من “أوكامبو تحت جزمتي” إلى شيطنة مسعد بولس… متاهة الجنرال الذي استهلكه الكتاب القديم

إبراهيم برسي
zoolsaay@yahoo.com

لا شيء يكشف عجز السلطة أكثر من إصرارها على قراءة العالم من الكتاب القديم نفسه…

تاريخ من الفشل العسكري والمؤسسي، وإعادة تدويرٍ للنفايات القديمة بالأدوات نفسها، وانتظار نتائج مختلفة…

في بلدٌ يتساءل فيه الناس – همسًا – إن كان ما زال فيه رجلٌ رشيد.

هكذا يبدو السودان اليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود من المراهقة السياسية الممتزجة بالقمع والاستبداد. لا يزال الجنرالات يظنون أنّ السلطة امتداد للرتبة، والإسلاميون يعتقدون أنّ البلاد ملكية خاصة لخطاب عقائدي متخشّب.

نشبت الحرب ثم ضاعت الدولة وتكرّر الخراب… ومع ذلك ما زالوا يقرأون من الكتاب القديم نفسه.

هذا الكتاب ليس نهجًا سياسيًا ولا نظرية في الحوكمة، وانما عقلية بلا أفق ولا فكرة. عقلية تعلّمت أن ترى الداخل عدوًا، والخارج متآمرًا، والمجتمع كتلة يجب ضبطها لخدمة أجندتها الراديكالية…

ومن يتأمّل تاريخ المؤسسة العسكرية منذ تأسيس “قوة دفاع السودان” في عشرينيات القرن الماضي، سيلاحظ أنّ الجيش كان – في بنيته الأولى – أداة استعمارية لضبط الداخل لا لحماية الحدود. وحين تسلّم الإسلاميون مقاليد الحكم في ١٩٨٩ لم يفعلوا سوى إحياء تلك البذرة القديمة ومنحها خطابًا جديدًا. وهكذا صار الجيش ذراعًا أيديولوجيًا… جهازًا تربّى ضباطه على أن الولاء “غنيمة”، والانضباط “طاعة”، وأنّ حماية النظام أولى من حماية الوطن والمواطن.

ولأن التاريخ – في السودان – لا يمشي إلى الأمام بل يدور في دوائر لا تُفضي إلا إلي نفسها، وصل الجنرالات اليوم إلى النقطة ذاتها التي انتهى إليها البشير قبيل سقوطه: عزلة خانقة، خوف وجودي، وشهوة للسلطة تُعمي عن رؤية الخراب الكبير الذي يتكاثر من حولها. ومع ذلك يواصلون قراءة المشهد من الكتاب الذي كتبه الترابي، لا من الكتاب الذي كتبه الشارع في ديسمبر… ومن هنا تبدأ المأساة.

منذ المواجهة الأولى بين النظام والمجتمع الدولي في ملف دارفور، حين خرج لويس مورينو أوكامبو إلى العلن بملفات الاتهام، لم يرَ الإسلاميون في ذلك لحظة مساءلة ولا فرصة أخلاقية لإصلاح المسار، بل رأوه “مؤامرة تُدار من الخارج”. وعندما أصدر أوكامبو مذكرته الشهيرة في مارس ٢٠٠٩، ردّ البشير بعبارته الشهيرة ايضاً “قرار أوكامبو تحت جزمتي”، وهي العبارة التي كشفت أكثر مما أخفت: عقل سياسي عقيم يختزل المجتمع الدولي والعالم في موظف أممي يؤدي عمله، ويختزل الجريمة في نبرة تحدٍّ ونعرة كاذبة… وليست في سؤالٍ قانوني أو أخلاقي علي الأقل .

وحين ننظر إلى مسار الحرب منذ أبريل ٢٠٢٣، نرى أن العالم لا يواجه أزمة سودانية واحدة، بل ثلاث أزمات متداخلة: أزمة جيش لا يعرف معنى الدولة، وأزمة إسلاميين لا يعرفون معنى الزمن، وأزمة مبعوثين يتغيرون بينما تظل الرواية نفسها. ولهذا يصبح السؤال: ماذا بعد أن استُنْفِد الكتاب القديم؟ وهل يملك الجنرالات القدرة على قراءة صفحة جديدة في كتاب آخر؟

الاجابة الأقرب إلى الحقيقة… لا.

ليس لأن التاريخ مغلق، بل لأن الوعي مغلق. فالرجل الذي يقود الجيش اليوم لا يرى إلا ما يريد الإسلاميون أن يروه… ولا يسمع إلا ما يجعل ظله أطول من حجمه… ولا يفكر إلا بما يؤجّل سقوطه يومًا آخر. وهكذا يصبح كل مبعوث – من أوكامبو إلى مسعد بولس – ليس تهديدًا لسيادة السودان، بل تهديدًا لسلطة واحدة: سلطة لا تعرف أن العالم تغيّر وأن البلاد لم تعد ساحة للمناورات القديمة.

السودان اليوم يحتاج إلى جيش جديد… لا مجرد جنرالات جدد. ويحتاج إلى وعي سياسي خارج معادلة “الخصم الدولي”… ويحتاج إلى شجاعة تقول للكتاب القديم ما لم يقله أحد منذ ثلاثة عقود: انتهى.

ولا يمكن للبرهان – مهما ارتدى من نجوم ورتب – أن يحقق “حلم أبيه”، لأنه تحالف مع الذين يكتبون أحلامهم على جدارٍ لم يبق منه سوى الرماد. ولن يستطيع الإسلاميون تحقيق ما يريدون لأن الزمن الذي صنع دولتهم قد انقضى… ولأن الخراب الذي زرعوه صار أكبر مما يمكن ترقيعه أو إخفاؤه أو تبريره.

إنّ السؤال الآن ليس عن الجنرالات… بل عن الشعب الذي سينهض من تحت الركام، وعن دولة تنتظر أن تُكتب من جديد… صفحة لا يكتبها أوكامبو ولا مسعد بولس… بل يكتبها السودانيون حين يخرجون أخيرًا من هيمنة هذا الكتاب القديم.

هذه الذهنية هي نفسها التي ورثها الجنرالات اليوم. كلما تقدّم مبعوث أممي أو دولي بمسودة، رأوا فيه “خصمًا” لا وسيطًا، وعدوًا لا شريكًا في الحل. فعلوها مع فولكر بيرتس حين اتهموه بأنه “تجاوز تفويضه” وصوّر الإجماع الوطني بما يضرّ الجيش. وفعلوها مع ممثلي الاتحاد الأفريقي في ديسمبر ٢٠٢٢. وفعلوها الان – بأعلى درجات الهياج – مع مسعد بولس، حين صوّروه كأنه مدير لمسرحية تُقصي الجيش وتُبقي الميليشيات.

لكن الحقيقة – كما يعرفها كل مراقب – ليست في المبعوثين، بل في فشل الجيش والإسلاميين في فهم ما يجري… فهم التحولات العميقة التي أصابت المجتمع بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨… فهم المتغيرات الإقليمية في الخليج والقرن الأفريقي… وفهم أنّ العالم لم يعد يقبل الروايات البالية التي ارتبطت بخطاب الخرطوم منذ التسعينيات.

كل مبعوث – من أوكامبو إلى فولكر إلى مسعد بولس – لم يكن سوى مرآة. لكن الجنرالات بدلًا من النظر إلى أنفسهم فيها، يكررون الخطابات الممجوجة التي ردّدها البشير من قبل، ويتعاملون كالثور في مستودع الخزف.

عندما وصل مسعد بولس إلى الطاولة، كان قد مضى على الحرب قرابة العامين، وكانت الأطراف الدولية تبحث – أو تتظاهر بالبحث – عن مخرج يُنقذ ما يمكن إنقاذه. قدّم الرجل مسودةً فيها ما فيها… لكنها بالتأكيد لم تكن أسوأ من الحرب نفسها. رفضها البرهان فورًا ووصفها بأنها “أسوأ ورقة في التاريخ الحديث”، واعتبرها “تستهدف حلّ الجيش وتمكين الميليشيات”. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: ليست الورقة… بل الخوف. الخوف من التفاوض، الخوف من التنازل، الخوف من أن يشعر الإسلاميون في الظلّ بأن الرجل لم يعد “على الخط”، وأنه بدأ يبحث عن نافذة ينجو منها وحده.

فالبرهان، منذ بروز نجمه بعد سقوط البشير، لم يكن سوى واجهة لمعركة أعمق: معركة الإسلاميين من جهة، ومعركة الجنرالات الباحثين عن حماية ذاتية من جهة أخرى. ظلّ الرجل يتحرك داخل هذا المثلث: الخارج الذي يريد وقف الحرب، الداخل الذي يريد السلطة، والإسلاميون الذين يريدون استعادة دولتهم المفقودة…

وكلما اشتد الضغط ضاق أفقه أكثر… وصار أكثر تمسكًا بعباءة “الكيزان” الذين يعرفون جيدًا كيف يوظفون خوفه.

الإسلاميون – من جهتهم – لم يسامحوا البرهان يومًا على لحظة “التصالح” القصيرة مع قوى الثورة. وهم يدركون أن بقاء الجيش في السلطة هو فرصتهم الوحيدة لإعادة تدوير نفوذهم. ولذلك يحاصرونه بخطاب مزدوج: خطاب ديني–وطني، وخطاب سياسي–أمني. وهكذا يجد البرهان نفسه غير قادر على اتخاذ قرار خارج هذا التحالف الخفي… التحالف الذي يمنحه شرعية زائفة تمكّنه من مطاردة “حلم أبيه ” الذي خنق أحلام شعبٍ بأكمله.

ومن سوء حظه أن الإسلاميين يستخدمونه – كما استخدموا غيره – لتحقيق ما لا يمكن تحقيقه: حلم العودة إلى ما قبل ديسمبر… حلم “التمكين” الذي سقط ولن يعود… حلم “دولة العقيدة” التي أثبتت فشلها الأخلاقي والسياسي والاقتصادي. وكلما ازداد انسياقه خلف هذا المشروع، ازداد سقوطه… لأن المشروع نفسه لم يعد يصلح لإدارة قرية، دعك من وطنٍ مشرذم كالسودان.

لكن لماذا يكرر الجنرالات الخطأ ذاته؟ ولماذا يصرّ الإسلاميون على الكتاب ذاته؟

الجواب بسيط ومعقّد في آن: غياب الخيال السياسي.

فالأنظمة التي تخاف التغيير لا تُنتج معرفة، بل تُنتج قوالب. والجنرالات الذين يقفون على أرض مفخخة لا يُنتجون تفكيرًا، بل يُنتجون ردود فعل. ولهذا يبدو السودان – في نظر العالم – بلدًا يكرر خطأه بنبرة أعلى… بلدًا يقاوم المستقبل لأنه يخشى الاعتراف بأن الماضي مات.

إنّ شيطنة المبعوثين ليست سياسة… إنها اعتراف بالعجز. والبحث عن “عدو خارجي” ليس تحليلًا… إنه هروب من الذات. ولذلك كلما أعلن الجنرالات “رفضًا” جديدًا لمبادرة جديدة، كانوا في الحقيقة يعلنون شيئًا واحدًا: أنهم غير مستعدين لإعادة تعريف أنفسهم خارج العباءة التي ارتدوها منذ يونيو ١٩٨٩.

عن إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شاهد أيضاً

ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.com في أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، ومع تدهور الريال إلى مستويات قياسية أمام الدولار، دخل …