من الدولة إلى الشبكة: كيف اتُّخذ قرار تصفية حميدتي والدعم السريع ؟ كيف سُرق السودان؟ نضمن سلسلة مقالات: دولة سلطة التأسيس
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
د. أحمد التيجاني سيد أحمد ٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥
(٣) الأجهزة الأمنية: حين تحوّلت الدولة إلى حارس للنهب
لم يكن انتقال الحركة الإسلامية من حكم الدولة إلى امتلاكها ممكنًا دون إعادة صياغة الأجهزة الأمنية صياغةً كاملة، لا بوصفها مؤسسات وطنية لحماية الدستور والمواطن، بل كأدوات مركزية لحماية شبكة المصالح التي تشكّلت في الظل. لم يعد الأمن جهازًا تابعًا للدولة، بل أصبحت الدولة واجهة لأجهزة أمنية مؤدلجة، متعددة الرؤوس، ومحصّنة من المساءلة.
لم يكن تعدد الأجهزة الأمنية وتداخل صلاحياتها خللًا إداريًا، بل سياسة واعية هدفت إلى تشتيت المسؤولية، وإرباك أي محاولة للمحاسبة. ففي ظل هذا التشتت، لا يمكن تحديد صاحب القرار، ولا يمكن ربط الانتهاك بجهة محددة. وهكذا تحوّل القمع من ممارسة استثنائية إلى وظيفة دائمة، لأن النهب الواسع للموارد العامة لا يمكن أن يستمر دون إنتاج الخوف ومنع السؤال.
ومع الزمن، لم تكتفِ الأجهزة الأمنية بدور الحماية، بل انخرطت مباشرة في الاقتصاد الموازي، عبر السيطرة على الحدود، والتهريب، والعقود، والشركات، لتصبح شريكًا فعليًا في منظومة الامتلاك، لا مجرد حارس لها.
(٤) الجيش: من مؤسسة وطنية إلى أداة حكم وبطش ونهب وتمليك
نشأ الجيش السوداني – نظريًا – كمؤسسة وطنية لحماية السيادة، غير أن خروجه المتكرر إلى الحكم حوّله تدريجيًا من حارس للدستور إلى بديل عنه. ومع انقلاب الحركة الإسلامية، لم يعد الجيش مجرد مؤسسة مخترقة، بل أُعيد تشكيله ليكون أداة تنفيذ كاملة لمشروع سياسي–أيديولوجي.
في هذا السياق، تحوّلت الحروب من صراعات دفاعية إلى حروب داخلية ضد المجتمع، خاصة في الهامش، واستُخدم الجيش لقمع الاحتجاجات وسحق المطالب السياسية تحت غطاء ما سُمّي بالأمن القومي، الذي لم يكن سوى أمن السلطة والتنظيم.
ومع انتقال الحركة الإسلامية إلى مرحلة امتلاك الدولة، لم يبقَ الجيش خارج المعادلة الاقتصادية. دخل شريكًا مباشرًا في الاقتصاد الموازي، فامتلك الشركات والأراضي، وحمى نقل الملكية بالقوة. هنا أصبح السلاح نفسه سندًا للتمليك، والرتبة العسكرية وثيقة ملكية، ما جعل الجيش فاعلًا اقتصاديًا يخشى عودة الدولة المدنية.
(٥) كيف سرقت الحركة الإسلامية السودان وحاولت امتلاكه?
لم تكن جريمة الحركة الإسلامية في السودان أنها حكمت البلاد ببرنامج أيديولوجي فاشل فحسب، بل أنها حوّلت الحكم إلى عملية سرقة منظمة، انتقلت فيها من السيطرة على السلطة إلى محاولة امتلاك الدولة ذاتها: الأرض، والموارد، والمؤسسات، والقرار السيادي.
في هذا السياق، لم يكن الفساد انحرافًا، بل منهج حكم. لم تكن الخصخصة سياسة اقتصادية، بل وسيلة نقل ملكية من المجال العام إلى شبكة مغلقة مرتبطة بالتنظيم. تشكّلت بذلك طبقة مصالح لا ترى في الدولة إطارًا عامًا، بل خطرًا دائمًا، لأن الدولة – حين تستعيد دورها – تعني المحاسبة واسترداد الأصول.
ويُعدّ علي كرتي نموذجًا كاشفًا لهذا التحوّل، لا بوصفه حالة فردية، بل بوصفه تركيزًا مكثفًا لتداخل السياسة والأمن والاقتصاد في دولة الشبكة، حيث يتحوّل الموقع السياسي إلى مركز ثقل اقتصادي محصّن من المساءلة، في نمط لا يمكن تفسيره بآليات السوق الطبيعية.
حين أصبحت الدولة المدنية الديمقراطية احتمالًا واقعيًا، ولو نظريًا، تحوّل الصراع من تنافس سياسي إلى معركة بقاء لشبكة الامتلاك. هنا صارت الحرب امتدادًا للاقتصاد بوسائل أخرى، وأداة لحماية ما جرى الاستيلاء عليه عبر عقود.
في هذا الإطار، تبرز أهمية الدعم السريع وحميدتي في تعطيل استكمال هذا الامتلاك، لا بوصفهما مشروع دولة مكتملًا، بل كعامل اختلال في معادلة احتكار العنف والاقتصاد، وهو ما مهّد للصدام وقرار التصفية، وهو ما ستتناوله الحلقات القادمة
نواصل
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم