من ثقافة الحرب إلى ثقافة التعايش: كيف نعيد تشكيل الوعي الجمعي؟ دور التعليم والإعلام والزعامات التقليدية في تحويل الذهنية القتالية
بقلم: لوال كوال لوال
ليست الحروب مجرد اشتباكات عسكرية تُقاس بنتائج المعارك أو بحجم الخسائر البشرية والمادية، بل هي قبل ذلك وبعده حالة نفسية وثقافية عميقة تُعيد صياغة الإنسان من الداخل. فحين يعيش المجتمع سنوات طويلة تحت ظل الصراع، تتبدل منظومة القيم تدريجياً حتى يصبح العنف جزءاً من الحياة اليومية، وتتحول لغة السلاح إلى لغة تواصل، بينما يتراجع الحوار إلى موقع الضعف. في مثل هذه البيئات، لا يعود السلام مجرد اتفاق سياسي، بل يصبح تحدياً وجودياً يتطلب إعادة بناء الوعي الجمعي من جذوره. إن التحول من ثقافة الحرب إلى ثقافة التعايش ليس حدثاً آنياً، بل مسار تاريخي طويل يحتاج إلى صبر اجتماعي واستثمار فكري وروحي متواصل. ثقافة الحرب تنشأ حين يشعر الإنسان بأن البقاء نفسه مرهون بالقوة. في هذه اللحظة، تتقلص مساحة الثقة بين الناس، ويتحول “الآخر” إلى خطر محتمل، حتى وإن كان جاراً أو شريكاً في العمل أو الدراسة. ومع تراكم الخوف، تبدأ المجتمعات في إنتاج سرديات تُبرر الصراع وتمنحه طابعاً أخلاقياً أو تاريخياً أو حتى دينياً. وهنا يصبح العنف ليس فقط وسيلة، بل قيمة يتم الاحتفاء بها وتوريثها للأجيال. الأطفال الذين ينشأون في بيئات الصراع يتعلمون منذ الصغر كيف يفرّقون بين “نحن” و“هم”، ويتلقون قصصاً عن البطولة مرتبطة بالمواجهة أكثر مما يتلقون قصصاً عن البناء والتعاون. ومع مرور الزمن، تتجذر هذه التصورات حتى تصبح جزءاً من الهوية الفردية والجماعية. لكن المجتمعات لا يمكن أن تعيش إلى الأبد في حالة تعبئة عسكرية. فالحرب، مهما طالت، تستهلك طاقات الناس وتُنهك مواردهم وتُضعف قدرتهم على الحلم بالمستقبل. وهنا تبدأ الحاجة الملحّة إلى إعادة تعريف الذات الجماعية بعيداً عن منطق الصراع. إن إعادة تشكيل الوعي الجمعي تعني الانتقال من عقلية البقاء عبر الإقصاء إلى عقلية البقاء عبر الشراكة. هذا الانتقال يتطلب تغييراً في اللغة التي يستخدمها الناس لوصف أنفسهم ووصف الآخرين، وفي الرموز التي يحتفون بها، وفي النماذج التي يقدمونها للأجيال الصاعدة. يأتي التعليم في مقدمة الأدوات القادرة على قيادة هذا التحول. فالمدرسة ليست مجرد مكان لتلقين المعارف، بل فضاء اجتماعي يتعلم فيه الطفل كيف يرى العالم وكيف يحدد موقعه فيه. حين تكون المناهج الدراسية مشبعة بروح الانغلاق أو التمجيد الأحادي للتاريخ، فإنها تكرّس الانقسام وتُعيد إنتاج الصراعات بشكل غير مباشر. أما حين تُبنى على قيم النقد والتفكير الحر واحترام التنوع، فإنها تفتح الباب أمام جيل قادر على تخيّل مستقبل مختلف. إن إدخال مفاهيم المواطنة والتسامح والتعايش في المناهج لا يعني تجاهل الماضي، بل يعني قراءته بوعي يهدف إلى الفهم لا إلى الانتقام. كما أن الأنشطة المدرسية المشتركة بين الطلاب من خلفيات متعددة تُسهم في كسر الصور النمطية، وتجعل الاختلاف تجربة إنسانية ثرية بدلاً من أن يكون سبباً للخوف أو الكراهية. ولا يقتصر دور التعليم على المؤسسات الرسمية، بل يمتد إلى الأسرة والمجتمع المحلي. فالطفل يتلقى دروسه الأولى في كيفية التعامل مع الآخر داخل البيت وفي الحي وفي فضاءات اللعب والعمل. لذلك فإن برامج التوعية المجتمعية، وحلقات الحوار المفتوحة، والمبادرات الشبابية المشتركة، كلها عناصر تُكمّل دور المدرسة وتُعزّز ثقافة التعايش. إن بناء السلام يبدأ من التفاصيل الصغيرة: من طريقة تحية الجار، ومن استعداد الناس للاستماع لبعضهم البعض، ومن قدرتهم على إدارة خلافاتهم دون اللجوء إلى العنف. الإعلام بدوره يُعد من أقوى الأدوات في تشكيل المزاج العام وتوجيه الوعي الجماعي. ففي المجتمعات الخارجة من النزاعات، يكون الناس في حالة بحث دائم عن تفسير لما جرى وعن سردية تمنحهم معنى لما تحملوه من معاناة. وهنا يمكن للإعلام أن يلعب دوراً بنّاءً أو هدّاماً. فالخطاب الذي يركز على الإثارة واستحضار الجراح دون تقديم أفق للحل يُبقي المجتمع أسير الماضي، ويُعيد إنتاج الانقسام في كل مرة تُستعاد فيها الذكريات المؤلمة. بينما الإعلام المسؤول يعمل على تسليط الضوء على قصص النجاح المشتركة، وعلى المبادرات التي تجمع الناس بدلاً من أن تفرّقهم، وعلى النماذج التي تُظهر أن التعايش ممكن بل ومثمر. إن الإعلام الحديث، خاصة عبر المنصات الرقمية، يمتلك قدرة غير مسبوقة على التأثير في تشكيل الرأي العام، سواء عبر الأخبار أو عبر الصور والرموز واللغة اليومية. لذلك فإن الاستثمار في تدريب الصحفيين على تغطية النزاعات بحساسية مهنية وإنسانية يُعد خطوة أساسية في إعادة تشكيل الوعي الجمعي. كما أن إنتاج محتوى ثقافي وفني يُجسّد قيم التعايش يمكن أن يُحدث تأثيراً عميقاً يتجاوز حدود الخطاب السياسي المباشر. فالأغنية والمسرحية والفيلم والرواية قادرة على الوصول إلى مناطق في النفس الإنسانية قد تعجز عنها الخطب الرسمية والبيانات السياسية. وفي السياق ذاته، تظل الزعامات التقليدية والاجتماعية ذات تأثير كبير في المجتمعات التي ما زالت تحتفظ ببنيتها القبلية أو المحلية. فهذه الزعامات لا تستمد شرعيتها من القانون المكتوب فحسب، بل من الذاكرة الجمعية ومن الثقة التي راكمتها عبر الأجيال. وحين تتبنّى خطاب المصالحة وتدعو إلى نبذ العنف، فإنها تمنح السلام بعداً ثقافياً وروحياً لا تستطيع المؤسسات الحديثة تحقيقه وحدها. إن المجالس العرفية وآليات الصلح التقليدية يمكن أن تكون أدوات فعّالة لترميم النسيج الاجتماعي إذا ما تم تطويرها لتنسجم مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان. لكن إعادة تشكيل الوعي الجمعي لا يمكن أن تنجح دون مواجهة صادقة لذاكرة الألم. فالحروب تترك وراءها جراحاً نفسية عميقة، وتخلق شعوراً بالظلم قد يستمر لأجيال إذا لم يتم التعامل معه بشكل عادل. لذلك فإن العدالة الانتقالية تُعد عنصراً محورياً في عملية التحول نحو التعايش. الاعتراف بمعاناة الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتقديم التعويضات المناسبة، كلها خطوات تُسهم في استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع وبين مكونات المجتمع نفسه. كما أن برامج الدعم النفسي والاجتماعي تُساعد الأفراد على تجاوز الصدمات وتمنحهم القدرة على الانخراط مجدداً في الحياة العامة بروح إيجابية. ولا بد من الإشارة إلى أن الاقتصاد يلعب دوراً خفياً لكنه بالغ الأهمية في تشكيل الذهنية الجماعية. فالفقر والبطالة وغياب الفرص تُغذّي الشعور بالإحباط وتدفع بعض الشباب إلى البحث عن معنى لحياتهم في الانخراط في الصراعات المسلحة. لذلك فإن خلق فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتشجيع التنمية المتوازنة بين المناطق، كلها سياسات تُسهم في تحويل طاقة المجتمع من الهدم إلى البناء. حين يشعر الإنسان بأن لديه ما يخسره إذا عاد العنف، يصبح أكثر استعداداً للدفاع عن السلام. إن التحول من ثقافة الحرب إلى ثقافة التعايش يتطلب أيضاً إعادة النظر في الرموز الوطنية وفي الطريقة التي يُروى بها التاريخ. فالأمم التي تنجح في بناء مستقبل مشترك هي تلك التي تستطيع أن تُعيد صياغة ذاكرتها بطريقة تُعلي من قيم التضامن والتعاون بدلاً من أن تُخلّد الانقسامات. وهذا لا يعني تزييف الحقائق أو تجاهل المظالم، بل يعني تقديم قراءة متعددة الأصوات للتاريخ تسمح لكل مكوّن بأن يرى نفسه جزءاً من السردية الوطنية الجامعة. ومع مرور الوقت، يمكن لهذه الجهود المتراكمة أن تُنتج تحولاً حقيقياً في الوعي الجمعي. سيبدأ الناس في الاحتفاء بالمعلم والطبيب والمزارع ورائد الأعمال، أكثر مما يحتفون بالمقاتل. وستتحول قصص النجاح من قصص الانتصار العسكري إلى قصص الإنجاز التنموي والابتكار الثقافي. وعندها فقط يصبح السلام قيمة يومية يعيشها الناس في سلوكهم ولغتهم وعلاقاتهم، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. إن الطريق نحو التعايش ليس سهلاً ولا سريعاً، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة والرؤية. فالمجتمعات التي عرفت الحرب قادرة أيضاً على أن تصنع السلام، بشرط أن تؤمن بأن مستقبلها لا يُبنى على ذاكرة الخوف بل على أمل المشاركة. وعندما يدرك الناس أن قوتهم الحقيقية تكمن في وحدتهم وفي قدرتهم على إدارة اختلافاتهم بطرق سلمية، فإن ثقافة الحياة ستنتصر في النهاية على ثقافة الموت، وسيصبح التعايش ليس مجرد هدف بعيد، بل واقعاً يتجدد مع كل جيل جديد يولد وهو يحمل في داخله بذرة السلام.
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم