من بربرة إلى باب المندب: كيف يعيد الاقتصاد رسم القرن الأفريقي بعيدًا عن أوهام الهيمنة

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

من بربرة إلى باب المندب:
كيف يعيد الاقتصاد رسم القرن الأفريقي بعيدًا عن أوهام الهيمنة
د. أحمد التيجاني سيد أحمد ١٦ يناير ٢٠٢٦
روما – إيطاليا

تمهيد: لماذا نحتاج هذا النقاش الآن؟

يعيش القرن الأفريقي لحظة مفصلية يتقاطع فيها الاقتصاد مع الجغرافيا والسياسة. وفي مثل هذه اللحظات، يميل الخطاب العام إلى الانفعال والتخوين بدل الفهم والتحليل. كثير من القراء لم يطّلعوا على المقالات السابقة، ولذلك فإن التكرار هنا ليس عيبًا، بل ضرورة لشرح السياق وإعادة ترتيب الأسئلة الأساسية: أين تكمن مصلحة شعوب المنطقة؟

البحر الأحمر: شريان التجارة العالمية المنسي

البحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي أو مسرح تنافس عسكري، بل أحد أهم شرايين التجارة العالمية. تمر عبره سلع أساسية، وطاقة، وغذاء، وتربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. حين يختل استقراره، ترتفع تكاليف النقل، وتتعطل سلاسل الإمداد، وتتحمل الشعوب الفقيرة العبء الأكبر.

لذلك فإن استقرار البحر الأحمر ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطًا اقتصاديًا أساسيًا. الموانئ الفعّالة، والإدارة الرشيدة للسواحل، والتعاون الإقليمي، كلها عوامل تحدد ما إذا كانت الجغرافيا نعمة أم نقمة.

صوماليلاند: من الهامش إلى قلب المعادلة

تقع صوماليلاند على خليج عدن قرب باب المندب، في موقع استراتيجي ظل مهملًا لعقود. لكن منذ أوائل التسعينيات، اختارت هذه المنطقة مسارًا مختلفًا: بناء مؤسسات محلية، توفير حد أدنى من الأمن، وإدارة الموارد المتاحة بعقلانية.

ميناء بربرة لم يعد مجرد رصيف بحري، بل مشروع اقتصادي متكامل. هو بوابة تجارية محتملة لدول داخلية، وعلى رأسها إثيوبيا، ومصدر دخل وفرص عمل محلية تقلل الاعتماد على التهريب والهجرة.

إثيوبيا: دولة بلا بحر تبحث عن توازن

إثيوبيا من أكبر دول أفريقيا سكانًا واقتصادًا، لكنها بلا منفذ بحري. هذا الواقع خلق ضغوطًا سياسية واقتصادية متراكمة. الحل المنطقي ليس الصدام، بل التكامل الإقليمي.

ربط إثيوبيا بميناء بربرة يحقق مصلحة مشتركة: منفذ تجاري مستقر لإثيوبيا، ونشاط اقتصادي متزايد لصوماليلاند، وتخفيف الضغط عن موانئ محدودة في الإقليم.

السودان: الغائب الحاضر

السودان يمتلك موقعًا وموارد تؤهله ليكون جسرًا بين القرن الأفريقي والعالم العربي. لكن الحروب، وسوء الإدارة، والأدلجة السياسية، حولته إلى دولة غائبة عن فرصها.

استقرار البحر الأحمر ونشوء شبكات موانئ فعالة في الإقليم يفتحان للسودان، حال استعاد دولته، فرصة حقيقية للاندماج في الاقتصاد الإقليمي وتقليل نزيف الهجرة.

السعودية: الاستقرار كضرورة استراتيجية

تنظر السعودية إلى البحر الأحمر بوصفه عمقًا استراتيجيًا مباشرًا. استقرار الضفة الأفريقية يعني أمن الملاحة، وأمن الطاقة، وتدفق التجارة.

من هذا المنطلق، تفضّل السعودية سياسات الاستقرار والاستثمار طويل الأمد، بدل المغامرات قصيرة النظر التي تزعزع الإقليم بأكمله.

مصر: مخاوف مشروعة أم رؤية احتكارية قديمة؟

تُظهر مصر حساسية عالية تجاه أي تحولات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. جزء من هذه الحساسية مفهوم، لكن جزءًا آخر يعود إلى رؤية احتكارية قديمة ترى الممرات المائية مجال نفوذ حصري.

غير أن العالم تغيّر، والأمن لا يتحقق بتعطيل الآخرين، بل ببناء شراكات متوازنة واستقرار إقليمي شامل. أمن مصر الحقيقي يبدأ من استقرار جوارها، لا من محاصرته.

الاقتصاد كأداة ضد الهجرة والتطرف

حين تعمل الموانئ، وتُفتح الطرق، وتتوفر فرص العمل، يقل اندفاع الشباب نحو الهجرة غير النظامية، ويضعف خطاب التطرف الذي يتغذى على اليأس.

الاقتصاد المنتج ليس حلًا سحريًا، لكنه أقوى وأبقى من أي خطاب أيديولوجي.

خاتمة: الجغرافيا فرصة لا لعنة

ما يجري في القرن الأفريقي ليس مؤامرة، ولا إعادة استعمار، بل محاولة متأخرة لتصحيح مسار طويل اختطفته الحروب والأيديولوجيا.

البحر الأحمر لا يحتاج أوصياء، بل شركاء. ومن يفهم الجغرافيا بوصفها فرصة، لا تهديدًا، سيكون الأقدر على صناعة المستقبل.

مراجع وخلفيات

  • البنك الدولي: تقارير التجارة والموانئ في القرن الأفريقي.
  • UNCTAD: Red Sea and Horn of Africa Trade Routes.
  • African Development Bank: Regional Integration in the Horn of Africa.
  • تقارير منظمة الهجرة الدولية حول الهجرة عبر البحر الأحمر.
  • مقالات الكاتب السابقة حول صوماليلاند والبحر الأحمر (سودانيز أونلاين، التنوير).

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

من ذكرى محمود محمد طه إلى أفق الدولة التأسيسية

من ذكرى محمود محمد طه إلى أفق الدولة التأسيسية . الدعم السريع، القطيعة مع الكيزان، …