أواب عزام البوشي
كشفت تسريبات سياسية وتقارير إعلامية عن تحركات سعودية تهدف إلى بناء حاضنة مدنية داعمة للفريق أول عبد الفتاح البرهان، في محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني وإيجاد شركاء مدنيين جدد يمكن أن يشكلوا غطاءً سياسياً للسلطة القائمة في بورتسودان. غير أن هذه التحركات تواجه رفضاً واسعاً داخل الأوساط المدنية والسياسية والنقابية السودانية، حيث ترى قطاعات كبيرة من القوى المدنية أن الأولوية اليوم ليست لإعادة تشكيل التحالفات السياسية، بل لإيقاف الحرب وإنهاء الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان.
رفض يتجاوز حمدوك
ورغم أن رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك يُعد من أبرز الرافضين لهذه المقاربة، فإن الرفض لا يقتصر عليه وحده. فشريحة واسعة من القوى المدنية والسياسية تنظر بعين الريبة إلى أي محاولات لإعادة هندسة المشهد السياسي خلال فترة الحرب.
ويعتقد كثيرون أن أي ترتيبات سياسية تُبنى في ظل استمرار القتال ستكون فاقدة للشرعية الشعبية، وقد تؤدي إلى تعميق الانقسام بدلاً من معالجة جذور الأزمة، خصوصاً في ظل غياب توافق وطني شامل حول مستقبل البلاد.
خطوة قد تُعمّق الانقسام
ينطلق منتقدو هذه التحركات من أن السودان يعيش واحدة من أخطر مراحله التاريخية، حيث تهدد الحرب الحالية وحدة الدولة والنسيج الاجتماعي، الأمر الذي يجعل أي تحركات سياسية منحازة لطرف من أطراف الصراع محفوفة بالمخاطر.
وبحسب هذا الرأي، فإن محاولة بناء تحالفات مدنية مرتبطة بأحد أطراف الحرب قد تُفسَّر باعتبارها اصطفافاً سياسياً لا يسهم في إنهاء الصراع، بل قد يدفع نحو مزيد من الاستقطاب والانقسام، في وقت يحتاج فيه السودان إلى مبادرات تركز على وقف الحرب أولاً قبل الدخول في ترتيبات الحكم والسلطة.
تجاهل لطبيعة الصراع
ويرى مراقبون أن إحدى مشكلات المقاربة الحالية تتمثل في التعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها أزمة سلطة يمكن حلها عبر جمع عدد من السياسيين حول طرف بعينه، بينما الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
فالدعم السريع، سواء اتفق المرء معه أو اختلف، لا يمثل مجرد قوة عسكرية، بل يرتبط بتحالفات تضم مجموعات وقوى سياسية ومدنية ومجتمعية متعددة (تأسيس) ، بعضها كان جزءاً من العملية السياسية خلال السنوات الماضية. ولذلك فإن أي مشروع سياسي يتجاهل هذه الحقيقة أو يحاول تجاوزها لن يكون قادراً على إنتاج تسوية مستقرة أو مستدامة.
دروس اليمن التي لم تُستوعب
ويستحضر كثير من المتابعين التجربة اليمنية باعتبارها نموذجاً لتحذير واضح من مخاطر الرهان على التحالفات المؤقتة والصفقات السياسية التي لا تعالج جذور الأزمة. فبعد سنوات طويلة من الصراع، أثبتت الوقائع أن الحلول العسكرية أو الترتيبات الجزئية لم تتمكن من إنهاء الحرب أو بناء دولة مستقرة.
ومن هذا المنطلق، يرى منتقدو التحركات السعودية أن السودان يحتاج إلى مقاربة مختلفة تنطلق من وقف الحرب أولاً، ثم إطلاق عملية سياسية شاملة لا تستثني أي طرف مؤثر في المشهد، وتؤسس لانتقال مدني حقيقي قائم على التوافق الوطني لا على إعادة إنتاج الاستقطابات القائمة.
تكشف ردود الفعل الرافضة لهذه التحركات أن الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في معادلات النفوذ أو إعادة ترتيب التحالفات السياسية. فالسودان اليوم يواجه تحدياً وجودياً يتعلق بمستقبل الدولة نفسها، وهو ما يجعل وقف الحرب المدخل الضروري لأي عملية سياسية جادة. أما القفز مباشرة إلى تشكيل حواضن سياسية لطرف من أطراف الصراع، فقد يُنظر إليه باعتباره خطوة تزيد من تعقيد الأزمة بدلاً من المساهمة في حلها.
awabazzam456@gmail.com
