علاء خيراوي
khirawi@hotmail.com
حين يقرّ الدكتور عبد الله حمدوك، دون مواربة، بأن “أكبر خطأ حصل في الوثيقة الدستورية هو موضوع الشراكة مع العسكر”، فهو لا يستدعي الماضي بوصفه ذاكرة شخصية، بل يضع التجربة الانتقالية السودانية كلّها أمام محكمة الوقائع. هذا التصريح لا يأتي من هامش النقاش، بل من قلبه، ومن الرجل الذي وُضعت باسمه آمال الانتقال، ثم أُجهضت تحت ثقل الشراكة التي تحوّلت من مخرجٍ مؤقت إلى فخٍّ تاريخي.
ففي هذه الجملة القصيرة، تنكشف حقيقة ظلّ كثيرون يتحاشون قولها صراحة؛ لم يكن الخلل في التفاصيل، ولا في ضعف الأداء المدني وحده، بل في الفكرة المؤسسة نفسها، فكرة تقاسم السلطة مع مؤسسة لم تؤمن يومًا بالتحول المدني، ولم تتعامل مع الوثيقة الدستورية إلا كقيدٍ مؤقت ينبغي كسره عند أول فرصة. ومن هنا، يصبح تصريح الدكتورحمدوك ليس اعترافًا فرديًا، بل شهادة سياسية على أن الشراكة مع العسكر لم تُنتج انتقالًا، بل مهّدت لانقلاب، ثم لحرب.
بهذا المعنى، لا يصلح هذا التصريح ليكون خاتمة مراجعة، بل يجب أن يكون مدخلًا صارمًا لإعادة تعريف الطريق كلّه؛ طريق لا تُعاد فيه الأخطاء تحت مسميات جديدة، ولا تُستعاد فيه الأوهام بذريعة “التعلّم من التجربة”، بل يُبنى على قطيعة واضحة مع كل ما قاد إلى الانقلاب والخراب. من هنا يبدأ هذا المقال؛ من جملةٍ قيلت أخيرًا بوضوح، بعد أن دفعت البلاد ثمن غيابها دمًا ودمارًا.
لم يكن انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١ حدثًا مفاجئًا ولا زلزالًا سياسيًا عابرًا، بل كان تتويجًا لمسارٍ كامل من التآمر المنهجي على الانتقال المدني، بدأ منذ اللحظة الأولى التي قَبِل فيها العسكر الشراكة بوصفها قيدًا مؤقتًا لا التزامًا مبدئيًا. في ذلك الصباح، أطاح الجيش بالحكومة الانتقالية، واعتقل رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك وعددًا من الوزراء والقيادات المدنية، وعلّق العمل بالوثيقة الدستورية، واضعًا البلاد رسميًا خارج أي إطار دستوري أو سياسي مشروع. في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، لم يقدّم العسكر مشروعًا بديلًا للحكم، بل فراغًا مقصودًا. أُغلقت الجسور، قُمعت التظاهرات السلمية، وسقط الشهداء منذ الأيام الأولى، في رسالة واضحة؛ ما أُخذ بالقوة لا يُناقش بالسياسة. وفي نوفمبر ٢٠٢١، حاول الانقلابيون كسب الوقت عبر خطاب “تصحيح المسار”، بينما كانت آلة القمع تعمل بلا هوادة، وتتحول الشوارع إلى ساحات اختبار للرصاص والغاز والاعتقالات.
في ٢١ نوفمبر ٢٠٢١، وُقّع ما عُرف بـ”الاتفاق السياسي” بين العسكر و الدكتور حمدوك. لم يكن ذلك الاتفاق استعادة للانتقال، بل محاولة لتجميل الانقلاب بواجهة مدنية. لم يُعد الجيش إلى ثكناته، ولم تُرفع يده عن القرار، ولم تُحاسَب أي جهة على الدم الذي سال. ومع استمرار القتل في المواكب، فقد الاتفاق ما تبقى له من شرعية شعبية، واستقال الدكتور حمدوك في ٢ يناير ٢٠٢٢، مُعلنًا عمليًا فشل أي وهم بإصلاح الانقلاب من داخله. منذ يناير ٢٠٢٢ وحتى نهاية العام، حكم العسكر بلا حكومة مدنية حقيقية. لم تُقدَّم ميزانية شفافة، لم تُعالج الأزمة الاقتصادية، ولم تُستعد علاقات السودان الدولية التي انهارت عقب الانقلاب. في المقابل، تصاعد القمع بصورة اكثر وحشية؛ لجان المقاومة تُستهدف، الصحافة تُخنق، والاعتقالات التعسفية تصبح أداة حكم يومية. كان ذلك عامًا كاملاً من إدارة الفشل بالقوة، لا بالسياسة.
في ٢٠٢٢ أيضًا، بدأ التناقض داخل المعسكر العسكري نفسه يطفو على السطح. الشراكة الهشة بين الجيش وقوات الدعم السريع تحولت إلى تنافس مكتوم على السلطة والموارد. لم يعمل العسكر على توحيد السلاح تحت قيادة مدنية، كما نصت أي عملية انتقال حقيقية، بل تركوا الدولة رهينة لتوازنات ميليشياوية خطيرة، مؤجّلين الانفجار بدل معالجته. مع بداية ٢٠٢٣، دخل السودان مرحلة أخطر. المفاوضات السياسية التي جرت تحت مسمى “الاتفاق الإطاري” لم تُستكمل ببناء مؤسسات مدنية حاكمة، بل ظلت معلّقة بين ضغوط دولية ومناورات عسكرية داخلية. وفي ١٥ أبريل ٢٠٢٣، انفجر الصراع المسلّح بين الجيش والدعم السريع في قلب الخرطوم، ليتحوّل الانقلاب السياسي إلى حرب شاملة.
منذ ذلك التاريخ، لم يعد السؤال عن الانتقال الديمقراطي فقط، بل عن بقاء الدولة نفسها. العسكر، الذين استولوا على السلطة بحجة “حماية البلاد من الحرب الأهلية”، قادوها إلى حرب شاملة دمّرت العاصمة، وشرّدت الملايين، وفتحت أبواب الجحيم في دارفور وكردفان والجزيرة. لم تكن الحرب قضاءً وقدرًا، بل النتيجة المنطقية لانقلاب كسر التوازن المدني، وترك السلاح بلا رقابة سياسية. في ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، تهاوت مؤسسات الدولة تباعًا. انهار الاقتصاد، توقفت الخدمات، والمجتمع الدولي تعامل مع السودان بوصفه ساحة نزاع لا دولة ذات سيادة. كل ذلك حدث بينما العسكر يتبادلون الاتهامات، دون مساءلة، ودون اعتراف صريح بالمسؤولية التاريخية.
الخلاصة التي لا تحتمل المواربة أن ما فعله العسكر منذ انقلابهم على حكومة حمدوك ليس سلسلة أخطاء منفصلة، بل مشروعًا متكاملًا لإجهاض التحول المدني. الانقلاب، ثم الاتفاق الصوري، ثم الحكم بلا شرعية، ثم الحرب، كلها حلقات في سلسلة واحدة. ومن هنا، فإن أي حديث عن مستقبل سياسي للسودان لا يبدأ من قطيعة كاملة مع هذا المسار، ولا يضع مبدأ “لا شراكة مع العسكر” كقاعدة غير قابلة للتفاوض، هو حديث عن إعادة إنتاج الكارثة لا عن تجاوزها. التاريخ القريب كافٍ كشاهد. والدم الذي سال أكثر من كافٍ كحُجّة.
فحين يقول الدكتور عبد الله حمدوك صراحة، “أكبر خطأ حصل في الوثيقة الدستورية هو موضوع الشراكة مع العسكر، عشان كدة نحن بنتعلم من أخطاءنا ونخلق مسار ما فيهو شراكة مع عساكر تاني” فهو لا يقدّم مجرد تقييم متأخر لتجربة فاشلة، بل يضع من حيث لا يحتمل التأويل يدَه على الجرح الذي نزف منه السودان حتى تحوّل إلى حربٍ مفتوحة وخرابٍ شامل. هذا الاعتراف، في جوهره، إدانة سياسية كاملة لمسارٍ بُني على حسن الظن في مؤسسة لم تُخفِ يومًا طبيعتها الانقلابية. فالشراكة التي وُقّعت باسم “الضرورة” و”التوازن” لم تكن خطأً تقنيًا في نصٍّ دستوري، بل خطأً بنيويًا في فهم طبيعة السلطة، وفي تقدير علاقة السلاح بالسياسة. وما تلاها من انقلاب، وقمع، ثم حرب، لم يكن انحرافًا عن تلك الشراكة، بل نتيجتها المنطقية.
لكن خطورة اللحظة لا تكمن في الماضي، بل في كيفية التعامل مع هذا الاعتراف اليوم.
فالتعلّم من الأخطاء لا يكون بإعادة صياغتها لغويًا، ولا بإبدال المسميات، ولا بابتكار “مسارات وسط” تُبقي الباب مواربًا أمام العسكر بحجج جديدة. التعلّم الحقيقي يبدأ حين يتحوّل الاعتراف إلى قاعدة حاكمة؛ لا شراكة، لا وصاية، لا تفاوض على جوهر السلطة مع من يملك السلاح خارج الإرادة المدنية. إن المسار الذي حدد فيه الدكتور حمدوك مبدأ عدم مشاركة العسكر في المستقبل، ليس شعارًا تعبويًا، بل شرط وجودي لأي حديث جاد عن دولة. فالدولة لا تُبنى بنصوص تُوقّع تحت فوهة البندقية، ولا تُدار بتوازنات الخوف، ولا تُحمى بمن انقلبوا عليها مرارًا. الدولة تُبنى حين يُعاد السلاح إلى وظيفته الطبيعية، ويُعاد القرار إلى أصحابه الشرعيين؛ المدنيين. من هنا، فإن قيمة هذا التصريح لا تُقاس بجرأته، بل بما سيترتب عليه. إمّا أن يكون بداية قطيعة تاريخية مع وهم “الشراكة الممكنة”، وإمّا أن يُضاف إلى أرشيف الاعترافات التي جاءت بعد فوات الأوان. السودان لم يعد يحتمل مراجعات رمزية، ولا بيانات ندم بلا ضمانات. ما يحتاجه اليوم هو وضوح قاسٍ، وخط فاصل لا يُمسح، ومسار لا يُساوم. هذه ليست لحظة مجاملة سياسية، بل لحظة امتحان. امتحان للثبات، لا للخطاب. وامتحان للإرادة، لا للنوايا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم