كانوا تحت الحكم التركي.

وقد عُرف الباشبزق بالغلظة والوحشية وخفة العقل وقلة الفهم وقوة الرأس وأخذ الناس بالشدة، كما اشتهروا بالنهب وسلب كل ما يقع تحت ايديهم.

عرفت الشعوب التي وقعت تحت الحكم العثماني ومنها السودان ومصر وبعض دول الشرق الأوسط، بطش هؤلاء القوم وما زالت ذكرى جرائمهم تجري على السن الكثير من أهل تلك البلدان.

ولا يجد قارئ التاريخ فرقا بين ما يُروى عن الباشبزق العثماني وعما يفعله الحكام العسكريون بالشعب السوداني متى تسلطوا عليه بقوة السلاح. وقد لا يجافي الانسان الحقيقة في حال تشبيهه الجند الذين تسلطوا على السودانيين، بالباشبزق الاتراك، الفرق الوحيد أن الباشبزق السوداني كان على وعي تام بما يفعل عندما تسلط على دولة بكاملها واعتبرها ضيعة له ومواطنيها جزء من اقطاعية دانت له ومواردها مشاعة له بفضل دبابة امتطاها خلسة في جنح ليل ما.

تم نشر معظم هذه المقالات في الصحف الاسفيرية مثل سودانايل وسودانيز اونلاين كما في صحيفة الراكوبة وعدد من المواقع الاليكترونية الأخرى وقد رأيت جمعها في كتاب ورقي حتى يسهل الوصول إليها دون كثير عناء.

mmgubara@gmail.com

عن محمد موسى جبارة

شاهد أيضاً

الما بتعرف تتدخن !! .. بقلم: محمد موسى جبارة

الإمام الصادق المهدي رحمه الله كان أول من أدخل مفردة الدخان في القاموس السياسي السوداني، لذا اعتقدنا جازمين بأن ابنته المنصورة تجيد الدخان، غير أنها في القاهرة لم تحرق نفسها فقط بل حرقت ملايين الأفدنة من الأراضي السودانية على الملأ