Sudanile-Logo-SQ

من التهريب إلى التصنيع : كيف ننقذ الصمغ العربي؟

mokhtaralawad@gmail.com​
مختار العوض موسى
«عشان ما نمشي صاح… نبدأ صاح»
عبارة استهلّ بها رئيس مجلس الوزراء، الدكتور كامل إدريس، حديثه مع مجموعة من الصحافيين والإعلاميين في لقائه التنويري الأخير، حيث سلّط الضوء على عدد من القضايا المهمة، كان أبرزها الاهتمام بالصمغ العربي والحفاظ عليه بوصفه ثروة استراتيجية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني.
وفي لفتة تعكس وعيًا حصيفًا بأهمية هذه الثروة، أكّد الدكتور إدريس عزمه إجراء مراجعة شاملة لإدارة شركة الصمغ العربي والاستراتيجية المتّبعة في استغلال هذا المورد الحيوي، إلى جانب تشديد الإجراءات لمنع تهريبه. ويأتي هذا التوجّه في وقت تشتد فيه الحاجة إلى تقنين تصدير الصمغ العربي، لا سيما في ظل تقارير حديثة ـ يُرجَّح أنها مبنية على تقديرات السوق ومصادر صناعية ـ تشير إلى أن أكثر من 40% من إنتاج البلاد يتم تهريبه إلى الخارج، نتيجة للحرب وتراجع الإشراف الرسمي، رغم عدم وجود رقم دقيق وموثّق لحجم الصمغ المهرّب سنويًا. إلا أن معظم التقديرات تشير إلى تهريب عشرات الآلاف من الأطنان عبر الحدود مع دول أفريقية مجاورة.
وانطلاقًا من شعار «عشان ما نمشي صاح… نبدأ صاح»، يرى الدكتور إدريس أن ضربة البداية يجب أن تكون بتضييق الخناق على مهربي هذا المنتج، من خلال تكثيف الرقابة الأمنية الصارمة على عمليات النقل والتجارة عبر المنافذ الحدودية، وتشجيع الشركات الوطنية على تصديره بطرق رسمية، عبر تقديم حوافز تشمل إعفاءات ضريبية ودعمًا لوجستيًا.
وبدلًا من تهريب الصمغ العربي خامًا، تبرز الحاجة إلى الاستفادة منه في دعم مسيرة الصناعة الوطنية، من خلال توظيفه في تصنيع عدد من المنتجات، مثل المواد الغذائية (العصائر، والمكمّلات الغذائية، والحلويات، والمشروبات الغازية)، والأدوية، ومستحضرات التجميل (ككريمات الترطيب، والشامبوهات، والصابون)، فضلًا عن استخداماته في صناعات البلاستيك، والحبر، والطلاء، والمواد اللاصقة. ويسهم ذلك في تنويع المنتجات المحلية وتعزيز القيمة المضافة لهذه الثروة الحيوية عبر تصديرها في صورة منتجات مصنّعة تدرّ عملة صعبة وتدعم الناتج المحلي.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمكن الاستثمار في البحث العلمي لاكتشاف مزيد من التطبيقات الصناعية للصمغ العربي، إلى جانب تشجيع توطين الاستثمارات الأجنبية، لا سيما في مجالات الصناعات الدوائية والغذائية، بما يعزّز من قيمة المنتج السوداني عالميًا. كما تبرز أهمية توعية المزارعين والمصدرين بالحفاظ عليه كمورد استراتيجي، وتوفير الحوافز اللازمة لتسويقه عبر القنوات الرسمية، وتطوير سياسات تصدير جديدة تتضمن ضوابط صارمة للحد من عمليات التهريب.
وتكمن خطورة تهريب الصمغ العربي في آثاره السلبية العديدة، من بينها فقدان الدولة لعائدات التصدير الرسمية من الضرائب والجمارك، ما يضعف الدخل القومي ويؤثر في الاقتصاد الوطني، فضلًا عن إعاقة تطوير الصناعات المحلية، وفقدان فرص العمل في قطاعات التصنيع والتجارة والتوزيع، وتراجع القدرة التنافسية للصناعات السودانية. كما أن تصديره عبر قنوات غير قانونية قد يؤثر في جودة المنتج وسمعته في الأسواق العالمية، ويضر بمكانة البلاد كمصدر موثوق له.
ومن أجل الحفاظ على هذه الثروة، يقتضي «أن نبدأ صاح» عبر تحسين البنية التحتية في المناطق المنتجة للصمغ العربي، من طرق ومرافق نقل ومخازن، بما يضمن سهولة وصوله إلى الأسواق المحلية والعالمية، إلى جانب إنشاء مختبرات لفحصه والتأكد من مطابقته للمعايير الدولية، وتعزيز ثقة الأسواق العالمية فيه. كما يستوجب الأمر تقديم الدعم لمزارعي أشجار السنط المنتجة له، عبر توفير الأسمدة والمعدات اللازمة، ومنح القروض الميسّرة لصغار المنتجين، وتنمية مهاراتهم، ونشر الوعي بأهمية المحافظة على هذا المورد.
ويُعد الصمغ العربي أحد أبرز صادرات البلاد، والمصدر الرئيس للعملة الصعبة والعائدات التي تدعم الميزان التجاري. فقد أشار أحد أحدث التقديرات لعام 2026م، بحسب مجلس الصمغ العربي، إلى أن صادرات البلاد بلغت نحو 49 ألف طن، بإيرادات تُقدّر بنحو 75 مليون دولار أمريكي سنويًا، مقارنة بعائدات تراوحت بين 110 و150 مليون دولار في عامي 2021–2022م قبل اندلاع الحرب.
وإلى جانب فوائده الاقتصادية، يتميّز الصمغ العربي بخصائص بيئية فريدة؛ إذ تلعب أشجار الأكاسيا دورًا مهمًا في الحفاظ على البيئة، ومكافحة التصحّر، وتحسين خصوبة التربة، وتعزيز التنوع البيولوجي من خلال توفير موائل طبيعية للعديد من الكائنات الحية.
ورغم هذه الفوائد المتعددة، تواجه زراعة الصمغ العربي تحديات عدة، من بينها تقلبات المناخ، كالجفاف أو الأمطار الغزيرة، التي تؤثر في جودة المنتج وكمياته، إضافة إلى ضعف البنية التحتية في بعض المناطق المنتجة، وتقلبات السوق العالمية التي تؤثر في استقرار الأسعار. ويمكن مواجهة هذه التحديات عبر تبنّي آليات مستقبلية، تشمل تحسين تقنيات الزراعة الحديثة، وتطوير أساليب الري، وزيادة الاستثمار في البنية التحتية، وتحسين الصناعات المرتبطة بالصمغ العربي لرفع الجودة وتعظيم القيمة المضافة.
«عشان ما نمشي صاح… نبدأ صاح»
شعار ينبغي أن يكون مدخلًا حقيقيًا لتنمية مسيرتنا الاقتصادية وتعزيز فرص الاستثمار في الصمغ العربي، بما يخدم حاضر البلاد ومستقبلها.

والله من وراء القصد.

عن مختار العوض موشى

مختار العوض موشى

شاهد أيضاً

المخدرات في السودان: إعادة تموضع لحرب صامتة مدمرة

مختار العوض موسىmokhtaralawad@gmail.com من لم يمت بالسيف مات بغيره. ومن لم تدمره الحرب، يجد نفسه …