من البوت(BOT) العسكري إلى البوت(BOT) الاقتصادي: حين ينهض الأسد الأفريقي بين نظرائه ويعيد رسم معادلة القوة
لم يعد نظام البوت(BOT) البناء والتشغيل ونقل الملكية مجرد نموذج تعاقدي لتمويل وتنفيذ المشروعات، بل أصبح إحدى الأدوات التي يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة ورأس المال الخاص, فالفكرة لم تعد أن تنتظرمن الدولة توفر السيولة حتى تبني أو تعيد البناء، وإنما أن تبحث عن مشروعات تستطيع جذب رأس المال، وتوليد إيراداتها، واسترداد تكلفتها من خلال التشغيل، ثم تعود ملكيتها إلى الدولة في نهاية الفترة المتفق عليها. وإذا كان هذا النموذج قد ارتبط في بعض التجارب بالمشروعات الاستراتيجية والحساسة، فإن التحدي الأكبر اليوم هو نقله إلى فضاء الإعمار والتنمية وصناعة الثروة.
وفي السودان، تبدو هذه الفكرة أكثر من مجرد خيار تمويلي؛ إذ يمكن أن تشكل جزءًا من الإجابة عن السؤال الأصعب في مرحلة ما بعد الحرب: كيف نعيد بناء بلد يمتلك أصولًا وإمكانات ضخمة، بينما تعاني الدولة من محدودية الموارد والسيولة؟ فالسودان لا يبدأ من الصفر؛ فهو يمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا ففهو يعد قلب ومدخل افريقيا، وساحلًا على البحر الأحمر، وأراضي زراعية واسعة، وثروة حيوانية، وموارد معدنية، وموانئ، فضلًا عن مجالات واعدة في الطاقة والنقل واللوجستيات والتصنيع الغذائي والمشكلة في جوهرها، ليست في غياب الإمكانات، وإنما في القدرة على تحويل هذه الإمكانات من ثروات كامنة إلى أصول اقتصادية منتجة وذات قيمة بمعني اوضح ومن أصول غير مستغلة إلى تدفقات نقدية مستدامة وهنا يمكن لنظام البووت(BOT) أن يقدم معادلة مختلفة؛ بحيث يدخل رأس المال الخاص والخبرة الفنية والتكنولوجيا إلى المشروع، بينما يعتمد المشروع، في جانب من قدرته على الاستدامة، على الإيرادات التي يولدها من التشغيل، بما يسمح بتمويل تكلفته واستردادها، ثم انتقال ملكيته إلى الدولة وفقًا للشروط المتفق عليها.
فالتاريخ يخبرنا أن الدول التي خرجت من الحروب الكبرى لم تنجح لأنها أعادت بناء ما تهدّم فحسب، وإنما لأنها انتهزت لحظة ما بعد الحرب لإعادة اختراع اقتصادها حيث تقدم كوريا الجنوبية نموذجًا اقتصاديًا جديرًا بالتأمل في كيفية توظيف الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومن بينها نماذج البناء والتشغيل ونقل الملكية البوت(BOT) وذلك في بناء بنيتها التحتية وتحويلها إلى قاعدة للنمو الاقتصادي فبعد الحرب الكورية، لم يكن التحدي أمام الدولة مجرد إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما إنشاء اقتصاد قادر على تمويل توسعه وتحقيق النمو من خلال الإنتاج والتصدير والاستثمار ولذلك اتجهت كوريا تدريجيًا إلى توسيع دور القطاع الخاص، وتطوير الصناعة والبنية التحتية، ثم بناء إطار مؤسسي للشراكة مع القطاع الخاص، شمل الطرق والموانئ والنقل والطاقة وغيرها من المشروعات العامة وأصبحت هذه الشراكات، في بعض الفترات، تسهم تقديريا بنحو 10% إلى 30% من استثمارات البنية التحتية العامة، وهو مؤشر يعكس قدرة الدولة على تعبئة رأس مال خارج الموازنة العامة وتوجيهه إلى مشروعات طويلة الأجل لكن التجربة الكورية لم تعتمد على توفير التمويل الخاص وحده، بل قامت على منظومة متكاملة من دراسات الجدوى، وتقييم المشروعات، وتحديد مصادر الإيرادات، وتوزيع المخاطر، والرقابة، وإعادة التفاوض عند الضرورة وفي المقابل كشفت التجربة عن نقاط ضعف لا يمكن تجاهلها؛ فقد واجهت بعض المشروعات مخاطر مرتبطة بالمبالغة في تقدير الطلب والإيرادات، وارتفاع تكلفة التمويل، وضعف المنافسة في بعض عمليات الطرح , ومن هنا فإن الدرس الكوري لا يكمن في أن نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية ويوفر التمويل للدولة فحسب، وإنما في أن نجاح يتوقف على جودة المشروع، ودقة دراسة الجدوى، وواقعية تقديرات الطلب، ووضوح مصادر الإيرادات، وشفافية الطرح، وعدالة توزيع المخاطر، وقدرة الدولة على التفاوض والرقابة, وهذه ربما تكون أهم رسالة يمكن أن يستفيد منها السودان فالمطلوب ليس استنساخ التجربة الكورية، وإنما استيعاب منطقها الاقتصادي، وتحويل الميناء والطريق ومحطة الطاقة ومشروع المياه والمنطقة الصناعية من مجرد بنود إنفاق على الموازنة إلى أصول اقتصادية منتجة قادرة على جذب رأس المال وتوليد الإيرادات، مع احتفاظ الدولة بدورها التنظيمي والرقابي وملكيتها النهائية للأصل.
وفي أفريقيا، تقدم رواندا نموذجًا مختلفًا في الظروف لكنه مهم في الدلالة فقد خرجت من كارثة إنسانية واقتصادية هائلة، ولم تتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها مجرد عملية ترميم، بل ربطت إعادة بناء الدولة بإصلاح المؤسسات وتحسين بيئة الأعمال وتطوير البنية التحتية وجذب الاستثمار. والدرس المشترك بين هذه التجارب ليس أن كل دولة تستطيع تكرار تجربة الأخرى حرفيًا، وإنما أن لحظة ما بعد الحرب يمكن أن تكون لحظة لإعادة تعريف الاقتصاد، لا مجرد استعادة الماضي. فالدولة التي تعيد بناء نفس الاقتصاد الذي أنتج أزماتها قد تستعيد المباني، لكنها قد تستعيد معها نقاط الضعف نفسها.
ومن هنا يبدأ السؤال السوداني الحقيقي, هل نريد أن نعيد السودان الذي كان، أم نبني السودان الذي يمكن أن يكون؟ فالسودان يمتلك مقومات تسمح له بأن يفكر في الثانية بحيث يمكن للموانئ أن تصبح مراكز لوجستية إقليمية، ويمكن للطرق والسكك الحديدية أن تربط مناطق الإنتاج بالأسواق، ويمكن للطاقة أن تتحول من خدمة أساسية إلى قاعدة للصناعة، ويمكن للزراعة أن تتجاوز تصدير المواد الخام إلى التصنيع والقيمة المضافة. وفي هذه المنظومة يمكن لنظام البوت أن يكون أداة عملية لتعبئة رأس المال الخاص في مشروعات البنية التحتية والإنتاج، بدل أن تظل كل المشروعات رهينة لقدرة الموازنة العامة على التمويل.
لكن لا ينبغي أن نقع في وهم أن البوت(BOT ) عصا سحرية فالمستثمر لا يأتي إلى بلد لمجرد أنه غني بالموارد، وإنما يأتي عندما يجد بيئة تحمي استثماره وتسمح له بتحقيق عائد عادل ولذلك فإن نجاح البوت(BOT ) في السودان سيبدأ قبل توقيع أول عقد، من خلال بناء الثقة الاقتصادية بتوفير قاعدة من التشريعاتوالسياسات المستقرة، ايضا عقود واضحة، وقضاء فعال،وشفافية في الطرح، ودراسات جدوى حقيقية، ونماذج مالية دقيقة، وآلية عادلة لتوزيع المخاطر بين الدولة والمستثمر والممول. فالمستثمر قد يتحمل مخاطر الإنشاء والتشغيل، لكنه لن يستطيع وحده تحمل المخاطر السياسية والتشريعية والتقلبات السياسات فكلما كان توزيع المخاطر أكثر عقلانية، أصبح المشروع أكثر قابلية للتمويل وأقل تكلفة على الدولة.
وهنا تكمن الفكرة الأعمق فالتحول من البوت(BOT ) العسكري إلى البوت(BOT ) الاقتصادي يعد انتقال من مرحلة إلى أخرى في مسيرة الدولة؛ بمعني اوضح ,من قوة حسم الحرب إلى قوة بناء السلام، ومن حماية الأرض إلى استثمار مواردها، ومن الانتصار العسكري إلى الانتصار الاقتصادي. فإذا كان البوت(BOT ) العسكري، في سياق هذا المقال، يرمز إلى انتصار القوات المسلحة وعودة الأمن والسلام إلى ربوع البلاد، فإن البوت(BOT ) الاقتصادي يجب أن يرمز إلى المرحلة التالية والمتمثله في مرحلة التنمية والإعمار وصناعة الثروة.
فالقوة بعد الحرب لا ينبغي أن تُقاس فقط بما استطاعت الدولة أن تحميه، وإنما بما تستطيع أن تنتجه وتموله وتصدره وتعيد استثماره. ومن هنا، فإن نجاح السودان في استثمار مرحلة السلام وإعادة الإعمار لبناء محفظة وطنية من المشروعات القابلة للتمويل، وربط الزراعة بالصناعة، والموانئ بالتجارة، والطاقة بالإنتاج، والطرق بالأسواق، يمكن أن يحول إعادة الإعمار من تكلفة ضخمة على الدولة إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وإنتاجية وقدرة على المنافسة.
وبهذا المعنى، فإن المعركة القادمة ليست معركة سلاح، وإنما معركة إنتاج وتمويل واستثمار. فبعد أن تصمت البنادق، يجب أن تتحدث المصانع، وبعد أن تستقر الجبهات، يجب أن تتحرك الأسواق، وبعد أن تحمي القوات المسلحة الوطن، يجب أن يتحول الوطن نفسه إلى مشروع اقتصادي منتج. وهنا يصبح البوت (BOT) الاقتصادي – البناء والتشغيل ونقل الملكية إحدى الأدوات التي يمكن أن تنقل السودان من مرحلة الانتصار في الحرب إلى مرحلة الانتصار في معركة التنمية.
وهنا يمكننا ان نؤكد بنهوض الأسد الأفريقي بين نظرائه ليس لأن السودان يملك الذهب أو الأرض أو البحر أو الثروة الحيوانية وحدها وإنما لأنه استطاع أن يحول هذه الموارد إلى إنتاج، وهذه الأصول إلى استثمارات، والاستثمارات إلى وظائف وصادرات، والصادرات إلى قوة اقتصادية. فالعالم لا ينظر إلى الأسد لقوة أنيابه وحدها، وإنما لقدرته على توظيف قوته في الوقت والمكان المناسبين. وربما تكون اللحظة قد حانت لكي يعيد السودان تعريف قوته: من دولة تبحث عن تمويل لإعادة البناء، إلى دولة تستخدم أصولها لصناعة التمويل؛ ومن اقتصاد ينتظر رأس المال، إلى اقتصاد يجذب رأس المال؛ ومن إعادة ما كان، إلى صناعة ما يجب أن يكون.
وعندها لن يكون البوت (BOT) مجرد أداة لتمويل مشروع هنا أو بنية تحتية هناك، وإنما قد يصبح أحد مفاتيح التحول من اقتصاد ما بعد الحرب إلى اقتصاد ما بعد الأزمة؛ اقتصاد يجعل من السلام قاعدة للإنتاج، ومن الأصول مصدرًا للتمويل، ومن الاستثمار محركًا للنمو، ومن إعادة الإعمار لبدايةً لنهضة اقتصادية سودانية جديدة.
د.محمد شرف الدين الطيب احمد
خبير مصرفي
.
