aminoo.1961@gmail.com
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
كان يوم الجمعة، وهو عيد وعطلة رسمية في بلادنا، يومًا مختلفًا عن سائر الأيام، بملامحه وطقوسه وواجباته. ولسنوات طويلة كنت أبدأ صباحي بعد أداء صلاة الفجر و«الباقيات الصالحات» بتناول شاي الصباح والقهوة مع أول خيوط الشمس، جالسًا في الحوش الواسع على السرير نفسه الذي كنا ننام عليه ليلًا في الهواء الطلق، نتأمل نجوم الليل البهيم قبل أن نغفو.
وبين دفء الونسة والمؤانسة مع زوجتي الحبيبة، أم محمد، المشغولة كعادتها بتنظيف طفلها الأول وتعطيره بالعطور السودانية المحببة، كنت آخذ ابني منها—منذ ما يقارب التسع والعشرين عامًا—لأخرج به إلى الشارع. نجلس نتأمل أسراب الحمام التي اعتادت أن تغادر أقفاصها في هذا الوقت من منزل ود المبارك لالتقاط الحبوب الملقاة على الأرض، قبل أن تطير مذعورة حين تزدحم حركة المارة والعربات.
ثم نمضي إلى منزل والدتي الملاصق لبيتي لإلقاء التحية عليها والاطمئنان، ولا أخرج منه إلا بعد أخذ كوب آخر من شاي اللبن المقنن الذي تُصر على تقديمه، مع جرعات صغيرة منه لابني. أعود لأجد المنزل مرتبًا على أجمل ما يكون، ورائحة البخور تعبق في جنباته. نتفاكر—أنا وزوجتي—في احتياجات الأسبوع من خضر ولحوم وغيره، وينتهي النقاش بكلمة واحدة تعيدنا إلى أصل الحكاية:
«يا زول جيب الخضار… البتجيبو كل أسبوع ما بضر… الضيوف بيجوا والحاجة تكون تحت اليد».
أذهب بعدها إلى السوق، إلى «ملجة الخضار»، لأجلس مع الخضرجي الطيب الزين—صديق فقدناه—يستقبلني بابتسامة وترحاب، ويصر على أن أحتسي القهوة وهو يجهز لي كيس الخضار الأسبوعي. ثم يرسلني إلى عمنا خيري لجلب الخيار والكروم اللذين كان يأتي بهما من الخرطوم لزبائنه من الأقباط والمصريين والنقادة، ومن أمثالي «المتفلسفين» كما كان يحب أن يقول.
وبعد الجولة في بقية السوق وشراء اللحوم والبقوليات والفاكهة، أخرج مسرعًا لأدرك صلاة الجمعة في مسجد القبة وسط الأهل والأحباب. وبعدها نتناول فطور الجمعة المتأخر، ثم آخذ قسطًا من الراحة. وبعد صلاة العصر، أحمل طفلي الذي كان يعاني من آلام التسنين، وأذهب به إلى «العصري» في زاوية شيخ قنديل بالنوبة حيث الذكر ومديح المصطفى ﷺ. وهناك—وسط الهالة الروحية—يهدأ طفلي ويتوقف عن البكاء. ومع اقتراب المغرب نعود مسرعين لأداء الصلاة في زاوية الختمية، ونتبادل السلام والأخبار والضحكات مع أهل الحي قبل الرجوع للمنزل واحتساء القهوة.
كانت الحياة أمانًا… وكانت الدنيا مستقرة… وكانت الآمال عراضًا.
ثم فجأة—وكأن الزمن قرر أن ينقلب على ذاته—صحونا على أصوات رصاص، وطائرات تحلق في السماء، ومدافع تهدر. توقفت حركة السيارات… ثم حركة الناس. رأينا رجالًا ونساءً وأطفالًا يخرجون من بيوتهم مذعورين؛ امرأة كبيرة تُدفع في «درداقة»، وآخرون في «كارُو». وعلمنا بالخبر الحزين:
المدينة اقتُحمت… والجنود المتمردون دخلوا مدججين بالأسلحة.
في تلك اللحظة رأيت مشهدًا من مشاهد يوم القيامة: الجميع يركض… والاختيار المر أصبح واحدًا—الخروج مع الخارجين حفاظًا على النفس والعرض.
خرجنا بلا روية ولا تفكير؛ خرجنا تاركين بيوتًا وأموالًا وأملاكًا وذكرياتٍ صنعتها سنوات الأمان. وفي ساعات قليلة اقتحم الجنود منازلنا، أخذوا كل شيء… حتى أحلامنا البسيطة. عاثوا فيها فسادًا، وعبثوا بما تبقى من حياتنا، ولم تعد الدواليب والخزن قادرة على حفظ ما فيها، ولم تعد الأسرار أسرارًا. تفرّقنا في المدن والأمصار، ولم نعد نشم رائحة البخور، ولا وجدنا لطعام الدنيا طعمًا.
هكذا انطوت صفحة من العمر…
وتحوّل يوم الجمعة من طقوس الألفة… إلى ذكرى تبحث عن وطن
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم