من تفكيك الدولة المؤدلجة إلى تبرير الدويلة الميليشياوية.. أزمة الاتساق في خطاب الوليد مادبو!

عبدالغني بريش فيوف
إن من أشد الفواجع التي تُبتلى بها الأمم في أوقات المحن والحروب الوجودية، هي خيانة النخب وسقوط المثقفين في مستنقعات الانحياز الأعمى للعصبية، فحين يتحول القلم، الذي يُفترض أن يكون مبضع جراح لتشخيص أمراض الوطن بموضوعية وتجرد، إلى بوق ينفخ في رماد القبلية المقيتة، فإننا نكون أمام كارثة أخلاقية توازي في خطرها، بل وربما تفوق، كارثة دوي المدافع وأزيز الرصاص.
لقد طالعنا مؤخراً، دكتور الوليد آدم مادبو، بمقال مسهب تحت عنوان (الدولة الإخوانية في السودان: امتداد لصراع كوني متخيّل)، خصصه لتفكيك بنية نظام الإخوان المسلمين في السودان، محاولاً تشريح كيف دمروا البلاد والعباد على مدار ثلاثة عقود حسوماً.
والحق يقال، إن تشخيصه لجرائم الحركة الإسلامية في السودان دقيق في جله، ولا يختلف اثنان من أبناء هذا الشعب المكلوم، الذي اكتوى بنار الإنقاذ، على أن تنظيم الإخوان قد أورد السودان موارد الهلاك، ومزق نسيجه، وبدد ثرواته، وأحال دولته إلى إقطاعية حزبية ضيقة.
ولكن، الكارثة العظمى لا تكمن في متون ما كتبه، دكتور الوليد آدم عن الإسلاميين، بل في شخص من يكتبه وفي التوقيت والمآلات، فكيف يستقيم عقلا، وأخلاقا، ووطنيا، أن يتقمص دور الناصح الأمين والمفكر الاستراتيجي، شخصٌ انحاز بوضوح وفجاجة، من منطلق قبلي وعشائري بحت، لميليشيا الدعم السريع؟
تلك الميليشيا المتمردة التي تحرق السودان اليوم، وتغتصب حرائره، وتنهب مقدرات المواطنين العزل، وتستبيح دماء أبناء هذا الشعب الذي تدعي الدفاع عن مصالحه.
إن من يقف مع القبيلة ضد الدولة، ومن يصفق لميليشيا تسعى لابتلاع السودان بقوة السلاح والارتزاق والعمالة، يفقد أهليته الأخلاقية والوطنية فوراً لانتقاد أي جهة أخرى، حتى لو كانت هذه الجهة هي تنظيم الإخوان المسلمين، ففي ميزان الأوطان، لا فرق أبداً بين لص سرق بيتك وهو يتلو آيات القرآن، ولص آخر يسفك دماءك وهو يرفع راية القبيلة والمظلومية، فكلاهما عدوٌ للبيت، وكلاهما خنجر مسموم في ظهر الوطن.
بين عقلية الثكنة المؤدلجة وعقلية الغابة الميليشياوية!
“إنها، في جوهرها أزمة دولة اختُطفت طويلًا باسم العقيدة، وأُديرت بعقلية الثكنة، ووجّهتها أوهام الرسالة العابرة للحدود”.
دكتور الوليد، محق تماماً في أن الإخوان قد اختطفوا الدولة السودانية باسم العقيدة، وأحالوها إلى حقل تجارب لأوهامهم، ولكن، ألا يرى بعينه الأخرى، التي يبدو أن العصبية القبلية قد أطفأت نورها، أن ميليشيا الدعم السريع التي يناصرها وتغض الطرف عن جرائمها، تسعى اليوم لاختطاف ما تبقى من هيكل الدولة باسم القبيلة والعرق؟
إذا كان نظام الإخوان قد أدار الدولة بعقلية الثكنة كما تفضل الدكتور، فإن حلفاءه في الميليشيا يديرون صراعهم بعقلية الغابة والنهب والسلب.
لقد وظف الإخوان أوهاماً أيديولوجية عابرة للحدود لتثبيت أركان حكمهم، بينما استجلبت ميليشيا الدعم السريع مرتزقة عابرين للحدود من عمق دول الجوار الإفريقي، لا لنشر رسالة كونية، بل لتدمير البنية التحتية، واحتلال بيوت المواطنين، وإبادة مجتمعات بأكملها على أسس عرقية كما شهدنا بأسى بالغ في الجنينة وبارا وغيرها من حواضر السودان وقراه، فكيف لعقل يدعي الاستنارة أن يستقبح الاختطاف الأيديولوجي، وفي ذات اللحظة يستملح، أو يبرر بصمته، الاختطاف العرقي والميليشياوي الهمجي؟
الارتهان للخارج والمحاور المأجورة!
يقول الدكتور الوليد، حين غزا العراق الكويت عام 1990، اصطفّ النظام السوداني مع بغداد… ثم انفتح الباب على محور آخر: علاقة عضوية مع إيران… وهكذا تحوّل البلد إلى ساحة مناورة في صراعٍ خليجي–إيراني لا يملك أدواته ولا يتحكم في مساراته.
إذن الدكتور هنا، ينتقد وبشدة ارتهان قرار الدولة السودانية في عهد الإنقاذ لمحاور خارجية، ويعتبر ذلك إهداراً للسيادة وتدميراً للمصلحة الوطنية العليا.
وهذا نقد في محله، ولكن دعنا نسأله بصراحة لا تقبل المواربة: من الذي يمول ميليشيا الدعم السريع اليوم، من الذي يمدها بالسلاح الفتاك، والمسيرات، والعتاد الحربي، ورواتب المرتزقة لتدمير مؤسسات الدولة السودانية وجيشها، أليست هذه الميليشيا اليوم هي أداة طيعة وبندقية مأجورة في يد محور إقليمي معروف للقاصي والداني؟
إذا كان تنظيم الإخوان قد باع قرار السودان الاستراتيجي من أجل أوهام ماورائية وشعارات جوفاء، فإن الميليشيا التي يقف دكتور الوليد في خندقها قد باعت وجود السودان ذاته، ورهنت أرضه وموانئه ومقدراته، مقابل طموحات شخصية وعائلية لقائدها، وخدمة لأجندات خارجية تبحث عن النفوذ ونهب الموارد.
إن العمالة للخارج والارتهان للمحاور خيانة لا تتجزأ، ولا يمكن تبريرها أو تجميلها، سواء كانت تتسربل بجبة وعمامة المشروع الحضاري، أو تتخفى خلف كدمول الميليشيا وشعارات جلب الديمقراطية الزائفة.
المشروع الطفيلي وغياب المصلحة الوطنية!
“النظام الذي حكم باسم الإسلام لم تحركه نوازع وطنية صافية… بل كان – في بنيته العميقة – مشروعا طفيليا يوظّف اللافتات الأيديولوجية والعواطف الدينية لتحقيق مصالح ذاتية محضة”.
يدهشني، دكتور الوليد، هنا، إذ أن هذا التوصيف الدقيق الذي أطلقه على نظام الإخوان، ينطبق بحذافيره، بل وبصورة أشد بشاعة ودموية، على ميليشيا الدعم السريع التي انحاز إليها الدكتور.
لقد كان مشروع الإخوان مشروعا طفيليا سياسيا واقتصاديا، سرق أموال الدولة عبر آليات الفساد المقنن والتمكين الوظيفي.
أما الميليشيا، فهي مشروع طفيلي إجرامي ودموي، لا يكتفي بسرقة أموال الدولة، بل يقتحم منازل المواطنين الآمنين ليسرق مدخراتهم، وينهب البنوك والمصانع، ويهرب ذهب السودان ليصنع إمبراطورية مالية لأسرة واحدة وعشيرة محددة.
لقد وظّف الإخوان “الدين الإسلامي” للوصول إلى السلطة، بينما وظفت الميليشيا شعارات محاربة دولة 56 والقضاء على الفلول كغطاء رخيص لتسويق مشروع استيطاني يهدف إلى ابتلاع الدولة لصالح القبيلة، وكلاهما كيان طفيلي، وكلاهما يمتص دماء الشعب السوداني بلا رحمة.
التناقض الفاضح في البكاء على البنية الاجتماعية!
“وإذا كانت أنظمة استبدادية سابقة قد ألحقت أضرارا بالغة بالبنية الاجتماعية والسياسية، فإن نظام الإنقاذ اختطف السودان اختطافًا كاملًا… لقد استُخدم السودان ساحةً: ساحة لتصفية حسابات، وساحة لغسل أموال، وساحة لتمرير رسائل إقليمية”.
هنا، يبلغ التناقض وازدواجية المعايير مداه الأقصى في مقال الدكتور، حيث يتحدث بحرقة عن البنية الاجتماعية التي أضر بها الإخوان، ويتباكى على تحويل السودان إلى ساحة لغسيل الأموال وتصفية الحسابات، حسناً، ولكن ماذا عن التطهير العرقي الممنهج الذي مارسته الميليشيا في الجنينة؟
ماذا عن دفن المواطنين أحياء، والتنكيل بالجثث، وإشعال الفتن القبلية التي مزقت النسيج الاجتماعي السوداني بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد القديم والحديث؟
أما حديثه عن تحويل السودان إلى ساحة لغسيل الأموال، فهل نسى الدكتور، أم تناسى عمداً، أن الميليشيا التي يوفر لها الغطاء الفكري والسياسي، هي أكبر شبكة لغسيل الأموال وتهريب الذهب في القارة الإفريقية بأسرها، باعتراف التقارير الدولية؟
إن حديثه عن المصلحة الوطنية وتماسك المجتمع، بينما يصطف مع من يدمر مفهوم “الوطن” والمواطنة من الأساس، هو استخفاف بعقول القراء وإهانة لذكاء الشعب السوداني الذي يوثق يومياً جرائم هذه الميليشيا بالصوت والصورة.
وهم الأمن القومي في ظل الميليشيات!
“المطلوب إعادة تعريف الأمن القومي السوداني خارج قاموس المحاور، وبناء استراتيجية مستمدة من الجغرافيا السياسية للقرن الإفريقي، ومن حاجات الاقتصاد، ومن كرامة المواطن”.
إنها حقاً كلمات رنانة، وعبارات منمقة تصلح للمدرجات الأكاديمية والندوات النظرية، ولكن، دعنا نهبط إلى أرض الواقع الملطخة بالدماء: كيف يمكن لأي عقل سياسي سوي أن يتحدث عن بناء أمن قومي واستراتيجية جيو-سياسية في ظل وجود جيشين؟
وكيف يتحدث دكتور الوليد بملء فمه عن كرامة المواطن، والميليشيا التي تحظى بتعاطفه، تتخذ من هؤلاء المواطنين العزل دروعاً بشرية، وتحتل غرف نومهم، وتطرد المرضى من المستشفيات، وتبيع حرائر السودان في أسواق النخاسة الإقليمية الحديثة؟
إن أبجديات العلوم السياسية، التي لا شك أن دكتور الوليد مادبو يدركها، تؤكد أن الأمن القومي لأي دولة يبدأ بوجود جيش وطني واحد ومؤسسات دستورية تحتكر حق استخدام القوة الشرعية، وإن الميليشيات القبلية، بطبيعتها وتكوينها، هي النقيض المطلق لمفهوم الدولة والأمن القومي، وعليه، فإن تنظيره في مقاله هنا، يبدو كمن يطالب بتحديث ديكور المنزل واختيار ألوان طلاء الجدران، بينما النيران تلتهم أساسات المنزل وأعمدته بفعل فاعل تعرفه جيداً وتتستر عليه!
يقول دكتور الوليد آدم في الختام، “إن تفكيك مشروع “الدولة المؤدلجة” في السودان والقضاء على الكيزان قضاءا مُبرما لم يعد شأنا داخليا فحسب؛ إنه ضرورة إقليمية أيضا”.
ونحن إذ نتفق مع الدكتور تماماً في هذه النتيجة، ذلك إن القضاء على مشروع الدولة المؤدلجة، وتفكيك بنية التمكين الإخواني، هو ضرورة حتمية لتعافي جسد الدولة السودانية، ولكن، ألا تلاحظون أعزائي القُراء أن جملته الختامية مبتسرة وناقصة نقصاً يفضح النوايا؟
إن تفكيك مشروع الدويلة الميليشياوية، والقضاء على ميليشيا الدعم السريع قضاءا مبرماً، وتجريدها من سلاحها ومرتزقتها، هو ضرورة وطنية وإقليمية ودولية وأخلاقية تسبق وتوازي أي ضرورة أخرى، فالدولة السودانية لا يمكن أن تُدار بمنطق التنظيم السري كما فعل الإخوان، ولا يمكن إطلاقاً أن تُبنى أو تستقر بمنطق الفزع القبلي، والنهب المسلح، واحتلال المدن كما تفعل الميليشيا.
خلاصة القول يا دكتور الوليد آدم مادبو، إن المثقف الذي يفصّل بوصلته الأخلاقية على مقاسات قبيلته، ويطوع قلمه لتبرير جرائم أبناء عمومته، يسقط سريعاً في اختبار التاريخ ومزبلته.
لقد رفض الشعب السوداني العظيم تنظيم الإخوان المسلمين، وثار عليهم وقدم الشهداء، لأنهم صادروا حريته وكرامته باسم الدين، وهذا الشعب الأبي نفسه يرفض اليوم، وسيسحق عاجلاً أم آجلاً، ميليشيا الدعم السريع لأنها تصادر حقه في الحياة والوجود والمأوى باسم القبيلة والتهميش.
لا تعتقد يوماً أن هجومك العنيف، مهما بلغت صحته، على تنظيم الحركة الإسلامية سيمنحك صك غفران، أو يغسل خطيئتك الكبرى في الانحياز لمن يغتصب ويقتل وينهب.
في السودان الجديد الذي سيولد حتماً من رحم هذه المعاناة والآلام، لا مكان لتجار الدين ومقرمطي الأيديولوجيا، كما لا مكان فيه لأمراء الحرب وزعماء القبائل المتمردة وعصابات النهب السريع.
كلاهما وجهان لعملة واحدة، عملة الخراب الشامل والدمار العميم، وإلى أن تدرك هذه الحقيقة البديهية وتتحلى بشجاعة المثقف الحقيقي الذي ينحاز للوطن قبل القبيلة، ستظل مقالاتك مجرد صرخة بائسة في وادٍ، تفضح عورات قائلها أكثر مما تدين جرائم خصمه.

bresh2@msn.com

عن عبدالغني بريش فيوف

شاهد أيضاً

فلسفة التوحش .. حين يشرعن الوليد مادبو جرائم ذوي القربى باسم الهامش!!

عبدالغني بريش فيوفbresh2@msn.com ليس كل من نطق بمفردات التهميش مهمشا أو صار نصيرا للهامش، ولا …