باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 20 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبد العظيم الريح مدثر
عبد العظيم الريح مدثر عرض كل المقالات

من الهواء إلى رغيف الخبز

اخر تحديث: 20 أكتوبر, 2026 11:16 صباحًا
شارك

منبر نور: مقالات من بطون كتب ونبض الواقع

من الهواء إلى رغيف الخبز

كيف غيّرت كيمياء النيتروجين اقتصاد الغذاء والصناعة؟
قراءة في كتاب توماس هيغر «كيمياء الهواء»

مدخل:
ماذا لو كان جزء من غذائنا يبدأ من الهواء؟

حين يشتري المزارع جوال سماد، قد لا يخطر بباله أن وراء هذا الجوال قصةً علمية وصناعية امتدت لأكثر من قرن، وأن وراء حبيباته جهود علماء ومهندسين ومصانع ضخمة، وصراعات دولية، وقرارات سياسية، وأسئلة تتصل بالأمن الغذائي والبيئة ومستقبل البشرية.

وحين ترتفع أسعار الأسمدة، أو تتعطل سلاسل الإمداد، أو يعجز المزارع عن الحصول على الكمية المناسبة في الوقت المناسب، لا تكون المشكلة مجرد سلعة ارتفع ثمنها؛ فقد تمتد آثارها إلى تكلفة الإنتاج، وإنتاجية الفدان، ودخل الأسرة الزراعية، وأسعار الغذاء، والقدرة الشرائية للمستهلك.

من هنا نبدأ رحلتنا مع كتاب «كيمياء الهواء» (The Alchemy of Air)* للكاتب الأمريكي توماس هيغر، الصادر عام 2008، الذي يروي قصة تطوير عملية هابر–بوش لإنتاج الأمونيا صناعيًا، وهي العملية التي أحدثت تحولًا عميقًا في الزراعة والكيمياء الصناعية.

إن السؤال الذي يهمنا ليس كيف صنع العلماء مادة كيميائية فحسب، بل كيف تحولت معرفة علمية إلى قدرة إنتاجية هائلة، وكيف توزعت منافعها وتكاليفها بين الإنسان والاقتصاد والبيئة.

أولًا: المشكلة التي واجهت العالم

يحتوي الهواء الذي يحيط بنا على نسبة كبيرة من غاز النيتروجين، لكن وجود النيتروجين في الهواء لا يعني أن النباتات تستطيع استخدامه مباشرة بالصورة نفسها. فالنبات يحتاج إلى النيتروجين في مركبات يمكنه امتصاصها والاستفادة منها في النمو وبناء البروتينات.

قبل انتشار الأسمدة النيتروجينية الصناعية، اعتمدت الزراعة على مصادر متعددة، منها السماد العضوي، ودورة المحاصيل، وبعض الموارد الطبيعية الغنية بالمركبات النيتروجينية. ومع توسع السكان والطلب على الغذاء، ازدادت أهمية توفير مصادر موثوقة من النيتروجين القابل للاستخدام الزراعي.

هنا ظهرت معضلة علمية واقتصادية معًا: كيف نستفيد من مورد موجود بكميات هائلة في الهواء، ونحوله إلى مادة نافعة للزراعة والصناعة، بكميات كبيرة وتكلفة يمكن تحملها؟

لم يكن الحل مجرد اكتشاف تفاعل كيميائي؛ فقد كان مطلوبًا تحويل ذلك التفاعل إلى عملية صناعية مستمرة، تتحمل الضغط والحرارة، وتنتج كميات تجارية، وتعمل بكفاءة مقبولة.

وهذه نقطة تستحق التأمل: قد يكتشف العالم مبدأً علميًا مهمًا، لكن المجتمع لا ينتفع به على نطاق واسع إلا عندما تتحول المعرفة إلى تقنية قابلة للتطبيق، ثم إلى منشآت وإنتاج ونقل وتوزيع.

ثانيًا: من المختبر إلى المصنع

يرتبط هذا التحول باسمَي العالم الألماني فريتز هابر والمهندس الكيميائي كارل بوش.

عمل هابر على تطوير طريقة لتكوين الأمونيا من النيتروجين والهيدروجين تحت ظروف مضبوطة من الضغط والحرارة وبوجود عامل حفاز. ثم جاء دور بوش وفريقه في مواجهة التحدي الصناعي الأكبر: كيف يمكن تنفيذ العملية على نطاق واسع، مع التعامل مع الضغوط العالية والمعدات المعقدة ومتطلبات السلامة والإنتاج المستمر؟

تجسدت أهمية هذا الانتقال في تشغيل مصنع الأمونيا في أوباو بألمانيا عام 1913، وهو ما فتح الطريق أمام الإنتاج الصناعي واسع النطاق. حصل هابر على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1918 عن تخليق الأمونيا من عناصرها، فيما مُنح بوش جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1931 بالاشتراك مع فريدريش بيرغيوس عن تطوير طرائق كيميائية عالية الضغط.

لكن ما يهمنا اقتصاديًا يتجاوز اسمي العالمين وتاريخ الجائزتين.

لقد احتاج نجاح العملية إلى تضافر الكيمياء والهندسة ورأس المال والطاقة والمعدات والعمالة المتخصصة والتنظيم الصناعي. فالمعادلة الكيميائية لم تكن كافية وحدها؛ إذ كان لا بد من نظام إنتاج متكامل.

وهنا نستخلص قاعدة أولى من تاريخ الصناعة:

لا تتحول المعرفة إلى ثروة بمجرد اكتشافها، بل حين يمتلك المجتمع القدرة على تطبيقها وتطويرها وتوسيع نطاق الانتفاع بها.

قد يمتلك بلدٌ علماء متميزين، لكنه يفتقر إلى التمويل والمختبرات والصناعة والصيانة. وقد يستورد التكنولوجيا جاهزة، لكنه لا يبني المهارات المحلية التي تضمن استمرار تشغيلها وتطويرها. وفي الحالتين، تظل المسافة بين المعرفة والمنفعة أكبر مما ينبغي.

ثالثًا: السماد الذي أعاد تشكيل اقتصاد الغذاء

أصبحت الأمونيا الصناعية أساسًا لإنتاج أنواع متعددة من الأسمدة النيتروجينية. وقد ساعد انتشار هذه الأسمدة على زيادة إنتاجية محاصيل كثيرة، وأصبح جزء مهم من الزراعة الحديثة معتمدًا على النيتروجين الصناعي.

وتشير تقديرات منشورة في «عالمنا في البيانات» إلى أن ما يقارب نصف سكان العالم يعتمدون على الغذاء الذي تسهم الأسمدة الاصطناعية في إنتاجه. وهذا تقدير لدور هذه الأسمدة في النظام الغذائي العالمي، لا ادعاء بأن السماد وحده ينتج الغذاء أو يفسر نمو الإنتاج الزراعي. فالنتائج تعتمد كذلك على البذور والمياه والتربة والإدارة الزراعية والآلات والنقل والأسواق.

ولننظر إلى هذه الثورة من ثلاث زوايا.

1. زاوية الإنتاج الزراعي

يساعد توفير النيتروجين المناسب على تحسين نمو المحاصيل ورفع إنتاجيتها في ظروف عديدة. وقد يمكّن المزارع من الحصول على محصول أكبر من المساحة نفسها، إذا توافرت المياه والعناصر الغذائية الأخرى والظروف الملائمة.

وهذا مهم في بلد يسعى إلى زيادة إنتاج الغذاء دون التوسع غير المدروس في استغلال الأراضي والمياه.

2. زاوية دخل المزارع

إذا زاد المحصول بمقدار يفوق تكلفة السماد الإضافية وسائر المدخلات، فقد تتحسن أرباح المزارع. أما إذا ارتفعت أسعار الأسمدة أو أُسيء استخدامها، فقد ترتفع التكلفة دون زيادة موازية في الإنتاج، فتتراجع الجدوى الاقتصادية.

إذن، لا يكفي أن نسأل: كم جوال سماد استخدمنا؟ بل ينبغي أن نسأل: كم زاد الإنتاج بسبب الاستخدام، وكم كلفتنا الزيادة، وما العائد الصافي الذي تحقق؟

3. زاوية المستهلك والأمن الغذائي

يمكن لتحسن الإنتاجية، إذا انتقلت منافعه عبر الأسواق وسلاسل الإمداد، أن يخفف الضغط على أسعار الغذاء. لكن العلاقة ليست آلية؛ فقد ترتفع الأسعار رغم وفرة الإنتاج بسبب النقل والوقود والتخزين والتمويل والاحتكار والاضطرابات السياسية أو التجارية.

وهكذا نرى أن الأثر الاقتصادي للاكتشاف العلمي لا تحدده التكنولوجيا وحدها، بل تحدده أيضًا المؤسسات التي تنقل منافعها من المصنع إلى المزرعة، ومن المزرعة إلى السوق، ومن السوق إلى مائدة الأسرة.

رابعًا: الوجه الآخر للاكتشاف

لا يقدم تاريخ الأمونيا الصناعية قصة نجاح زراعي خالصة. فقد استُخدمت المركبات النيتروجينية أيضًا في إنتاج مواد متفجرة، وأدى تطور القدرة الصناعية على إنتاجها إلى تداخل مصالح الغذاء والحرب في مطلع القرن العشرين.

وتوضح المصادر التاريخية أن عملية هابر–بوش ساعدت على توفير مركبات نيتروجينية أمكن استخدامها في الأسمدة، كما أمكن توظيفها في مسارات صناعية مرتبطة بإنتاج المتفجرات.

ولا يعني ذلك أن الاكتشاف العلمي مسؤول وحده عن الحروب، أو أن مساره التاريخي كان محتومًا منذ لحظة ظهوره. فالحروب تصنعها قرارات سياسية وعسكرية ومصالح وصراعات معقدة. لكن القصة تكشف حقيقة مهمة: الأداة العلمية لا تختار غايتها الأخلاقية بنفسها؛ فالإنسان والمؤسسات هما من يحددان كيفية استخدامها والضوابط التي تحكمها.

لقد ساعدت الكيمياء الصناعية على زيادة القدرة على إنتاج الغذاء، وفي الوقت نفسه أتاحت إمكانات أخرى ذات عواقب مدمرة.

وهذه ليست دعوة إلى الخوف من العلم، بل إلى فهم مسؤولية المجتمع عن توجيه المعرفة. فكلما اتسعت قدرة الإنسان التقنية، ازدادت حاجته إلى مؤسسات تضبط استخدامها، وتوازن بين المنفعة والمخاطر، وتمنع أن تتحول قوة الإنتاج إلى أداة للإضرار بالحياة.

خامسًا: من تكلفة السماد إلى تكلفة البيئة

للأسمدة فوائد زراعية واضحة عندما تُستخدم بطريقة صحيحة، لكن الإفراط في استخدامها أو تطبيقها في توقيت غير مناسب قد يؤدي إلى تسرب النيتروجين إلى المياه، وإلى أضرار بيئية أخرى. كما أن إنتاج الأمونيا بالطريقة التقليدية يستهلك الطاقة ويسهم في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وتقدّر الجمعية الملكية البريطانية أن صناعة الأمونيا تمثل نحو 1.8% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية.

وهنا تدخل إلى التحليل الاقتصادي مسألة
التكاليف الخارجية

قد يدفع المزارع ثمن السماد، وتدفع الشركة ثمن الطاقة والعمالة، لكن بعض تكاليف التلوث قد تتحملها جهات أخرى: الأسرة التي تعتمد على مصدر مياه متضرر، أو المجتمع الذي ينفق على معالجة المياه، أو المزارع الذي تتراجع جودة أرضه بمرور الزمن.

إذا اكتفت دراسة الجدوى بحساب الإيرادات والتكاليف المباشرة للمشروع، فقد يبدو النشاط مربحًا، بينما تظل بعض أضراره خارج الحسابات.

ولا يعني ذلك تحميل المزارع وحده المسؤولية؛ فقد يكون ضحية لضعف الإرشاد الزراعي أو نقص المعلومات أو غلاء المدخلات أو غياب البدائل. المطلوب نظام يساعده على الاستخدام الرشيد، ويوفر له المعلومات والتدريب والحوافز المناسبة.

وتكشف التجارب التي عرضها موقع «عالمنا في البيانات» عن إمكان الجمع بين تحسين الإنتاجية وتقليل الاستخدام غير الكفء للأسمدة. ففي تجربة واسعة بالصين امتدت من 2005 إلى 2015، ارتفعت غلات الذرة والأرز والقمح بنحو 11%، وانخفض استخدام السماد النيتروجيني بنحو السدس، مع تحقيق عائد اقتصادي مقدر بـ12.2 مليار دولار. وقد ارتبطت النتائج بتحسين الممارسات والإرشاد والإدارة، لا بافتراض أن تقليل السماد يرفع الإنتاج في كل الظروف.

والدرس هنا ليس وصفة جاهزة لكل بلد، بل مبدأ يستحق التطبيق والاختبار: قد يكون تحسين المعرفة الزراعية أكثر جدوى من زيادة المدخلات بلا حساب.

سادسًا: ماذا تعني هذه القصة للسودان؟

حين نصل إلى السودان، لا ينبغي أن ننقل تجربة صناعية أجنبية كما هي، ولا أن نفترض أن حل مشكلة الإنتاج الزراعي يبدأ دائمًا بمصنع سماد ضخم.

السؤال الصحيح هو: ما الذي يحتاجه القطاع الزراعي السوداني حتى تتحول المعرفة الكيميائية إلى إنتاج أعلى، وتكلفة أقل، واعتماد أقل على الاختناقات الخارجية؟

يمكن البدء بخمسة مسارات مترابطة:

المسار الأول: حساب الاحتياج قبل شراء المدخلات*

تحتاج المحاصيل والأراضي المختلفة إلى احتياجات متفاوتة من العناصر الغذائية. ومن ثم، فإن تحليل التربة حيثما أمكن، وربط التوصيات الزراعية بالمحصول والمياه ونوع التربة، يساعد على توجيه السماد إلى المكان والكمية والتوقيت المناسبين.

فالسماد الذي لا يستفيد منه النبات ليس مجرد مال ضائع؛ قد يكون أيضًا عبئًا بيئيًا.

المسار الثاني: جعل الإرشاد الزراعي استثمارًا اقتصاديًا

ينبغي ألا يُنظر إلى تدريب المزارعين بوصفه إنفاقًا ثانويًا، بل بوصفه وسيلة لتحسين العائد على كل جنيه يُنفق على المدخلات. ويمكن للحقول الإيضاحية والتجارب المحلية ومشاركة نتائجها أن تساعد المزارع على المقارنة بين الممارسات المختلفة.

لكن نجاح هذا المسار يتطلب بيانات موثوقة، ومتابعة ميدانية، ومؤسسات قادرة على الوصول إلى المنتجين.

المسار الثالث: دراسة سلسلة إمداد الأسمدة كاملة

لا تتوقف تكلفة السماد عند سعره في بلد المنشأ. فهناك النقل والتخزين والتمويل والتوزيع وتوقيت الوصول. وقد يفقد السماد جزءًا كبيرًا من قيمته الاقتصادية إذا وصل بعد الموعد الزراعي المناسب.

لذلك يجب أن تنظر السياسات إلى سلسلة الإمداد بأكملها، وأن تقارن بين خيارات الاستيراد والتخزين والتصنيع المحلي، دون افتراض أن التصنيع المحلي مجدٍ في كل الظروف أو أن الاستيراد هو الخيار الأفضل دائمًا.

المسار الرابع: اختبار فرص التصنيع المحلي على أسس واقعية

قد تتوافر فرص لبعض الأنشطة المرتبطة بالأسمدة والكيماويات الزراعية، لكن قرار إنشاء مصنع يحتاج إلى دراسة جدوى مستقلة تشمل الطاقة والمياه والمواد الأولية ورأس المال والتكنولوجيا والسوق والنقل والصيانة والأثر البيئي.

والأهم أن نفرق بين وجود مورد طبيعي وبين القدرة الاقتصادية على تحويله إلى منتج تنافسي. فالمورد لا يصنع صناعة بمفرده؛ الصناعة منظومة معرفة وتمويل وإدارة وبنية أساسية وسوق.

المسار الخامس: ربط الأمن الغذائي بالبحث العلمي

يمكن للجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص والجهات الزراعية أن تتعاون في تجارب تقيس العائد الفعلي لاستخدام الأسمدة، وتختبر البدائل، وتحسن كفاءة الامتصاص، وتدرس ظروف التربة والمياه المحلية.

ومن الضروري أن تنشر النتائج بوضوح، بما فيها النتائج التي لا تحقق التوقعات؛ لأن التعلم من التجربة الفاشلة قد يمنع تكرار خسائر أكبر.

هذه المسارات لا تضمن وحدها حل مشكلات الزراعة السودانية، لكنها تساعد على تحويل السؤال من «كيف نشتري مزيدًا من المدخلات؟» إلى «كيف نحصل على أكبر عائد ممكن من الموارد المتاحة؟».

سابعًا: هل يمكن أن تصبح الأمونيا جزءًا من طاقة المستقبل؟

لا تنتهي قصة الأمونيا عند السماد. فهناك اهتمام متزايد بإنتاج الأمونيا منخفضة الانبعاثات، باستخدام الهيدروجين الناتج من التحليل الكهربائي للماء عندما تكون الكهرباء متجددة، بدل الاعتماد على المسارات التقليدية المرتبطة بالوقود الأحفوري.

وتناقش الجمعية الملكية البريطانية إمكانات الأمونيا في تخزين الطاقة ونقلها، إلى جانب استخدامها الزراعي، مع التأكيد على أن الانتقال إلى الإنتاج منخفض الكربون يحتاج إلى استثمارات وتطوير تقني وبنية تحتية ملائمة.

لكن ينبغي التعامل مع هذا المسار بواقعية. فكون التقنية واعدة لا يعني أنها الأقل تكلفة في كل مكان، ولا أن بناء صناعة جديدة سيكون مجديًا بمجرد توافر الشمس أو الرياح. يجب حساب تكلفة الكهرباء والمياه والمعدات والتخزين والنقل والسلامة، وتحديد الأسواق التي يمكن أن تشتري المنتج.

وبالنسبة إلى السودان، يمكن أن تكون دراسة هذه الخيارات جزءًا من رؤية طويلة الأجل تربط الطاقة بالزراعة والصناعة. غير أن الأولوية العملية تظل للمشروعات التي تثبت جدواها الاقتصادية، وتخدم احتياجات واضحة، وتبني قدرات محلية قابلة للاستمرار.

ثامنًا: الفكرة الثالثة التي يولدها «منبر نور»

ماذا نتعلم من كتاب «كيمياء الهواء»؟

نتعلم أن الاكتشاف العلمي قد يغير حياة البشر على نطاق لا يتصوره أصحابه في البداية. لكننا نتعلم أيضًا أن قيمة الاكتشاف لا تُقاس بعدد المصانع التي تنتجه، ولا بحجم الأرباح التي يحققها، وحدهما.

إن القيمة الأعمق تظهر عندما يستطيع المجتمع أن يحول العلم إلى غذاء متاح، وعمل منتج، وبيئة سليمة، وقدرة صناعية مستدامة.

ومن هنا نقترح مفهومًا نسميه:

«اقتصاد التحويل المسؤول».

وهو الاقتصاد الذي لا يكتفي بتحويل المعرفة إلى سلعة، أو المورد الطبيعي إلى منتج، بل يسأل عن جودة هذا التحويل وكفاءته وتوزيع منافعه وتكاليفه.

في هذا الاقتصاد، لا نقيس نجاح صناعة الأسمدة بحجم الإنتاج فقط، بل بمدى إسهامها في تحسين إنتاجية المزارع، وخفض تكلفة الغذاء، وبناء الخبرة المحلية، وتقليل الهدر والتلوث. ولا نقيس نجاح البحث العلمي بعدد الأوراق المنشورة وحده، بل بقدرته على حل مشكلات حقيقية، مع الحفاظ على الإنسان والموارد الطبيعية.

وهذا المفهوم لا يدعو إلى إبطاء الابتكار، بل إلى توسيع معنى النجاح. فالتقدم الحقيقي ليس أن نتمكن من فعل شيء جديد فحسب، وإنما أن نعرف لماذا نفعله، ولمن تعود منافعه، ومن يتحمل تكلفته، وكيف نصحح مساره إذا ظهرت أضراره.

خاتمة:
الهواء الذي صار غذاءً ومسؤولية

بدأت الحكاية بسؤال عن غاز موجود في الهواء، وانتهت إلى أسئلة عن الغذاء والصناعة والحرب والبيئة والتنمية.

وهذا ما يجعل بطون الكتب جديرة بالقراءة: إنها لا تمنحنا معلومات عن الماضي فقط، بل تساعدنا على رؤية الحاضر بعيون أكثر نفاذًا.

لقد فتحت كيمياء النيتروجين بابًا واسعًا لزيادة إنتاج الغذاء، لكنها لم تُلغِ الحاجة إلى إدارة جيدة، أو توزيع عادل، أو بحث علمي، أو رقابة بيئية. كما أن امتلاك التكنولوجيا لا يكفي إذا غابت القدرة على تشغيلها وصيانتها وتطويرها.

والرسالة التي نضعها أمام صانع القرار والباحث والمزارع والمستثمر هي أن المعرفة مورد استراتيجي، لكن تحويلها إلى منفعة عامة يحتاج إلى منظومة متكاملة من العلم والمؤسسات والاستثمار والمسؤولية.

فليس أعظم ما في العلم أنه يجعل المستحيل ممكنًا؛ بل أن يحسن الإنسان استخدام الممكن، من غير أن يهدم بيديه ما جاء العلم ليبنيه.

المراجع الأساسية

  1. Thomas Hager, The Alchemy of Air: A Jewish Genius, a Doomed Tycoon, and the Scientific Discovery That Fed the World but Fueled the Rise of Hitler, 2008. صفحة الناشر: https://www.penguinrandomhouse.com/books/73464/the-alchemy-of-air-by-thomas-hager-author-of-the-demon-under-the-microscope/
  2. Nobel Prize, “Fritz Haber – Facts”: https://www.nobelprize.org/prizes/chemistry/1918/haber/facts/
  3. Nobel Prize, “The Development of Modern Chemistry”: https://www.nobelprize.org/prizes/themes/the-nobel-prize-in-chemistry-the-development-of-modern-chemistry/
  4. Royal Society of Chemistry, “Who Really Discovered the Haber Process?” https://edu.rsc.org/feature/who-really-discovered-the-haber-process/2020277.article
  5. Our World in Data, “Fertilizers”: https://ourworldindata.org/fertilizers
  6. Our World in Data, “Can We Reduce Fertilizer Use Without Sacrificing Food Production?” https://ourworldindata.org/reducing-fertilizer-use
  7. The Royal Society, “Ammonia: Zero-Carbon Fertiliser, Fuel and Energy Store”: https://royalsociety.org/news-resources/projects/low-carbon-energy-programme/green-ammonia/executive-summary/

عبد العظيم الريح مدثر

مؤسس منبر نور البحثي

sanhooryazeem@hotmail.com

Author
عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
السودان.. هبوط مروحية عسكرية اضطراريا ونجاة ركابها شرقي البلاد
منبر الرأي
سِجن فُندقي في إنتظار مسرح الحرب : مأزق تحالُف بورتسودان المُسلّح بين غياب الفاعلية وسيناريوهات التصدُع (1-3)
منبر الرأي
انتصار المرأة السودانية… في رواية «حصار الغزالة واو»
منبر الرأي
العاقبة لشباب قيم السماء
منبر الرأي
قواعد السلوك الوظيفي وأخلاقيات الوظيفة العامة

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

لاتظلموا مبارك اردول، بل سنوا القوانين التي تؤسس لدولة المؤسسات ودولة سيادة حكم القانون .. بقلم: معز حضره

طارق الجزولي
منبر الرأي

تكنولوجيا الفوضى في الثورات العربية .. بقلم: د. حسن بشير محمد نور – الخرطوم

د. حسن بشير
منبر الرأي

(ببن نارين) الفكرة و(بين مدينتين) الامتداد .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

طارق الجزولي
منبر الرأي

هجرة عصافير الفلول .. بقلم: صباح محمد للحسن

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss