د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
وصلتني فجر هذا اليوم هذه الرسالة
https://youtube.com/watch?v=X2buUQ8WpPk&si=8Dr9ZGh1dQGxLZ5z
بدون تعليق من زميلي في ثانوية بربر “المستشار الأقتصادي لاحقا” عبدالعظيم الريح الذي أخيراً قد أفاق وبدر يتعافى من تداعيات هول الحرب الدائرة التي قضت على الأخضر واليابس. لم يسلم منها أحد ولا بيت. بعد أن فقد عبدالعظيم في الخرطوم بحري الغالي والنفيس وكل شيء صار النزوح وهجر الديار واجباً بل أمرآً قسرياً، و من شارقة سلطان القاسمي المشرقة وباسمة بدأ كغيره يمسح الغبار النفسي وغيره ليعاود نشاطه ويكتب للناس ما يفيد في جرعات ووصفات إقتصادية جداً مفيدة، إذا وجدت من يقرأ ويستوعب، ثم يستفيد ليطبق فيصلح ما أفسده الدهر. لكن ليس الذكاء الإصطناعي وحده ولا بنك الأفكار التائهة في السماء سينقذ بعصى سحرية وطناً كبيراً مترامي الأطراف كالسودان من ورطته المعقدة تراكمياً و أيدولوجياً ، بدون وجود عقل مفكر راشد يتمتع بالذكاء والحكمة فيختار وينفذ ما يصلح بنزاهة وشجاعة متناهية وصدق بعد دراسات وبحوث علمية تؤدي إلى خلق و بلورة قوانين وبروتوكولات أسس سياسة نموذجية تحقق إدارة الدولة السليمة بدون ميول أو مجاملة لأحد أو قبيلة أو إقليم على الآخر، لتحقق “الحرية والسلام والعدالة المنشودة ” و رفع شعار “نار الله الموقدة ضد كل فاسد أو خائن للوطن”. تحقيق ذلك يعني مولد بذرة النمو الواعي الواعد الذي ينشده كل مواطن نزيه عاقل. هذا الشخص يجب كذلك أن يتمتع بطاقة ديناميكية وبنكاً رصيده من مخافة الله لا ينضب، الوضع عندما يكون مجتمعياً ركيكاً في تركيبه يحتاج كذلك إلى إصلاح جذري وإلا سوف ينهار بناؤه . الذكي المصلح لا يحتاج لقوة سلاح فتاك ليبسط سيطرته ، بالعكس قد يكون في شخصه نحيلاً و متواضعاً أو حتى من ذوي الإعاقة لكن بنعمة عقله الذكي قد يكون معجزة تحير العلماء والأذكياء. خير مثال لذلك أذكره هنا العالم الإنجليزي الفيزيائي المشهور ستيفن هوكينز الذي شاهدناه جسداً نحيلاً مشلولاً يتحرك بواسطة كرسي كهربائي ويتحدث بمساعدة جهاز يخرج الكلمات في رنين ليس من السهولة إستيعابها لكنه كان يتمتع بعقل كبير، يدرس في الجامعات البريطانية المشهورة أوكسفورد وكيمبرج ويؤلف وكان لا يقل شهرة عن إينشتاين في تنظير الفيزياء وعلم الكونيات من مجرات وثقوب سوداء …..إلخ (مات قبل سبعة أعوام (
شكراً عبدالعظيم بعيداً عن التنظير الفلسفي لقد عدت بي بهذه القصيدة إلي الوراء عقوداً من الزمن الذي كم كان وقتها بكراً يافعاً “في إحساسنا وتفكيرنا ” لكن سرعان ما أدركته الشيخوخة المذهلة نتيجة فشلنا وفشل ما يحمله الكثيرون من شهادات علمية وسنين خبرة. ولا ألوم نفسي وحدها أو فرداً معيناً بل ألوم كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم السودان منذ الإستقلال وحتى يومنا هذا لأنها بطشت، فكتمت الأفواه، وكتفت الأيدي وركزت على تحقيق وتأمين مصالحها . كلهم فاشلون للأسف والحقيقة المرة هي اليوم معروضة مرآة كاشفة يتفرج علي شاشتها العالم من حولنا. مقالكم الأخير على سودانايل عن إتفاقيات الإستثمار في السودان جداً محبط بل كيفية و تفاصيل إبرامها مخجل ومجحف بحق الوطن والمواطنين وأجيال ستأتي. لو كنت رئيساً اليوم لقمت بإلغاء كل تلك العقود وتأميم أي مشروع بني سمته على ضلال وسأملكه للدولة “ودع المواطن يفرح ويشمر يقول الرهيفة التنقد” فيدافع عن حقوقه . سأقاضي كل من له ضلع في تصديق تلك الإتفاقيات، لا كبير أمام القانون. وكما تفضلت أنت عوائد أي إستثمار يجب أن ينعكس إيجاباً على كل مواطن في السودان قاطبة و على كل مناطق تلك المشاريع “من زراعة وتعدين وصناعة وتصدير …….إلخ”
عزيزي، مرة أخرى ومع ذكر شاعر المهجر إليا أبوماضي تجدني أنا هنا “أكفف دمعتي” مع شاعر السودان حسن عوض أبوالعلا رحمه الله من شدة الحزن على حالنا اليوم الذي يغني عن سوالنا.رسالتك التي بعنوان المساء ذكرتني أيام كنا نحن في الصف الثاني في حصة العربي مع أستاذنا الراحل رحمة الله عليه ، حسب الرسول خير السيد. لو تتذكر كان معجباً بصوت حنجرة أخينا الطالب عصمت حسين عبدالصمد ، حفظه الله ورعاه إن كان على قيد الحياة وغفر له حياً وميتاً إن كان في عالم آخر، كان يطلب منه قراءة تلك القصيدة “المساء” نهاية كل حصة في بلاغة الغة العربية . ليته أيضا لو كان قد طلب منه أن يقرأ قرآنا أو ينشدها بلحن يطابق درجات حنجرته الإستريوفونية لعله يبدع فيطرب ! كانت كلها أيام جميلة مرت سريعة كلحظة عابرة في عمر زماننا القصير. رحمة الله ومغفرته تعمهم كلهم أساتذتنا وزملاءنا وأصدقاءنا الذين رحلوا والشفاء لمن يستشفي منهم
بمناسبة أن شاعر القصيدة إليا أبوماضي من شعراء المهجر تذكرته أول مرة أذهب فيها إلى الولايات المتحدة الأمريكية و كان ذلك في منتصف التسعينيات بالتحديد في سانديغو بكاليفرنيا. قدمت حديثا كان ورقة بحث في أول مؤتمر عالمي يقام في مجال علاج قصور الكلى بغسيل الدم المستمر الذي كان جديد الإكتشاف والتجريب وحديث العصر Continuous Renal Replacement Therapy (CRRT)
كان معي من جامعة أوبسالا من نفس القسم زميلي دكتور جورج متري المصري الذي قدّم ورقة عن تعامله مع جهاز ال bioimpedance يساعد في دراسة وتحديد الوزن الجاف لمراجعي غسيل الكلى . نزلنا في الفندق العريق المشهور وقبلة السياح حتى يومنا هذا Hotel Coronado San Diego – Coronado San Diego Hotels
الذي يقع مباشرة على رمال ساحل الباسفيك . تفتخر إدارة الفندق المبني من الخشب أنه منزل الرؤساء الأمريكيين وصورهم كانت معلقة على الجدران أبرزهم كان الأنيق الجنتلمان السيد كلنتون. كان عندي مفهوماً غير صحيح صححني فيه زميلي المسيحي المصري بأن إيليا مسيحي لبناني الأصل ولم يكن يقطن في كاليفورنيا بل في نيويروك حتى مات فيها. كنت أعتقد أنه مسلم وهاجر إلي كاليفورنيا. كنا نتحدث كسياح خلا تلك الساعة ونحن نرقب مغيب الشمس المهيب بلونه الذهبي الكاسح على وجه المحيط العريض الممتد، جميلاً كلون الذهب فجعل وجودنا جميلا، فتذكرت تلك القصيدة العصماء وذكرتها للدكتور جورج الذي فاجأني بأنه كان يحفظ كثيرا منها عن ظهر قلب.
عودة لبربر ، كان للأخ مولانا السر سعد مداخلات جميلة معي قبل أغلاقي الواتساب عن ذكريات المدرسة الثانوية و بعدها عن أيام عمله قاضياً في محاكم العاصمة المختلفة وكثيراً ما كان يسألني إن كان لديَّ أي معلومة عن وجود زميلنا عصمت الذي كان يتوقع له مستقبلاً عظيماً لكنه اختفي وسط الزحام . وكان مولانا يذكرك دائماً “إبن خالتي” بالخير ويعدد لي قصصاً مختلفة بعضها مع فنانين ونجوم مجتمع مثل أبوداود ودكتور عوض دكام رحمهم الله وغيرهم تتعلق بمشاكل السودان والفساد الذي يتعرض له الناس فينتهوا عنده في المحاكم ليقضوا أجل حاجاتهم . إقترحت على مولانا السر أن يتشجع ويكتب لينشر تلك الذكريات التاريخية وتوثيقية ” بدون ذكر أسماء ” في نفس الوقت لأنها تبرز صوراً حقيقية لواقع معاش وإن كان خلف ستار الهروب من نشره ب”خليه سر بيني وبينك”.
نعم الصحبة كنتم وكانت دفعتنا تلك المباركة ومتميزة قد توجت بالنجاحات، لكن أهلنا ناس بربر كعادتهم ” مثل البربر في شمال أفريقيا، أشدّاء ،الكبير عندهم فقط هو الله ” لا يفتخرون بإنجازات أبنائهم وإن صعدوا وبلغوا الثريا. لأن لتلك المدينة من الرجال الذين كان لهم شأن وبصمات تركت في نهضة هذا الوطن خاصة في مجال التعليم بجميع أنواعه ومراحله المختلفة وفي الإقتصاد والتجارة والزراعة والصناعة والطب والفنون و إدارة البنوك و القوات المسلحة ووزارة الداخلية والسكة الحديد وفي السياسة والنقابات ، برغم ذلك الملاحظ أنهم لم يتحيزوا لمدينتهم فلم يقدموا لها أي خدمة محاباة ليذكرون بها بل هجروها فظلت مهمشة وتفرقوا هم في مدن السودان المختلفة شرقاً وغرباً وجنوباً لا فرق. هذا يدل على أمانتهم وإلا كان حال هذه المدينة التاريخية المنسية عبر كل الأنظمة غير و لتحولت إلي عاصمة ثانية في السودان. الناس يتحدثون عن الراحل الدكتور عبدالرحيم أحمد حمدي وما أدراك ما فعله من لخبطة بالإقتصاد…إلخ، دعنا من ذلك إن كان صحيحاً أم كذباً عليه “رحمه الله” هو بين يدي الله ، كان بإمكانه تشييد بنك في تلك المدينة وهو من أبنائها ومثله كثيرون ولم يفعل. على كل نقول هذا حظك يا مدينة بربر وحظك يا مدن أخرى في هذا السودان العظيم “الغني الفقير المُعَنّى”، مثلك قتلها التهميش لتنمو مدن أخرى . وبعض النمو يشبه نمو “الطفيلي” الذي يمتص غذاء الإنسان من أمعائه التي يسكنها بدون إذن أو موافقة منه .
اليوم للأسف يا عبدالعظيم توجد مشاكل تذهل وتروع تحدث ليس في السودان وحده بل في بلاد أفريقية وآسيوية ، و أعين الضعفاء من المواطنين شاخصة تترقب في ذهول حدوث المزيد من ما سيفاجئ به المجهول ، و نظل نحن الشيوخ والأطفال من وسط الركام و في عتمة الغياهب وتعاظم الأخطار نتعثر نتحسس الطرقات للخروج بأمان إن كان ذلك ممكنا. دعنا أخي قبل مغادرة دار إليا وقبل أن يدركنا مساء آخر نسأل سلمى “حدثينا بل حدثي الدنيا كلها بماذا كنت تحلمين”. بالله حدثينا،فقد ولى المساء واصبحنا والله نعاني من الإحباط بعد أن مستنا كروب مسّهن أليم “فهل من فرج قريب”؟
تحياتي
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم