د. فضل محي الدين طاهر
رغم قتامة المشهد السوداني، ورغم أن أصوات المدافع ما زالت أعلى من أصوات المصانع، فإن الأمل ما زال ماثلاً في عودة السودان بقوة إلى مسار التنمية والسلام الدائم. ويتمثل هذا الأمل في ملف الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، والاستفادة من أفضل الممارسات والنماذج للدول المماثلة لوضع السودان.
بنغلاديش نموذجاً:
عندما انضمت بنغلاديش إلى المنظمة عام 1995 كانت تتعافى من الفقر المدقع وإرث الانفصال، غير أنها أحسنت توظيف مكانتها كدولة من أقل البلدان نمواً LDCs للحصول على امتيازات تجارية حوّلتها اليوم إلى ثاني أكبر مصدّر للملابس الجاهزة في العالم.
ركيزة هذا التحول كانت قرار المؤتمر الوزاري السادس في هونغ كونغ عام 2005، الذي أقر لأول مرة بصورة ملزمة مبدأ الدخول المعفى من الرسوم والحصص لصادرات أقل البلدان نمواً في 97% من البنود الجمركية لدى الدول المتقدمة. ولم تكتفِ دكا بهذا الغطاء، بل نسجت شبكة من التفضيلات الثنائية، أبرزها مبادرة الاتحاد الأوروبي “كل شيء ما عدا السلاح” التي تمنح دخولاً معفى يشمل كل صادراتها تقريباً، إضافة إلى تفضيلات من نحو 38 دولة في إطار نظام الأفضليات المعمم.
النتيجة أن قطاع الألبسة بات يمثل 81% من إجمالي صادرات بنغلاديش، وحوالي 7.9% من التجارة العالمية للألبسة، فيما يعتمد ثلاثة أرباع هذه الصادرات مباشرة على الامتيازات المرتبطة بصفة الدولة الأقل نمواً. بل إن حساسية الملف جعلت بنغلاديش تتفاوض بقوة، حتى بعد تخرجها المرتقب من قائمة أقل البلدان نمواً في نوفمبر 2026، على تمديد الإعفاءات حتى 2029 خشية خسارة مليارات الدولارات سنوياً.
أين يلتقي السودان مع التجربة؟:
نعم، بنغلاديش اليوم تعتبر معجزة اقتصادية حقيقية. لكن المفارقة أن السودان يملك من عناصر النجاح ما لم تملكه بنغلاديش أصلاً.
بنغلاديش تستورد كامل القطن الخام الذي تحتاجه، بينما السودان منتج تاريخي للقطن طويل التيلة في الجزيرة والنيل الأزرق، وهو خامة ذات جودة عالمية في أسواق النسيج الفاخر. كما أن موقع السودان على البحر الأحمر يضعه أقرب جغرافياً لأسواق أوروبا والخليج من المسافة التي تقطعها الشحنات البنغلاديشية عبر المحيط الهندي.
بعبارة أخرى: تملك بنغلاديش السوق والتفضيلات وتستورد المادة الخام، بينما يملك السودان المادة الخام والموقع، وما ينقصه هو استكمال الإطار المؤسسي – عضوية فاعلة في المنظمة – وبناء الحلقات الصناعية التي تحوّل القطن الخام إلى غزل ونسيج وملابس جاهزة بدل تصديره كمادة أولية رخيصة.
ميزة إضافية: برنامج التجارة من أجل السلام:
هناك ميزة يمكن للسودان استغلالها، وهي برنامج “التجارة من أجل السلام” الذي أطلقته المنظمة في مؤتمرها الوزاري الحادي عشر ببوينس آيرس عام 2017، استجابة لواقع أن نصف الدول التي هي في طور الانضمام تصنف دولاً هشة أو متأثرة بالنزاعات.
يقوم البرنامج على فكرة أن مسار الانضمام نفسه يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة بناء المؤسسات وترسيخ الشفافية وحكم القانون، بما يخدم الاستقرار الداخلي. وهذا ينطبق تماماً على السودان: الانضمام ليس مكافأة بعد السلام، بل هو أداة لصناعة السلام.
الدروس القابلة للتطبيق:
أولاً: العضوية وحدها لا تكفي:
أحسنت بنغلاديش استثمار وضعها التفاوضي داخل تكتل أقل البلدان نمواً للضغط الجماعي، كما ظهر في مطالبها الأربعة المشتركة مع 48 دولة في مؤتمر بالي 2013 حول تخفيف قواعد المنشأ. على السودان أن يتفاوض بذكاء ضمن المجموعة بدل الاكتفاء بالانضمام الشكلي.
ثانياً: قواعد المنشأ تفصيل حاسم. التجربة البنغلاديشية أظهرت أن مرونة هذه القواعد هي التي تحدد ما إذا كانت الملابس المصنعة من قماش مستورد تحتسب منتجاً وطنياً مؤهلاً للإعفاء. وبما أن السودان ينتج القطن محلياً، فإن موقفه التفاوضي سيكون أقوى من بنغلاديش نفسها، لأن السلسلة الإنتاجية يمكن أن تبدأ وتنتهي داخل الحدود.
ثالثاً: الاعتماد الأحادي على التفضيلات مخاطرة. قصة التخرج البنغلاديشي والمخاوف من تراجع الصادرات بنسبة 12% بعد فقدان صفة أقل البلدان نمواً تكشف الخطر. على السودان أن يبني منذ البداية قدرة تنافسية حقيقية في الإنتاجية والجودة والبنية التحتية، لا تقوم فقط على الإعفاءات المؤقتة.
رابعاً: الصناعة تبنى حول الميناء، لا حول الحقل وحده. نجاح دكا ارتبط بقربها من ميناء شيتاغونغ وتوطين مصانع الغزل والخياطة في مناطق صناعية متكاملة. السودان يملك ميناء بورتسودان كبوابة طبيعية، وما ينقصه هو ربطه بمناطق إنتاج القطن عبر نقل وطاقة موثوقة، وإنشاء مناطق حرة متخصصة في النسيج تجتذب الاستثمار.
من اقتصاد الجباية إلى اقتصاد النفاذ:
مأساة السودان أنه منذ الاستقلال أدار اقتصاده بعقلية الجباية والرسوم العشوائية في المعابر، بينما أدارت بنغلاديش اقتصادها بعقلية النفاذ إلى الأسواق العالمية. الفرق بين العقليتين هو الفرق بين بلد يطرد مستثمريه وبلد يوظف 4 ملايين امرأة كانت حبيسة الفقر.
إن حرب 15 أبريل في جوهرها هي ذروة اقتصاد الجباية والشركات الرمادية التي تحتكر الذهب والميناء. والسلام الدائم لن يصنع في قاعات التفاوض السياسية وحدها، بل في مزارع ومصانع الجزيرة وموانئ البحر الأحمر.
بنغلاديش فعلتها بلا قطن ولا ذهب، ووصفت بأنها “السلة المثقوبة”. فكيف لا يفعلها السودان وهو يملك القطن والذهب والموقع؟
ما ينقصنا ليس الموارد، بل القواعد. وملف الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية هو القفل الخارجي الذي يمنع عودة عقلية أبو جلمبو، ويحول السودان من بلد يبيع الخام بأبخس الأثمان إلى بلد يبيع العمل والمهارة للعالم بلا جمارك.
Envoyé de mon iPhone
