صلاح أحمد الحبو
ليس السؤال: من أشعل الحرب؟ ولا من يتحمل المسؤولية الأكبر عما جرى ويجري؟ فهذه أسئلة تبحث في الوقائع أكثر مما تبحث في الجذور. أما السؤال الأعمق فهو: من الذي اختفى من مكونات عقلنا السوداني ووعينا الجمعي حتى وصلنا إلى هذه المرحلة من الاستعصاء وفخ الصراع؟
كلما حاول المرء الاقتراب من هذا السؤال، تتراءى أمامه تلك الصرخة الشعرية الباذخة التي أطلقها الشاعر الراحل حميد:حلتنا غرقت من طرف؟ حلتنا غرقت في شبر؟ غرقنا يا الضو صح سرف؟ العلمتنا العوم تقوم تغرق هي ما تقدر تعوم؟ يا للأسف
ما أعمق هذا السؤال، وما أشد قسوته!
فكيف لبلدٍ علّم أبناءه السباحة أن يغرق؟ وكيف لوطنٍ أنار العقول، وأكسب أبناءه المعرفة والخبرة والقدرة على تجاوز المحن، أن يبدو عاجزاً عن الخروج من أزماته؟
ولعل ما يجعل سؤال حميد أكثر إيلاماً أنه يلتقي مع سؤال قديم شغل فلاسفة ومفكري التاريخ من أمثال ابن خلدون ومالك بن نبي وأرنولد توينبي؛ إذ لم ينشغلوا فقط بسبب سقوط الأمم، بل تساءلوا عن ذلك العنصر الخفي الذي يتراجع داخل وعيها قبل أن يظهر الانهيار في واقعها. فالأمم لا تفقد مواردها وعقولها دفعة واحدة، وإنما قد تفقد قدرتها على تحويل ما تملكه من طاقات إلى مشروع جامع ورؤية مشتركة.
إن قوة هذه الأبيات لا تكمن في وصف الغرق، بل في استنكار حدوثه أصلاً. فالغريق هنا ليس جاهلاً بالماء، بل هو الذي علّم الآخرين السباحة. ولذلك فإن السؤال يتجاوز الشعر إلى الفلسفة والتاريخ: كيف تتعثر أمة تمتلك كل هذه الخبرات والموارد البشرية والمعرفية؟
لقد كان السودان، عبر تاريخه، مدرسة في التعايش والتنوع والتكيف مع التحولات. وهو البلد الذي أنجب العلماء والمفكرين والمبدعين والمهنيين الذين تركوا بصماتهم داخل الوطن وخارجه. ولذلك يبدو المشهد الراهن وكأنه مفارقة عصية على الفهم: كيف استعصى الحل على بلد ظل لعقود طويلة يصنع المعرفة ويصدر الكفاءات؟
وهنا يعود السؤال من جديد: ما الذي اختفى من مكونات وعينا حتى أصبحنا عاجزين عن توظيف ما نملك من معرفة وتجارب؟
هل اختفى العقل النقدي الذي يراجع الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات؟ أم غابت الحكمة التي تجعل الاختلاف مصدر إثراء لا سبباً للتمزق؟ أم تراجع الإحساس بالمصير المشترك الذي يجعل الجميع يدرك أن خسارة الوطن لا يمكن أن تكون مكسباً لأي طرف؟
وربما كان العنصر المفقود هو القدرة على استشراف المستقبل. فالأمم لا تسقط فقط عندما تخطئ، بل عندما تفقد القدرة على رؤية نتائج أخطائها قبل وقوعها.
ولهذا تظل صرخة حميد حاضرة في وجداننا الوطني لا باعتبارها وصفاً لواقعة عابرة، بل باعتبارها سؤالاً وجودياً مفتوحاً: كيف للتي علمتنا العوم أن تغرق؟
هل غرقت لأنها نسيت السباحة؟ أم لأن تيارات عاتية دفعتها بعيداً عن مجراها؟ أم لأن بوصلة الوعي التي كانت تهديها إلى الشاطئ تعطلت في لحظة تاريخية فارقة؟
لا أحد يملك جواباً نهائياً. لكن المؤكد أن البحث عن أسباب الغرق وحدها لا يكفي. فالأهم هو البحث عن ذلك العنصر الذي تراجع أو اختفى من مكونات العقل السوداني، فأعيا إدراكه، وأربك بوصلته، وأدخله في فخ الصراع.
ذلك أن الأمم لا تنهار فقط بسبب ما تواجهه من أخطار، وإنما أحياناً بسبب ما تفقده من داخلها. ويبقى السؤال معلقاً فوق حاضر السودان ومستقبله:
من الذي اختفى من مكونات عقلنا ووعينا حتى أصبحت البلاد التي علمتنا السباحة تكافح اليوم كي لا تغرق
habobsalah@gmail.com
