دكتور الوليد آدم مادبو
في فجر السادس عشر من يونيو 2026، لم تسقط القنابل على جبل العيقاد وحده، بل سقطت معها أوهام كثيرة ظل السودانيون يتمسكون بها رغم كل ما جرى خلال سنوات الحرب والانهيار. سقط وهم أن الدولة، مهما ضعفت، ستبقى منحازة غريزياً إلى مواطنيها حين يُراق دمهم. وسقط وهم أن الدم السوداني ما زال يملك من القيمة ما يكفي لانتزاع كلمة احتجاج من السلطة. لكن الوهم الأكبر الذي سقط ذلك الصباح كان الاعتقاد بأن الصمت هو أسوأ ما يمكن أن تفعله الدولة عندما يُقتل أبناؤها.
اتضح أن هناك ما هو أخطر من الصمت.
فالمعدنون الذين خرجوا إلى الصحراء بحثاً عن الرزق عاد بعضهم جثثاً، وعاد بعضهم جرحى، ولم يعد بعضهم إطلاقاً. غير أن المأساة لم تتوقف عند حدود الدم. فقد امتدت إلى ما هو أخطر من الدم نفسه: إلى الرواية. فالضحايا الذين كان ينبغي أن يُسأل عن قاتلهم وجدوا أنفسهم فجأة موضع اتهام، بينما وجدت الجهة التي كان يفترض أن تُسأل عن فعلها من يتحدث بلغة لا تختلف كثيراً عن لغتها.
حين زار الفريق عبد الفتاح البرهان المنطقة الحدودية لم يكن السودانيون ينتظرون إعلان حرب ولا تعبئة عامة ولا قطيعة دبلوماسية مع مصر. كانوا ينتظرون شيئاً أكثر تواضعاً وأكثر بداهة: أن يسمعوا من قائد جيشهم أن حياة السودانيين ليست مباحة، وأن ما جرى يستحق تحقيقاً ومساءلة وكشفاً للحقيقة. لكن الخطاب اتجه في اتجاه مختلف؛ إذ جاء التحذير للمواطن السوداني، وجاء التذكير بضرورة الالتزام بالحدود، وجاء الحديث عن عدم الذهاب إلى الجانب الآخر حتى لا يجلب الناس المشكلات لأنفسهم ولدولتهم.
في تلك اللحظة لم يعد السؤال هو: لماذا صمتت السلطة؟ بل أصبح سؤالاً أكثر إزعاجاً: لماذا اختارت التحدث بهذه اللغة المتخاذلة المتواطئة؟
فالصمت، مهما كان مخزياً، يظل قابلاً للتفسير. قد يكون ضعفاً أو خوفاً أو حسابات سياسية أو رهاناً على تجنب التصعيد. أما حين يتكلم المسؤول بلغة تنقل جزءاً من المسؤولية إلى الضحية، فإنه لا يعود صامتاً. إنه يدخل مباشرة في صناعة السردية. وهنا تحديداً نغادر منطقة التقاعس إلى منطقة المشاركة السياسية في إعادة تعريف الحدث نفسه.
والسرديات في السياسة ليست مجرد كلمات. إنها أدوات قوة لا تقل أثراً عن السلاح. فالطلقة تقتل إنساناً، أما الرواية فتقتل الحقيقة. ولذلك فإن أخطر ما في مثل هذه التصريحات ليس مضمونها المباشر، بل وظيفتها السياسية. فهي تنقل النقاش من سؤال: من قتل هؤلاء السودانيين؟ إلى سؤال مختلف تماماً: لماذا كان هؤلاء السودانيون هناك؟ وبمجرد حدوث هذا التحول تتغير مواقع الجميع داخل القصة؛ إذ يتحول القاتل من متهم إلى طرف له مبررات، وتتحول الضحية من صاحب حق إلى صاحب مشكلة، ويتحول الوطن نفسه إلى شاهد دفاع ضد أبنائه.
لهذا لا ينبغي النظر إلى الأمر باعتباره زلة لسان أو خطأ بروتوكولياً أو سوء تقدير عابراً. فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير. إنها تعكس أزمة مزمنة في تصور الدولة لوظيفتها الأساسية. فالدولة التي تنظر إلى مواطنيها بوصفهم مصدر شرعيتها تدافع عنهم أولاً ثم تبحث في التفاصيل. أما الدولة التي يصبح فيها المواطن عبئاً يمكن التفاوض حوله، فإنها تبدأ تدريجياً في التضحية بالحقيقة نفسها. وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة تصبح السيادة شعاراً للاستهلاك السياسي، وتصبح الحدود خطوطاً قابلة للمساومة، ويصبح الدم مجرد تفصيل مزعج في حسابات أكبر.
ومن هنا لا ينبغي فهم ما جرى في العيقاد باعتباره حادثة منفصلة. فالمشكلة ليست في جبل العيقاد وحده، ولا في مجموعة من المعدنين وحدهم، بل في نمط كامل من التساهل المتراكم. بدأ الأمر بالتساهل مع انتهاك الأرض، ثم بالتساهل مع انتهاك السيادة، ثم بالتساهل مع انتهاك الدم، حتى وصلنا إلى المرحلة الأخطر: التساهل مع انتهاك الحقيقة نفسها. وحين تفقد الدولة استعدادها للدفاع عن روايتها الوطنية، فإنها تفقد بالتدريج استعدادها للدفاع عن الوطن ذاته.
ولعل أخطر ما أنتجته هذه الواقعة أنها بعثت برسالتين واضحتين في آن واحد. الرسالة الأولى إلى الخارج، ومضمونها أن تكلفة الاعتداء محدودة، وأن رد الفعل الرسمي لن يتجاوز حدوداً يمكن التعايش معها. أما الرسالة الثانية فقد وُجهت إلى المواطن السوداني نفسه، إلى المعدن والراعي والمزارع وكل من يعيش بعيداً عن مراكز السلطة، ومفادها أن الدولة قد لا تقف إلى جانبك حين تتعرض للخطر، وأنك إذا قُتلت فقد تجد نفسك موضع مساءلة أكثر من مساءلة من قتلك.
عند هذه النقطة لا يعود الحديث عن خطأ سياسي عابر، بل عن أزمة في تعريف الدولة نفسها. فالدولة التي تتبنى رواية خصمها ضد مواطنيها لا تمارس الحياد، وإنما تعيد تعريف موقعها من الصراع. ولذلك فإن القضية ليست قضية مسؤول أساء التعبير، بل قضية سلطة اختارت، بوعي أو بغير وعي، أن تنظر إلى الواقعة من زاوية تختلف عن الزاوية التي ينظر منها الضحايا وذووهم.
يبقى السؤال الأخلاقي الذي تفرضه هذه الحادثة على كل سوداني: في أي لحظة يتوقف الصمت عن كونه صمتاً ويصبح اصطفافاً؟ وفي أي لحظة يتوقف التبرير عن كونه تفسيراً ويصبح مشاركة؟ إن الجريمة السياسية الأشد خطراً هنا لم تكن في الدم الذي سُفك فحسب، بل في اللغة التي أعقبته. فالدم يقتل الأجساد مرة واحدة، أما الرواية التي تبرر الدم فتقتل الحقيقة كل يوم.
ولهذا فإن الواجب الوطني الأول ليس الثأر ولا التصعيد الخطابي، بل استعادة الحقيقة نفسها: حق الضحايا في أن يُنظر إليهم كضحايا، وحق السودانيين في أن يرووا قصتهم بألسنتهم لا بألسنة الآخرين. فالأوطان لا تبدأ من الحدود وحدها، بل من الجهة التي تقف معها الدولة عندما يسيل الدم. وحين تقف الدولة في الجهة الخطأ، يصبح الصمت أقل خطاياها.
auwaab@gmail.com
