محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
في عوالمنا المعاصرة يسودُ اعتقادٌ واهمٌ بأنَّ “الغربة” هي مسافةٌ تُقاسُ بالكيلومترات أو تأشيرةُ عبورٍ تُختم على جوازِ سفر لكنَّ الحقيقةَ الأكثرَ إيلاماً تكمنُ في ذلك النوعِ الخفيِّ من النّزوح؛ اغترابُ الرّوح الذي يسبقُ ارتحالَ الأبدان ويهيئُ الإنسانَ للرحيلِ قبل أن يحزمَ حقائبهُ فعلياً.
يبدأ الاغترابُ حين يشعرُ المرءُ بانفصالٍ قيميٍّ وشعوريٍّ عن محيطه ليس الغريبُ من سكنَ بلداً غير بلده بل الغريبُ من باتت أفكارهُ ولغتهُ الوجدانيةُ “عملةً غير قابلةٍ للتداول” في وطنه الأم هذا التّصحرُ الوجداني ينمو حين تتآكلُ جسورُ التفاهم بين الذّات والآخر وحين تتحولُ الشوارعُ المألوفةُ إلى متاهاتٍ من الوجوه الصّامتة والكلماتِ التي لا تجدُ لها صدى.
إنَّ اغترابَ الروح هو حالةٌ من “الوحشة في الزّحام” حيث يعيشُ الفردُ في قلبِ الجماعة لكنّهُ يقبعُ في زنزانةٍ انفراديةٍ من صنعِ الخيباتِ المتراكمة أو ضياعِ المعنى أو الشعورِ بعدمِ الانتماءِ لمنظومةٍ باتت تفتقرُ للعدالةِ أو الجمال.
الغربةِ دائماً انكسارٌ داخليٌّ في الوطن هذا الانكسارُ يتجلى في فقدانِ الشغفِ بالمشاركة والركونِ إلى الصّمت والشعورِ بأنَّ الوجودَ الشخصيَّ باتَ فائضاً عن الحاجة و عندما يشعرُ المبدعُ أو المفكرُ أو حتى الإنسانُ العاديُّ أنَّ قيمتهُ ليست في “ما هو” بل في “ما يملك” تبدأُ الروحُ في التفتيشِ عن “سماءٍ أخرى” حتى وهي لا تزالُ تحت سقفِ بيتِها.
“إنَّ أصعبَ أنواعِ الهجرة هي تلك التي تحدثُ وأنتَ جالسٌ في غرفتك تشاهدُ وطنكَ يبتعدُ عنك بينما أنتَ ثابتٌ في مكانك”
الرّحيلُ كفعلِ تحصيلِ حاصل
حين يقررُ المرءُ أخيراً أن يرحلَ بجسده يكونُ الأمرُ مجردَ إجراءٍ “بروتوكوليٍّ” لا أكثر فالروحُ قد غادرت منذ أمدٍ بعيد والقلبُ قد ألفَ الفقدَ قبل أن يودعَ الأهل. في هذه الحالة لا تكونُ الطائرةُ أو السفينةُ وسيلةً للهروب بل هي وسيلةٌ للّحاقِ بالذّات التي سبقتنا إلى الضّفةِ الأخرى.
هذا النوعُ من الاغتراب هو الأخطر لأنهُ يخلقُ إنساناً “مهجناً”؛ لا هو استطاعَ التصالحَ مع واقعهِ المر ولا هو سيستطيعُ غداً أن يجدَ السكينةَ في موطنٍ جديد لأنَّ جذورَ الوحشةِ قد تغلغلت في أعماقه.
إنَّ علاجَ اغترابِ الروح لا يكونُ دائماً بالرحيل كما أنَّ البقاءَ لا يعني دائماً الاستقرار إننا بحاجةٍ إلى إعادةِ الاعتبارِ للإنسان كقيمةٍ عليا وبناءِ أوطانٍ تتسعُ للأحلامِ قبل الأجساد فالموطنُ الحقيقيُّ ليس بقعةً جغرافية بل هو المكانُ الذي لا يشعرُ فيه الإنسانُ بالحاجةِ إلى “تفسير” نفسه أو الاعتذارِ عن وجوده.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم