ملحق تحليلي محدث: حين تعيد الخوارزمية تعريف “القيمة”

بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
في مقالي المنشور بصحيفة Sudanile بعنوان: “دولي والذكاء الاصطناعي: هل تنقذ التشريعات الياقات البيضاء؟”، طرحتُ تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي ستدفع الحكومات إلى التدخل لحماية التوازن الاقتصادي والاجتماعي، لا بدافع أخلاقي فحسب، بل بوصفه ضرورة هيكلية لاستمرار المنظومة.
اليوم، تكتسب هذه الفرضية بعداً عملياً حاداً مع ما شهدته شركة .Block, Inc -المطورة لتطبيقات Square وCash App – من إعادة هيكلة جذرية شملت تقليص قوتها العاملة بنسبة 40%، لتنخفض من 10,000 موظف إلى قرابة 6,000. إن المسألة هنا لا تتعلق فقط بفقدان الوظائف، بل بنوعية التحول؛ فعندما تبدأ المؤسسات التي تقود الابتكار العالمي في إعادة ترتيب احتياجاتها البشرية بهذا الشكل، فإننا نشهد عملية “فك ارتباط” (Decoupling) تاريخية بين نمو الإنتاجية ونمو العمالة.
إن التحول في Block ليس مجرد كفاءة إجرائية، بل هو انتقال من “أتمتة المهام” المتكررة إلى “أتمتة الإدراك”. لقد بدأت الخوارزميات -عبر أدوات داخلية متطورة- في اختراق الحصن الأخير للياقات البيضاء: القدرة على التحليل واتخاذ القرار. هذا التطور يعيد تعريف “القيمة”؛ حيث لم تعد القوة الضاربة للمنشأة تُقاس بعدد عقول موظفيها، بل بكفاءة النماذج التنبؤية التي تديرها. نحن أمام نموذج لشركة “رأسية” تتوسع في الأرباح والخدمات، بينما تتقلص “أفقياً” في حضورها البشري.

في رسالته الأخيرة للمساهمين، وضع مؤسس الشركة ورئيسها جاك دورسي النقاط على الحروف بوضوح يثير القلق والتأمل معاً، حيث قال: “أدوات الذكاء الاصطناعي غيرت تماماً مفهوم بناء وإدارة الشركات.. فريق أصغر بكثير، باستخدام الأدوات التي نبنيها، يمكنه فعل المزيد وبشكل أفضل”. وأضاف بلهجة تحذيرية: “لا أعتقد أننا مبكرون في هذا الإدراك، بل أعتقد أن معظم الشركات متأخرة”.
هذا التصريح يؤكد أن ما يحدث ليس أزمة مالية عابرة، بل هو “إعادة ضبط” فلسفية لهوية المنظمة في عصر الذكاء الاصطناعي.
لم يتأخر “الاقتصاد الرقمي” في مباركة هذا التوجه؛ فبمجرد الإعلان عن هذه القرارات والتحول نحو نموذج “المنظمة المعتمدة كلياً على الذكاء”، قفز سهم شركة Block بنسبة تجاوزت 23% في التداولات اللاحقة. هذا الحماس الاستثماري يعكس قناعة الأسواق بأن المستقبل ينتمي للشركات التي تستبدل التكاليف البشرية المتغيرة بكفاءة خوارزمية ثابتة. ومع ذلك، فإن هذا التفاضل يضع ضغطاً هائلاً على “العقد الاجتماعي”؛ فالمستثمر يبحث عن تعظيم العوائد، بينما تظل الدولة والمجتمع في مواجهة أعباء “الإزاحة الوظيفية” لآلاف الكفاءات.

إن ما يحدث اليوم هو إعلان رسمي عن نهاية مرحلة “التجريب الصامت” للذكاء الاصطناعي داخل الغرف المغلقة. ومع انتقال الأثر من المختبر التقني إلى الهيكل الوظيفي والاجتماعي، يصبح السؤال موجهاً للحكومات: هل ستكتفي بدور المراقب، أم ستسعى لبناء أطر تنظيمية تدير “وتيرة التحول”؟
المقصود هنا ليس تعطيل الابتكار، بل ضمان ألا يتحول الانفجار في الإنتاجية إلى انكسار في التوازن الاقتصادي. إن إلحاح التشريع اليوم هو السبيل الوحيد لضمان أن تخدم “الآلة” المجتمع، بدلاً من أن تعيد صياغته على مقاس أرقام البورصة وحدها.

عن صلاح الدين أبوسارة

صلاح الدين أبوسارة

شاهد أيضاً

من السويدي إلى العالم: ملاحظات على موسيقى العولمة

كنتُ هناك، جوار حديقة السويدي العامة في الرياض السعودية، ليلة السبت الماضي. لم يكن الأمر …