د.عمرو محمد عباس محجوب
كان اول نقاش حول المدنية متعثراً، فقد حدث تاخير في البدء، كما حدث عدم تركيز المساهمين على عنوان المناقشة الأساسي وهو إمكانية او عدم إمكانية التعامل مع الحركة الاسلامية كجزء من القوى المدنية السودانية في المستقبل. مما ادى بنا على الاتفاق ان نخصص اللقاء لإعادة تعريف ماذا نعني بالقوى المدنية. خاصة بعد ان انتقل التضاد بين المدنية والعسكرية كما كان حتى السبعينات، إلى ادخال القوى المدنية كمضاد للقوى الاسلامية والتنافس بينهما على تمثيل المدنية. مما جعل التضاد الأساسي ضائعا ومرتبكاً وملتبساً وادى لتلاعب العسكر والقوى المدنية بكيفية استعادة الديمقراطية خلال حكم الإنقاذ الإسلامي.
قبل الجميع فرضية هذا الالتباس وتبادلوا النقاشات الذي اختلط فيه التاريخ والسياسة والتدخلات المختلفة عبر العقود، والدور الملتبس للمجتمع المدني السوداني الذي ارتبط بالسياسات الإمبريالية واجندة الممولين والإمكانيات الهائلة التي تقدمها والدور المشبوه الذي لعبته في حكومتي حمدوك الاتنين، وماترتب على موقف معظمها خاصة كبرياتها حسب مصادر تمويلها وانضمام معظمها لمعسكر الجنجويد. تم الاتفاق بشكل كامل على أهمية تنقية القوى المدنية من الذي يربط مفاهيمها الملتبسة عبر العقود منذ الاستقلال وديمومة الحكم العسكري لأغلب تاريخ السودان منذ الاستقلال (١٩٥٨-١٩٦٤ و ١٩٦٩-١٩٨٥ و ١٩٨٩-٢٠١٩ واخيرا ٢٠٢١-وحتى الان.
تم الاتفاق بعد مناقشات حادة ومستعرة على العودة إلى التعريف الأساسي الذي يربط القوى المدنية بتضادها مع القوة العسكرية التي حكمت السودان لأكثر من نصف قرن. كل حكم عسكري كان اسوأ من الذي قبله وجرف كل المؤسسات القائمة وحطمها ودمر إمكانيات الوطن السياسية والاقتصادية والاجتماعية وجعلها مكشوفة تماماً للتلاعب والتدخلات والغزو المباشر، لقوى مرتزقة دولية ممولة بالكامل من حلف صهيوأمريكي قاعدته الميدانية المنخرطة بشكل مباشر من الإمارات.
على أساس هذا التعريف فان هذا يؤدي إلى اعادة النظر في مكونات هذه القوى. وقبل النظر في المكونات فقد اتفق المناقشون ان تحصن هذه القوى بسياج يحدد مقوماتها المبدئية. فالقوى المدنية الجديدة -مابعد الحرب- لابد ان ان تلتزم بثلاث سمات: الاعتراف والقبول بالحريات والإيمان بالديمقراطية كنظام للحكم وتداول السلطة واخيراً الالتزام بالسلميّة، اي انها لاتعتمد على السلاح او العنف. اذن مكونات القوى المدنية هي مكونات المجتمع من اتحادات المزارعين والعمال والرعاة والنقابات المهنية والأحزاب والتكوينات المجتمعية بما فيها الحركات المسلحة بعد ترتيبات عودتها للعمل المدني والدمج والتسريح وغيرها. نظرياً تم الاتفاق على ان مكونات الحركة الاسلامية جزء من القوى المدنية لكن الجزء الأساسي كان هو النقاش القادم الذي سيحدد المتناقشون فيه كيف سيتم استيعاب او عدم استيعاب الحركة الاسلامية ضمن التعريف الذي سيصل اليه النقاش حول القوى المدنية. هذا هو محور النقاش القادم ومحتوى المقال الثالث القادم.
من المهم الإشارة ان المتناقشون لم يعتبروا انهم ممثلين او ناطقين باسم القوى المدنية ولايستطيعون تحديد مكوناتها لكنهم يبتدرون المناقشات حولها باعتبار انها المدخل لبناء سودان مابعد الحرب. ورغم تباين مواقف المتحاورين من المكونات المختلفة، فقد تم تجاوزها على اعتبار انها يجب حسمها عن طريق مبادرات تقودها مكونات القوى المدنية نفسها وتضع شروط ومسوغات هذا الاعتبار والتصنيف.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم