د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي وعضو مؤسس في تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»
تنويه: هذه رؤية سياسية شخصية للنقاش، أطرحها بصفتي قيادياً وعضواً مؤسساً في تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، وليست بياناً رسمياً صادراً عن التحالف.
ما بعد بورتسودان: التحدي الأكبر
ستسقط بورتسودان، وسيمتد مشروع التأسيس إلى كل أنحاء السودان. فلتتهيأ المجتمعات السودانية للتغيير القادم، ولتكن مستعدة للمشاركة في بناء دولة جديدة تنهي عقوداً من الاستبداد والحروب والتفكك.
لكن السؤال الأهم ليس فقط كيف تسقط سلطة بورتسودان، وإنما ماذا بعد ذلك؟ كيف نوقف الحرب، ونمنع انهيار ما تبقى من الدولة، ونؤسس لسلطة قادرة على توحيد البلاد وإدارة مرحلة الانتقال؟
إن سقوط سلطة بورتسودان، مهما كانت الظروف التي تقود إليه، لن يكون في حد ذاته نهاية الأزمة السودانية. فالانتصار الحقيقي هو أن نتمكن من تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى بداية لتأسيس دولة جديدة، لا تعيد إنتاج أزمات الماضي ولا تستبدل سلطة شمولية بأخرى.
أولاً: تسوية سياسية جريئة لإنهاء الحرب
في تقديري، قد يكون المدخل الواقعي لإنهاء الحرب هو التوصل إلى تسوية سياسية واسعة بين تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» وتحالف صمود، بمشاركة القوى المدنية والسياسية والمجتمعية السودانية الراغبة في إنهاء الحرب وإقامة دولة مدنية ديمقراطية.
يمكن الاستفادة من التجربة السورية، ليس باعتبارها نموذجاً ينبغي استنساخه، وإنما باعتبارها مثالاً على التحولات التي قد تنشأ عندما تتمكن سلطة جديدة من فرض قدر من الاستقرار وإظهار القدرة على إدارة الأرض ومؤسسات الحكم، ثم تنجح في فتح قنوات الاعتراف والتعامل الدولي.
فصعود أحمد الشرع، رغم خلفيته المتشددة وتاريخه المرتبط بالجماعات الجهادية، وما أعقبه من انفتاح أمريكي ودولي عليه، يقدم درساً في براغماتية السياسة الدولية، وفي أن القدرة على إحداث تغيير واقعي وإدارة مرحلة جديدة قد تفرض إعادة النظر في المواقف الدولية.
السودان يحتاج إلى مقاربة سياسية جريئة، قوامها التوافق الداخلي، والقدرة على إدارة الدولة، والانفتاح على القوى الدولية والإقليمية المؤثرة.
ثانياً: تصور للسلطة الانتقالية
أطرح للنقاش تصوراً سياسياً يقوم على الترتيبات التالية:
١. رئاسة الوزراء: يتولى الدكتور عبد الله حمدوك رئاسة الحكومة الانتقالية، مستنداً إلى خبرته في العمل الحكومي والعلاقات الدولية، وبما يضمن مشاركة القوى المدنية والسياسية في إدارة المرحلة.
٢. رئاسة الدولة: يتولى الفريق أول محمد حمدان دقلو «حميدتي» رئاسة الدولة ضمن صيغة انتقالية دستورية متوافق عليها، بصلاحيات محددة وخاضعة لمؤسسات الدولة والرقابة المدنية، وبما يضمن إنهاء تعدد مراكز القوة والسلاح.
٣. دور تأسيس: يشكل تحالف السودان التأسيسي الإطار السياسي والمؤسسي المحوري لهذا المشروع، وشريكاً أساسياً في بناء السلطة الانتقالية وصياغة مشروع الدولة الجديدة، على أسس المواطنة والعدالة واللامركزية والحكم المدني.
هذه مقترحات سياسية للنقاش والتوافق، وليست ترتيبات مفروضة على السودانيين. فشرعية أي سلطة انتقالية يجب أن تستند إلى توافق وطني وضمانات دستورية ومؤسسات رقابية مستقلة.
ثالثاً: الانفتاح الدولي والإقليمي
ينبغي العمل على بناء تفاهم دولي واسع، بمشاركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، لدعم وقف الحرب وضمان التسوية السياسية وتوفير الدعم اللازم للانتقال وإعادة الإعمار.
أما إقليمياً، فمن الضروري تحييد التدخلات التي ساهمت في إطالة الحرب، ومنع تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
وأرى ضرورة إبقاء الدول العربية خارج دائرة التدخل في الشأن السوداني، مع استثناء دولة الإمارات من هذا التوجه، وفتح باب التعاون معها في إطار التسوية والمصالح المشتركة.
وفي المقابل، ينبغي تشجيع الدول الأفريقية المجاورة على دعم مشروع التأسيس، مع التعامل بحذر مع أدوار مصر وليبيا، بما يحفظ سيادة السودان واستقلال قراره الوطني.
كما أرى أهمية بناء علاقات استراتيجية متوازنة مع المغرب وإسرائيل، والاستفادة من إمكانات التعاون السياسي والاقتصادي والتكنولوجي، وفق المصالح الوطنية السودانية.
رابعاً: دعوة مفتوحة إلى الانصهار الوطني الطوعي
أود التأكيد على نقطة جوهرية: تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» ليس مشروعاً نبحث اليوم عن تأسيسه من جديد؛ إنه تحالف قائم، وله هياكله ومؤسساته ومشروعه السياسي.
لكننا اليوم بحاجة إلى توسيع قاعدة المشاركة والانفتاح على كل السودانيين والسودانيات، وعلى كل القوى السياسية والمدنية والمجتمعية والشخصيات الوطنية التي تؤمن بضرورة تجاوز الاستقطاب والانقسامات التاريخية.
إن دعوتنا هي دعوة إلى الانصهار الوطني الطوعي للمعتقدات والتيارات والأيديولوجيات المختلفة، والالتقاء حول مشروع وطني جامع، تكون فيه المواطنة المتساوية والديمقراطية والعدالة وسيادة القانون أساساً لبناء الدولة.
لسنا بصدد مطالبة السودانيين بالتخلي عن معتقداتهم أو أفكارهم أو انتماءاتهم، بل ندعوهم إلى احترام اختلافاتهم، والتوافق طوعاً على الحد الأدنى الذي يسمح ببناء وطن يتسع للجميع.
ولا مكان في هذا المشروع للحركة الإسلامية الكيزانية، أو للعناصر المؤدلجة داخل المؤسسة العسكرية، أو لكل من يسعى إلى فرض أيديولوجيته على الدولة والمجتمع أو إعادة إنتاج الشمولية والاستبداد.
نحن لا نريد استبدال أيديولوجيا بأخرى، ولا استبدال هيمنة جماعة بهيمنة جماعة جديدة. نريد دولة لا تحتكرها حركة سياسية أو مؤسسة عسكرية أو جماعة دينية أو عرقية أو جهوية.
الاختلاف حق، والانصهار الوطني طوعي، والوطن للجميع.
خامساً: الدولة التي نريدها
إن نجاح أي تسوية سياسية لن يُقاس بعدد المناصب التي توزع بين القيادات، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها الأطراف، وإنما بقدرتها على إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
نريد دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على:
- المواطنة المتساوية دون تمييز.
- الحكم اللامركزي والتوزيع العادل للسلطة والثروة.
- استقلال القضاء وسيادة القانون.
- إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس مهنية ووطنية.
- إنهاء تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة.
- العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.
- إعادة إعمار ما دمرته الحرب، واستعادة الخدمات والتعليم والصحة والإنتاج.
- إطلاق طاقات الشباب والنساء والمجتمعات المحلية في بناء المستقبل.
أخيراً: نداء إلى السودانيين
إن اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان تتطلب شجاعة سياسية تتجاوز الحسابات الشخصية والحزبية والجهوية.
أدعو كل من يؤمن بالسودان وطناً للجميع، وكل من يؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية، وكل من سئم الحروب والانقلابات والاستقطاب الأيديولوجي، إلى الانفتاح على مشروع التأسيس والمساهمة في تطويره وتوسيعه.
ليس مطلوباً أن نتفق في كل شيء، ولا أن نتبنى فكراً سياسياً واحداً. المطلوب أن نتفق على وطن لا يُقصي أحداً بسبب معتقده أو انتمائه، ولا يسمح لأحد بفرض معتقده أو أيديولوجيته على الآخرين.
إن ما بعد سقوط بورتسودان يجب ألا يكون مجرد انتقال للسلطة من يد إلى أخرى، بل انتقالاً تاريخياً من دولة الهيمنة والاستبداد إلى دولة المواطنة والمؤسسات.
فإما أن نغتنم هذه اللحظة لبناء دولة جديدة، أو نعيد إنتاج أزماتنا القديمة بأسماء ووجوه جديدة.
فلنتهيأ جميعاً للتغيير القادم، ولنجعل من التأسيس مشروعاً وطنياً جامعاً، ومن نهاية الحرب بداية حقيقية لميلاد السودان الجديد.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي وعضو مؤسس في تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
