منى مجدى لن تكون آخر المناضلات .. بلقم: كمال الهِدي
25 أكتوبر, 2018
كمال الهدي
37 زيارة
تأمُلات
kamalalhidai@hotmail.com
• نعاني من مشكلة، بل أزمة كبيرة قد لا يشعر بها الكثيرون.
• وحين أقول نعاني لا أقصد بالطبع الحكومة وحدها، بل أعني (كلنا) حكومة ومؤدين ومعارضين ورافضين لهذا الظلم والطغيان.
• فما يصبح علينا صباح إلا ونظهر مناضلة أو مناضلاً زائفاً في زمن غفلتنا هذا.
• (أحدث) المناضلات على صدر صفحات جرائدنا ووسائل تواصلنا الإجتماعي وبيانات منظمات مجتمعنا المدني هي المطربة منى مجدي.
• قلت أحدث المناضلات ولم أقل آخرهن، لأنني أثق في أن صباح يوم غد أو اليوم الذي يليه قد يظهر مناضلة جديدة لم يعرف لها الناس تاريخاً في مناهضة الظلم أو مناصرة قضايا المرأة.
• ( قضايا المرأة) هذا العنوان الجاذب المخيف في آن واحد صار مثل خاتم خطوبة متاح في موقع شائع تلبسه كل من لم يدق باب بيت عائلتها خطيب.
• هو عنوان جاذب لكل من يريد أن يُفرط في (التنظير) واظهار ( تقدميته) المزعومة.
• ومخيف لأننا نجد صعوبة في مخالفته حتى لا يقال علينا ( رجعيين) ( متخلفين) أو ( متواطئين) مع الحكومة.
• قبل أيام تصدرت العناوين وئام، تلك الفتاة التي لم تعرف كيف تعكس قضيتها بطريقة تستحق الاحترام.
• ورغماً عن ذلك وجدت دعماً فاق الحدود من الكثيرين.
• وخرج علينا والدها ليحدثنا عن حرية المرأة في اختيار لبسها والتعبير عن آرائها، متجاهلاً ذلك الانفعال غير المبرر من ابنته وعدم احترامها لرجل في عمر جدها، مهما كانت درجة الاختلاف معه.
• واليوم ظهرت المطربة منى في زي مخجل حقيقة.
• فتجاهله الكثيرون وراحوا يحدثوننا عن القوانين المقيدة للمرأة والظلم الذي يحيق ببنات حواء في السودان.
• لا أحد ينكر بالطبع أن اختيار الملبس من الحريات الشخصية.
• ولا ننفي حقيقة أن حكومتنا الحالية تمارس غطرسة غير مسبوقة وظلماً لا يحتاج لرفع الضوء.
• لكن السؤال: هل تقتصر مشكلتنا في السودان على بعض قوانين مقيدة للمرأة وحريتها في اللبس والتعبير عما تراه؟!
• مثلما نلوم الحكومة في أنها تتخلى عن قضايا الوطن الكبيرة و( تمسك) في مظهر بعض الفتيات وتحاكمهن على ارتداء الأزياء الفاضحة، علينا أن ننتقد أنفسنا على أننا نتلقف من هذه الحكومة وأجهزتها القفاز سريعاً وننصرف إلى أجزاء بسيطة من مشكلتنا الكبيرة.
• هم يريدون إلهائنا بمثل هذه الأمور.
• ونحن للأسف ننصرف لهم عن بكل سهولة عن قضايانا الأكبر.
• فعندما يتفرغ الكثيرون للدفاع عن مطربة ( غفلة) لم تظهر في زي يمكننا من الدفاع عنها في وجه حملات الحكومة المسعورة، نكون قد شغلنا أنفسنا بما لا ينفع ولا يفيد.
• وهو ما يسعد الحكومة أكثر مما يغضبها كما قد نتوهم.
• ثم أن فكرة بعضنا القائلة بأن اللبس حرية شخصية للفرد تبدو منقوصة.
• صحيح أن اختيار المرء لأزيائه أمر يخصه.
• لكن لا تنسوا أن الشخصيات العامة لابد أن تفقد جزءاً من حريتها الشخصية في مقابل الأضواء والصيت الواسع الذي يمنحه لها المجتمع.
• النجم أو النجمة الحقيقة هي من تعرف كيف تلبس ما يعجب الناس.
• ومنى مجدى ظهرت في ذلك اليوم في زي رأيته قبيحاً قبل أن أقف على عدم حشمته.
• ومنذ الوهلة الأولى لمشاهدة تلك الصور، قلت لنفسي ” والله لو كنت مكان أحد الحضور لغادرت مكان ذلك الحفل غير آسف”.
• فالمطربة جاءتهم وكأنها تهم بدخول حمام منزلها.
• لم يكن لبسها محتشماً فعلاً، كما لم يكن جميلا أو جاذباً.
• فلماذا نغض الطرف عن ذلك، ولا نركز إلا على غطرسة الأجهزة الأمنية التي تحاكم الناس على لبسهم وقصات شعرهم!
• ماذا لو طلبنا من شخصياتنا العامة أن تحترم الذوق العام وتتواءم مع الفطرة السليمة قبل أن تذعن للقوانين المجحفة؟!
• لو لبست منى وجدى يومها زياً أنيقاً ومُشرفاً، هل كانوا سيجدون ذريعة لخلق ( قبة من الحبة)؟!
• بالطبع لا.
• فلماذا ننجرف وراء بعض من يريدون أن يوظفوا نزوعنا الدائم للجدل لكي تحظى أو يحظى الواحد منهم بشهرة لا يستحقها؟!
• ألا يفرح ذلك الحكومة أكثر مما يزعجها؟!
• منى مجدى – التي تعدت الأضواء الساطعة شخصها وفنها الضعيف في رأيي، إلى أفراد عائلتها الذين يطلقون التصريحات ويصدرون البيانات هذه الأيام- لا تبدو واعية بما حدث.
• ودليلي على ذلك أنها خلال دقائق معدودة في استضافة لها بإحدى القنوات الفضائية العربية أظهرت عدم استيعابها الجيد لما فُرض عليها ترديده.
• فقد منحوها الفرصة لقول كلمات معدودة، ورغماً عن ذلك كانت تقرأ من ورقة.
• وفي النهاية اكتفت بضحكة غير مفهومة المرامي والأسباب، ولم تقنعنا اطلاقاً بفهم واسع ومتجذر لقضية الحريات أو مناهضة القانون المجحف الذي تحدثت عنه.
• وتفسير ذلك أنها وجدت نفسها فجأة في مقدمة الركب للدفاع عن قضايا وحريات لم تخطر على بالها في يوم.
• كل ما في الأمر أنها تلبس هكذا لأن هذا هو ذوقها.
• أما حكاية حقوق النساء وحرياتهن فهي أمور تبدو أكبر من فهمها.
• لكن عندما وجدت أن المجتمع يمنحها كل هذه المكانة غير المستحقة فكرت في استثمار الفرصة وربما راحت تستعين بمن يكتب لها بعض النقاط لمناقشتها عبر الفضائيات.
• هذا ما استنتجته من واقع حوارها الضعيف في تلك الفضائية.
• ولا أدري لماذا نقحم البعض دائماً في قضايا وأمور أكبر منهم!
• لدينا قوانين مجحفة وظالمة في حق النساء والرجال معاً.
• ولدينا حكومة أفسدت وظلمت وأفقرت وأنهكت وشردت وقتلت الكثيرين.
• لكن لدينا في ذات الوقت نزعة دائمة لخلط الأوراق، وهذا أحد أسباب بقاء هذه الحكومة طوال العقود الماضية.
• وإن استمرينا على هذا النهج فسوف تستمر الحكومة رغم سياساتها الخرقاء لعقود أخرى قادمة.
• فليس بـ ( الجعجعة) وصناعة المناضلين السطحيين تتغير الحكومات الجائرة.
• الغريب أن إعلامنا المناهض للحكومة ووسائطنا ومنتدياتنا ومنظماتنا المدنية والمجتمعية يمكن أن تتفرغ تماماً للدفاع عن مطربة عديمة الذوق في اختيار ملابسها.
• يتصدون للدفاع عنها ليل نهار بحجة أنه ليس من حق الأجهزة الأمنية والرسمية أن تحدد لها ما تلبسه.
• وهذا أمر لا خلاف عليه، فليس من حقهم أن يحددوا لها لبسها.
• لكن من واجبها هي كشخصية عامة ومطربة صارت معروفة للبعض أن تحترم جمهورها وتظهر أمامه بزي جميل ومهذب وراقِ.
• الغريب في الأمر أن ذات الوسائل الإعلامية والجهات والمنظمات والمؤسسات التي تدافع عن زي مطربة وحقها في الاختيار وتهاجم الحكومة في تقييد حريتها الشخصية، لا تبذل جهداً شبيهاً عندما يتعلق الأمر بمنع كتاب مثل شبونة ودكتور زهير عن الكتابة في الصحف الورقية لسنوات!
• أيهم أهم وأشد تأثيراً بالله عليكم؟!
• أن نقاتل من أجل أن تلبس منى مجدى زياً غير راقِ، أم أن نناضل من أجل عودة الأقلام الممنوعة عن ممارسة مهنتها التي تقتات منها؟ !
• يكتب شبونة مقالاً في أي من مواقعنا الإلكترونية فيثني الكثيرون على ما عبر عنه من رؤى واضحة ونقد صريح.
• ويشد البعض من أزره بكلمات قوية ومعبرة.
• لكن ينتهي كل شيء بنهاية قراءة المقال.
• ولا أحد منا أفراداً ومؤسسات ومنظمات وإعلام يسأل: كيف يعيش صحفي تمنعه السلطات من ممارسة المهنة الوحيدة التي يجيدها لسنوات.
• بينما تقوم الدنيا ولا تقعد إن فُتح بلاغ في مواجهة منى وجدى بسبب زيها غير المحتشم.
• ما تقدم ليس تعاطفاً مع الأجهزة الأمنية الجائرة ولا دعوة لقهر النساء، لكنه تذكير بأن قضايانا يفترض ألا تُجزأ بهذا الشكل المخل.
• وأن علينا أن نكون أكثر وعياً في تفويت الفرصة على من يريدون شغلنا، وأن نلقي لهم بالقفاز جانباً بدلاً من التقاطه بهذه السرعة في كل مرة.
• وعلينا أن نسأل أنفسنا قبل الدفاع عن قضايا خاسرة: من الذي أتى بمنى مجدى ومثيلاتها؟!
• أليست هي ذات القنوات التي تصنع ألف مطرب ومطربة كل ساعة لأغراض معروفة؟!
• ألا توجد بيننا مناضلات حقيقيات ذوات فهم عميق لقضية المرأة والقوانين المقيدة لها؟!
• وهل يتطلب التعبير عن قضايا المرأة ارتداء زي غير محتشم أو قبيح؟!
• ألا يمكن أن تكون ( س) من سيدات وفتيات مجتمعنا بثوبها الناصع البياض أو رباط رأسها أو بنطالها الساتر الأنيق مدافعة من الطراز الأول عن حقوق المرأة؟!
• أي مطرب أو مطربة راغبة في توسيع شهرتها تلبس أزياء غريبة أو تأتي بتصرفات عجيبة، وبدلاً من التجاهل والإهمال تجد منا اهتماماً ربما لم يخطر ببالها.
• وأي كاتب يسب الناس ويشتمهم يصبح عندما رقماً كبيراً.
• وأي سياسي لا يملك عقلاً راجحاً تجده يتمدد كل يوم لمجرد أنه يتحفنا دوماً بالعبارات الفظة الغليظة والمفردات القبيحة.
• باختصار نحن قوم لا نريد أن نفهم أن الغرابة والشذوذ عن المألوف صار مطية لبعض الباحثين عن الشهرة وسلماً يصعدونه بكل فخر وزهو ليصبحوا من نجوم مجتمعنا.
• وفي هذا تقصير كبير منا كمجتمع.
• فالمجتمع الذي يكون نجومه مثل هؤلاء الذين يحظون بمكانة كبيرة في سودان اليوم لابد أن يقر ويعترف بمشكلاته ليبدأ في معالجتها.
أجمل الكلمات:
• طالعت منذ لحظات مقالاً للأخ الرائع محمد عبد الماجد بعنوان ” عثمان ميرغني ( قام تاني جاب سيرة البحر).
• أكثر ما أعجبني في مقال ود عبد الماجد كلماته التالية: ” لأني أؤمن أن الصحافة والصحفيين والكتاب الذين ينتقدون الآخرين وينظّرون لهم أولى بالانتقاد واللوم ، ولست معني بما يمكن أن يصيبني من رشاش ، الذي أعرفه انه يجب أن تتوفر عندنا الشجاعة لمواجهة بعضنا البعض فكلنا نحمل شيء من (الجاهلية) يجب أن تصوب وتعدل ، بدلا من التغطي بستار (الزمالة) ، أو (المشي تحت الحيط) ، أو أن نبعد من الشر ونغني له كما يفعل السياسيين.”
• لو أن عشرة صحفيين فقط ضمن من يحظون بمساحات يومية في صحفنا يؤمنون بمثل ما كتبته أخي محمد لانصلح حال صحافتنا وبلدنا عموماً.
• فأكثر ما يحزن أن الكثير من زملاء المهنة يريدون أن ينتقدوا الآخرين، بل ويشتمونهم ويسبونهم أحياناً، لكن إن تجرأ أحدنا وانتقد واحداً من هؤلاء الزملاء- سيما لو كان هذا الواحد ناشراً أو نافذاً – فربما باتصال هاتفي بسيط منه تمتنع بعض صحفنا أو مواقعنا نشر مقالات منتقده.
• وأكثرهم ضعف حيلة يستطيع أن يحرض الزملاء الآخرين ضد منتقده.
• قلت ” من ينتقدون الآخرين أولى بالانتقاد واللوم”!
• يعني تريد من صحافتنا أن تمارس نقداً ذاتياً!
• ده كلام كبير يا أخي ولا تفهمه الكثير من أقلام المصالح الآنية.
• هؤلاء يريدون أن يظهروا في أثواب الملائكة وفي الخفاء يمارسون شيطنتهم.
• جل زملاء المهنة يعتبرون أنفسهم فوق النقد، ويفترضون أن الكل لابد أن يقتنعوا بطرحهم ويؤمنوا بآرائهم.
• لم استغرب حين علمت أن بعض زملاء المهنة يرفضون حتى مراجعة المدققين لمقالاتهم اليومية، بإفتراض أنهم كبار، ولهذا تخرج علينا العديد من المواد الصحفية يومياً بأخطاء لغوية مخجلة.
• فإن كان بعضهم يتغول على حقوق المصححين اللغويين، فكيف نتوقع منهم أن يقبلوا النقد بمعناه الواسع والشامل!
• أكثر ما يساهم في تدهور بلدنا رياضياً وسياسياً واقتصادياً ومجتمعياً هو أن صحافتنا غير جادة في أداء مهمتها ورسالتها المقدسة.
• كل ما في الأمر أن فلاناً وجد فرصتة لأعمدة الصحف الورقية ليتقاضي نظير ذلك مبلغ كذا، فتصبح القصة بالنسبة له مسألة تكسب لا أكثر.
• والمتكسب دائماً يتمتع بحساسية عالية تجاه النقد ولا يقبله اطلاقاً.
• هذا وضع سائد في صحافتنا الرياضية على وجه الخصوص، ولا يعني ذلك بالطبع خلو تخصصات الصحافة الأخرى منه، بلى على العكس.
////////////////////