من النفط إلى الزراعة: أي اقتصاد يحتاجه جنوب السودان للخروج من دائرة الأزمات؟

lualdengchol72@gmail.com
بقلم/ لوال كوال لوال
يعتمد اقتصاد جنوب السودان منذ الاستقلال اعتمادًا شبه كامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات العامة، دون الأخذ في الاعتبار هشاشة السوق النفطية العالمية وما تشهده من تذبذب دائم في الأسعار، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج ورسوم العبور عبر الأراضي السودانية إلى الأسواق العالمية. هذا الاعتماد المفرط جعل الاقتصاد عرضةً للتقلبات السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية. إلى جانب ذلك، تمارس الحكومة السودانية بين الحين والآخر ضغوطًا وابتزازًا اقتصاديًا على جوبا، مستفيدة من الأزمة السياسية العميقة وانهيار مؤسسات الدولة في السودان، وهو ما يضاعف المخاطر على صادرات النفط الجنوبية. وتأتي النزاعات الداخلية والحروب في مناطق مختلفة من جنوب السودان، خصوصًا ولايتي الوحدة وأعالي النيل – اللتين تضمان معظم حقول النفط – لتقيد الإنتاج وتعرقل الاستقرار الاقتصادي. كما يفاقم التغير المناخي والفيضانات المتكررة الأوضاع سوءًا، حيث تضرب الأراضي الزراعية وتحد من الإنتاج، ما يزيد من هشاشة سبل العيش ويضعف الأمن الغذائي. ولا يمكن إغفال قضية الضرائب والإيرادات غير النفطية، التي تُجمع غالبًا بشكل غير منظم وتتعرض لسوء الاستخدام بسبب الفساد وضعف الشفافية، ما يحرم الدولة من مورد مهم كان يمكن أن يسهم في سد العجز المالي ودعم التنمية. في ظل هذه التحديات، يبرز القطاع الزراعي كخيار استراتيجي لإنقاذ الاقتصاد الجنوبي من أزماته المتكررة. فجنوب السودان يمتلك موارد طبيعية هائلة وأراضي زراعية خصبة يمكن أن تجعل منه سلة غذاء إقليمية إذا استُثمرت بشكل فعّال. هنالك حلول يمكن الاستفادة منها وتطبيقها كالاتي: 1. إعادة هيكلة الاقتصاد: تقليل الاعتماد على النفط تدريجيًا وتوسيع القاعدة الإنتاجية لتشمل الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية. 2. الاستثمار في البنية التحتية الزراعية: بناء مشاريع للري، إنشاء طرق ريفية، وتحسين التخزين والنقل لتقليل الفاقد ودعم المنتجين. 3. تشجيع القطاع الخاص والمزارعين: تقديم تسهيلات وقروض صغيرة للمزارعين والشباب والنساء، وتوفير التدريب على التقنيات الزراعية الحديثة. 4. محاربة الفساد وتعزيز الشفافية: وضع نظام محاسبي واضح للضرائب والإيرادات غير النفطية واستخدامها في مشاريع تنموية حقيقية. 5. التكيّف مع التغير المناخي: وضع سياسات وطنية لإدارة الكوارث الطبيعية والاستثمار في محاصيل مقاومة للجفاف والفيضانات. 6. خلق فرص عمل مستدامة: عبر تطوير سلاسل القيمة الزراعية، وتشجيع الصناعات القائمة على الزراعة بما يعزز دخل الأسر الريفية ويقلل البطالة. إن التحول من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد إنتاجي قائم على الزراعة ليس خيارًا ترفيهيًا بل ضرورة وجودية لضمان استقرار الدولة وتماسكها الاجتماعي والسياسي. فالتنمية الزراعية هي الطريق الأقصر نحو تحقيق الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل وصرف الرواتب في مواعيدها، وهو ما يفتح الباب أمام بناء اقتصاد قوي ومتنوع. وعليه، فإن على صنّاع القرار في جنوب السودان أن يلتقطوا هذه اللحظة التاريخية بشجاعة وحكمة، وأن يضعوا خططًا واضحة وواقعية للتحول الاقتصادي، تبدأ بمحاربة الفساد وإصلاح مؤسسات الدولة، وتستثمر في الإنسان والأرض معًا. فإرادة التغيير موجودة، وما ينقص هو القرار السياسي الصادق والإدارة الرشيدة لتلك الموارد. إن مستقبل البلاد وأمنها الاجتماعي مرهون اليوم بقدرتها على كسر دائرة الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد زراعي منتج ومستدام

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …