ملايين “غندور” .. !! .. بقلم: سيف الدولة حمدنالله

قرأت تصريحاً للدكتور إبراهيم غندور قال فيه بأن عضوية حزب المؤتمر الوطني تبلغ (10) مليون شخص، وليست هذه المرة الأولى التي يطرق سمعي مثل هذا الرقم المهول والزعم المخبول، فقد سبقه في ذلك عدد من المسئولين،من بينهم الدكتور حامد صديق رئيس قطاع التنظيم بالحزب، الذي كان قد خصم مليونين من هذا الرقم فقال بأن عضوية الحزب تبلغ (8) مليون “صحيفة سودانموشن 18/12/2013″، برغم أن الفرق بين الرقمين يوازي – على الأقل – سكان ثلاث ولايات بما فيها من أتباع حزبه ومعارضيه، كما أن والي الخرطوم عبد الرحمن الخضر كان قد مضى في اطمئنانه لعضوية حزبه إلى ما هو أبعد من ذلك بخروجه عن وقار وظيفته إلى لغة الحواري بتصريحه الشهير الذي قال فيه “الانتخابات قادمة والحشاش يملأ شبكتو”.
يفهم المرء أن يخبط بمثل هذه الأرقام عوام الناس الذين تغلب عليهم المشاعر الشخصية والعاطفة،ومن جنس ذلك ما قالت به الممثلة المصرية إلهام شاهين في مهاتفة مع برنامج تلفزيوني في الأيام الأولى لإندلاع الثورة المصرية، وكانت تريد التقليل من شأن الثورة والثوار بدافع حبها وتأييدها لمبارك، قالت: “إذا كان هناك مليون مصري قد نزلوا لميدان التحرير ضد مبارك، فهناك 81 مليون مصري يجلسون في بيوتهم ضد الثورة ويؤيدون الرئيس”، فمرجعية أرقام غندور هي نفسها مرجعية إلهام شاهين.
هذه تصريحات تحوي مُكابرة ليس لها لزوم وتُضحِك الناس في أصحابها، فهذا حزب مكشوف حال من نفسه لنفسه وبلسان أنصاره،ففي مقابلة أجرتها معه صحيفة “ألوان” في أغسطس 2010،  قال المرحوم يس عمر الإمام وقد كان أحد أركان النظام، قال بالنَص ما يلي: ” دخَلت الحركة الإسلامية السلطة وخرجَت مضعضعة وفيها فساد شديد وفيها ظلم وأدت مفاهيم معاكسة للقيم التى تحملها للناس، وزارني حسن الترابي بالمنزل وقلت له ومن معه بأنني أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام فى المسجد الذى يجاورني بسبب الظلم والفساد الذى أراه وقلت لهم بأنني لا أستطيع أن أقول لأحفادي انضموا للأخوان المسلمين لأنهم يرون الظلم الواقع على أهله فلذلك الواحد بيخجل يدعو زول للإسلام فى السودان، أنا غايتو بخجل”.
وقريب من هذا المعنى قالت به قيادية بالمؤتمر الوطني (صحيفة الجريدة 29/5/2014) هي الأستاذة/ هُدى داوود وذلك في ندوة نظمتها أمانة المرأة حول وثيقة الإصلاح ، قالت: “أصبحنا نخجل من انتمائنا للحزب بسبب ما نسمعه عن الفساد” وهو القول الذي رد عليه “غندور” نفسه بحديث يُؤكد المعنى ولا ينفيه، حيث قال:” لم نصل مرحلة أن نخجل من انتمائنا للوطني، فالوزراء في الحكومات الفاتت ما سكنوا في العشش، شفناهم راكبين عربات وساكنين العمارات والدنيا كلها فيها الفساد والتعميم يعني أي زول في القاعة دي فاسد، وما أي واحد يعاين لي جارو يلقاهو عمل جضوم وعمارة يفتكر الدنيا فسدت”.
وبتجاوز الأشخاص لمؤسسات الحزب، فقد قرأت خبراً يقول بأن مجلس تشريعي ولاية الخرطوم قد طالب ولاية الخرطوم بالاعتراف بعجزها عن تحقيق أدنى متطلبات، وبانهيار الخدمة المدنية وشكك النواب في أوجه صرف عائدات الموارد بالولاية، وقالوا أن نسبة تنفيذ مشروعات الحكومة تساوي صفر (صحيفة الجريدة 16/9/2014).
والحال كذلك، على طينة إيه يقوم (10) مليون مواطن عادي ليس لهم مصلحة خاصة أو مناصب دستورية بتأييد حزب هذا وصفه!! وما الذي يجعل مواطن عقله برأسه يقوم بالانتماء لحزب غاية ما يطمح  لتحقيقه هو أن يُعيد السودان إلى سيرته الأولى !! أي يُرجعه لحاله التي كان عليها قبل تربعه في السلطة منذ ربع قرن !! ففي أكثر من مناسبة وعد الرئيس نفسه الشعب بأن يُعيد مشروع الجزيرة إلى سيرته الأولى، وقال بالشيء نفسه بقية المسئولين بأنهم يجاهدون أنفسهم لإعادة الخدمة المدنية والجامعات والسكة الحديد والنقل النهري والخطوط الجوية والصناعة والتعليم العام ..الخ إلى سيرتها الأولى !!
كما للمرء أن يتساءل، من أين جاء رابع الدستوريين “غندور” برقم العشرة مليون وهو يُمثل نصف مجموع عدد سكان السودان الذين يحق لهم الإدلاء بأصواتهم في الإنتخابات، في الوقت الذي ليس فيه بيت لا يوجد فيه مظلوم أو موجوع أو ضحية من ضحايا النظام !! وضحايا النظام يُحسبون بالجملة لا بالمفرق، وبسكان الولاية لا بالمدينة، فولايات مثل دارفور الكبرى وجنوب كردفان والنيل الأزرق، يضحك غندور على نفسه إذا إعتقد أن الحزب الذي أشعل الحرب في تلك المناطق وجعل سكانها يرون جهنم قبل أن تأتي القيامة بقصفهم بالمدفعية والطائرات يمكنهم أن ينتموا إلى حزبه بإختيارهم، علماً بأن عدد سكان دارفور الكبرى وحدها يبلغ 7.5 مليون نسمة بحسب آخر إحصاء، أي ما يُعادل رُبع سكان السودان تقريباً بعد فصل الجنوب.
ليس من بين أفراد الشعب من لم يطله ظلم الإنقاذ أو يعيش عذابها !! فالشعب يحاصره الجوع ويعيش “رزق الوجبة بالوجبة” والتعبير لعثمان ميرغني، فالمزارعون فقدوا حقولهم وأصبحت أرضهم صحراء بور، والعمال فقدوا وظائفهم وتشردوا بسبب توقف محالج القطن ومصانع النسيج والزيوت والصابون ومدابغ الجلود..الخ، وإنهيار قطاعات خدمية كبرى مثل السكة حديد والنقل النهري ..الخ، ففي كل بيت مفصول أو عاطل أو مُعسر أو مُشرّد أو مريض عاجز العلاج.
ثم، كيف يقول “غندور” بأن 10 مليون مواطن يؤيدون حزبه، وأكثر من هذا العدد ترك الوطن بما فيه وإختار العيش في المنافي ضيوفاً في بلاد الآخرين، ففي ميداني العتبة ومصطفى محمود وحدهما (القاهره) يتمركز اليوم عشرات الألوف من شباب الوطن الذين غاية ما يطمحون إليه هو موطئ كعب في مركب يحملهم إلى بلاد الكفّار، ومثلهم تائهين اليوم في صحراء ليبيا يستجيرون بالموت فيها بكرامة عن الموت بمذلة داخل الوطن.

بيد أن في كلام “غندور” وصحبه جزء من الحقيقة، فهناك كثيرون يؤيدون النظام ويحملون بطاقات حزبه ويتمنون أن يبقى جاثماً على صدورنا إلى أبد الآبدين، وهؤلاء من كل جنس وصوب، بينهم من يفتك النظام بأهله ويشعل الحرب في منطقته ويرمي بأقرب الناس إليه في السجون، وهم يعيشون معه في هناء وحبور وإنبساط من نعيم النظام الذي لا يُطيقون الفطام منه، ومثل هؤلاء لديهم أسباب متفاوتة للتمسك بعضوية مثل هذا الحزب، بين منتفعين وأصحاب مصلحة وطلاّب سلطة وغشيمين ولصوص،وهؤلاء يُحسبون بالألف لا بالمليون، ولكنها تُقاس بالسلطة والنفوذ الذي يحقق لها الفوز لا بالعدد، فالتاريخ يشهد بأنه ليس هناك حزب في دولة من دول العالم الثالث سقط في إنتخابات جرت أثناء فترة حكمه، فقد فازت مثل هذه الأحزاب بأغلبية ساحقة في مصر وليبيا وتونس وسوريا واليمن والسودان (الإتحاد الإشتراكي) .. الخ ثم ما لبثت تلك الأحزاب أن تبخرت في الهواء بعد أن ثارت عليها الشعوب ثم مُسحت من الذاكرة بإستيكة !!

سيف الدولة حمدناالله
saifuldawlah@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً